ultracheck
  1. عشوائيات
  2. مجتمع

ضحايا خلف الأسوار.. لماذا يفشل التعليم المصري في حماية الأطفال من التحرش؟

22 يونيو 2026
الطفل ياسين
هزت قضية الطفل ياسين الرأي العام المصري (منصة لإكس)
إيناس كمال إيناس كمال

لطالما ارتبطت المدرسة في المخيلة المصرية بالأمان والرعاية والتربية. لكن الوقائع التي تتكشف تباعًا تُظهر جانبًا أكثر قتامة؛ إذ لم يعد الخطر يأتي من خارج الأسوار فحسب، بل بات يصدر أحيانًا ممن يُفترض بهم حماية الأطفال وتعليمهم.

ورغم أن التحرش داخل المؤسسات التعليمية ليس ظاهرة جديدة، فإن السنوات الأخيرة شهدت تزايدًا في الكشف عن تورط عاملين بالمدارس، من معلمين وإداريين وعمال وأفراد أمن، مما يثير تساؤلات ملحّة حول كفاية إجراءات الحماية والرقابة داخل المنظومة التعليمية.

وفي رمضان الماضي، أعادت قضية الطفل ياسين، المعروفة إعلاميًا بـ"متحرش دمنهور"، الذي خفّفت المحكمة قبل أيام حكمًا عليه من المؤبد إلى السجن المشدد عشر سنوات، هذا الملف إلى واجهة النقاش العام، لتتحول القضية من واقعة فردية إلى رمز لمعاناة ضحايا كثر لا تزال قصصهم حبيسة الخوف أو الصمت.

معلمون متحرشون

لم يكن مصطلح التحرش مألوفًا في قطاع التعليم المصري قبل تسعينيات القرن الماضي، حين انتفض الرأي العام إثر واقعة تعرضت فيها طالبات بمدرسة لغات للتحرش الجماعي، حين حاصرهن المتحرشون ومزقوا ملابسهن، وعجز المعلمون عن حمايتهن.

غم أن التحرش داخل المؤسسات التعليمية ليس ظاهرة جديدة، فإن السنوات الأخيرة شهدت تزايدًا في الكشف عن تورط عاملين بالمدارس، من معلمين وإداريين وعمال وأفراد أمن

نيرمين (اسم مستعار)، شابة من مدينة ساحلية، واجهت واقعة تختلف في تفاصيلها لكنها تتشابه في أثرها النفسي؛ فقد تعرضت للتحرش وهي في المرحلة الإعدادية على يد معلم اللغة الإنجليزية. بدأ الأمر باستمالتها عبر تشجيعها الدائم وتمييزها عن زميلاتها بالهدايا؛ ما جعلها تظنه معلمًا ودودًا وداعمًا لتفوقها الدراسي، حتى طلب منها في أحد الأيام حضور حصة إضافية. ظنت نيرمين أن الحصة ستكون بمشاركة زملائها، لكنها فوجئت بغير ذلك.

وصلت في الموعد المحدد، فلم تجد في المكان سوى المعلم، الذي أخبرها بأن بقية الطلاب سيلتحقون بهما بعد قليل، لكن لم يحضر أحد. جلس بجوارها وبدأ يتحسس ركبتيها، ثم تمادى وحاول لمس أجزاء أخرى من جسدها؛ فانتفضت وتجمدت في مكانها من الصدمة، وبعد عشر دقائق استوعبت ما يحدث، فأبعدته عنها وغادرت.

لاحقًا، بدأ بملاحقتها وإرسال رسائل نصية للتأكد من أنها لن تخبر أحدًا، متصرفًا وكأن شيئًا لم يكن.

لم تخبر نيرمين والدتها حينها، وتركت تلك الواقعة أثرًا عميقًا تمثّل في ردات فعل فجائية كلما لمسها أحد؛ إذ قالت لـ"الترا صوت": "كنت أنتفض إذا لمسني أحد، وظل ذلك التأثير ملازمًا لي. لكن ما أثّر فيّ أكثر هو أنه حين رفضت تصرفه، بدأ بإطلاق تعليقات مسيئة على شكلي وجسدي والمناطق التي حاول لمسها. تشكّلت لديّ عقدة لازمتني حتى تخرّجي، واستمرت لسنوات حتى قبل زفافي بشهر، فلم أكن متقبلة لشكل جسدي، ولم ينتهِ ذلك إلا بعد الزواج حين عشت تجربة حب ناضجة".

تُدرك نيرمين الآن، بعد سنوات من العلاج النفسي، أن ما تعرضت له لم يكن تعديًا جسديًا على فتاة قاصر فحسب، بل كان تلاعبًا نفسيًا؛ إذ كان يُغرقها بكلماته المسيئة ليشغلها عن أفعال يده.

غير أن أشد ما آلمها هو اضطرارها لكتمان ما حدث، حتى جثم على أنفاسها، ولم تُفصح عنه إلا حين علمت أن الموقف ذاته تكرر بشكل أكثر فداحة مع إحدى صديقاتها التي تعرضت أيضًا لابتزاز عاطفي منه؛ عندها فقط قررت إخبار أسرتها.

تضيف قائلة: "أخبرت أهلي بما حدث مع صديقتي، لكنني لم أملك الشجاعة لأفصح لهم عن كافة التفاصيل. تعاملت أمي مع الأمر بهدوء وقدمت لي الدعم، فقد كانت تدرك سوء أخلاق ذلك المعلم، أما أبي فتوجه في اليوم التالي إلى المدرسة وطلب مقابلة خاصة مع مشرف المادة وأطلعه على ما جرى. وحين تسرب الخبر، ظهرت شهادات أخرى تُدين المعلم نفسه، ليُنقل على إثرها إلى مدرسة أخرى، ومع ذلك لم يتوقف عن مطاردتي؛ فكان كلما رآني في الشارع يتهمني بأنني تسببت في ضياع مستقبله وأنني اتهمته زورًا".

التقينا والدة نيرمين، وهي صباح مديرة لإحدى مدارس القطاع العام، التي ذكرت أنها في بداية عملها كمعلمة كانت تظن أن هذه الظاهرة محدودة الانتشار، لكنها بدأت تلمس اتساع نطاقها مع كبر ابنتيها، رغم الانفتاح الذي يشهده المجتمع المصري حاليًا مقارنة بالعقود السابقة.

تتبنى والدة نيرمين نهجًا إيجابيًا؛ فهي تحرص دائمًا على التحدث مع الطالبات وتوعيتهن بأهمية خصوصية أجسادهن لحماية أنفسهن من التحرش، وتشجيعهن على اتخاذ موقف حازم وفضح المتحرشين في حال تعرضهن لأي أذى.

أما خلال تنقلها بين المدارس، فكانت تعالج حالات التحرش بحكمة داخل أسوار المدرسة؛ نظرًا لأن بعض الأسر قد تحرم فتياتها من إكمال التعليم إذا ما علموا بالأمر. وقد لجأت في حالات عدة إلى إبلاغ الإدارة التعليمية أو أولياء الأمور، مستخدمة مصطلحات مخففة مثل "مضايقة" أو "معاكسة" بدلًا من كلمة "تحرش" لتجنب ردود الفعل العنيفة، كما بادرت في إحدى المرات بإبلاغ قسم الشرطة عن شخص اعتاد التحرش بالطالبات.

وأكثر ما يثير قلق والدة نيرمين بصفتها تربوية، هو أن بعض أولياء الأمور حين يعلمون بتعرض ابنتهم للتحرش، يلقون باللوم عليها، أو يفرضون عليها قيودًا في الحركة، أو قد يحرمونها من حقها في التعليم.

كاميرات أكثر.. حماية أقل

في ظل تزايد بلاغات التحرش، لا سيما في المرحلتين الابتدائية والإعدادية، أصدرت وزارة التربية والتعليم في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي كتابًا دوريًا يهدف إلى تعزيز سلامة الطلاب في المدارس الخاصة. ومع ذلك، لم يحلّ هذا القرار دون وقوع حوادث جديدة، امتدت من دمنهور شمال غربي الدلتا وصولًا إلى قنا جنوبًا، حيث تعرضت طالبات لتحرش على يد معلم وعاملين، مرورًا بحالات مشابهة في محافظات كالشرقية والوادي الجديد، إذ تسجل كل محافظة حالة واحدة على الأقل سنويًا.

تضمن الكتاب الدوري إجراءات حازمة، أبرزها: إلزام المدارس بتحديث كاميرات المراقبة وتغطية كافة المرافق والفصول دون استثناء، وإجراء تحاليل دورية للكشف عن المخدرات لجميع العاملين، من معلمين وإداريين ومشرفين وسائقين وعمال، مع اشتراط تقديم ما يفيد خلو الموظفين الجدد من التعاطي قبل منح أو تجديد التراخيص.

كما نص الكتاب على حظر وجود عمال الصيانة داخل المدارس أثناء اليوم الدراسي، وقصر عملهم على الفترة التي تلي الخامسة مساءً أو أيام العطلات الرسمية. بالإضافة إلى ذلك، أُلزمت المدارس بتواجد عاملتين في كل دورة مياه قبل حضور الطلاب، على أن تظلا في العمل لساعة بعد انتهاء اليوم الدراسي.

وعلى الرغم من محدودية الاهتمام بتوعية الطلاب بمخاطر التحرش والاعتداءات الجنسية، إلا أن هناك مبادرات بدأت تسد هذه الفجوة؛ منها مؤسسة "سيف إيجيبت" التي أطلقت العام الماضي برنامجًا لتدريب المدرسين ومقدمي الرعاية في 6 محافظات، كالقاهرة والإسكندرية، وتستهدف تغطية 60 مؤسسة تعليمية خلال عامي 2025 و2026. كما انطلقت منذ عام 2019 مبادرة "عرفت أربّي"، التي تستهدف أولياء الأمور والأطفال عبر فعاليات واقعية وافتراضية، لتعريفهم بالمخاطر وتدريبهم على أساليب التربية السليمة غير العنيفة.

تُشير محدودية هذه المبادرات مقارنةً بحجم الظاهرة إلى واقعٍ مغاير، لا سيما في ظل النظرة المجتمعية التي لا تزال تُكبّل الآباء والأمهات، حيث يرتبط الإبلاغ في الوعي الجمعي بالوصم والعار، أو الخوف من الملاحقة، مما يدفع البعض إلى اللجوء لحلولٍ مؤقتة كتغيير المدرسة أو محل السكن لتفادي الأزمة.

وفقًا لإحصائية صادرة عن "اليونيسف" عام 2024، تعرّض طفلٌ من بين كل ثمانية أطفال في العالم لإساءة جنسية قبل بلوغ الثامنة عشرة. ورغم غياب إحصائيات محلية دقيقة، تناقلت العديد من المواقع والصحف تقريرًا منسوبًا للمجلس القومي للأمومة والطفولة العام الماضي، يُشير إلى ارتفاع بلاغات التحرش بالأطفال بنسبة 35% خلال العامين الماضيين، إلا أنه لم يُعثر على دليلٍ منشورٍ يؤكد صحة هذا الرقم.

وفي تقريرٍ حديث، أفادت منظمة الصحة العالمية بأن مليار طفل -على الأقل- ممن تتراوح أعمارهم بين عامين و17 عامًا حول العالم، تعرّضوا لشكلٍ من أشكال العنف الجسدي أو الجنسي أو النفسي أو الإهمال خلال العام الماضي، سواء على يد الآباء أو مقدمي الرعاية أو الأقران.

هل العقوبات كافية؟

تنص المادة "306 مكرر أ" من قانون العقوبات المصري وتعديلاتها المعمول بها منذ 16 آب/أغسطس 2021 على أنه: "يُعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تجاوز أربع سنوات، وبغرامة لا تقل عن 100 ألف جنيه ولا تزيد على 200 ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من تعرض للغير في مكان عام أو خاص أو مطروق، بإتيان أمور أو إيحاءات أو تلميحات جنسية أو إباحية، سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل، وبأي وسيلة كانت، بما في ذلك وسائل الاتصالات السلكية أو اللاسلكية أو الإلكترونية، أو أي وسيلة تقنية أخرى".

وتُغلَّظ العقوبة في حال تكرار الجاني للفعل وتتبعه للمجني عليه. كما تُشدد المادة "306 مكرر ب" على أن الجرائم المشار إليها تُعد تحرشًا جنسيًا إذا سعى الجاني للحصول على منفعة ذات طبيعة جنسية، وتكون عقوبتها السجن مدة لا تقل عن خمس سنوات.

أما إذا كان الجاني ممن نصت عليهم الفقرة الثانية من المادة (267) من قانون العقوبات المصري؛ كأن يكون له سلطة وظيفية أو أسرية أو دراسية على المجني عليه، أو مارس عليه أي ضغط أتاحت له الظروف ممارسته، أو ارتُكبت الجريمة من شخصين فأكثر، أو كان أحدهم على الأقل يحمل سلاحًا، فإن العقوبة لا تقل عن السجن لمدة 7 سنوات.

لا تمتلك النيابة الإدارية في مصر إحصاءً دقيقًا بشأن عدد البلاغات المقدمة ضد معلمين أو عاملين بالمدارس، أو عدد من تم التحقيق معهم خلال العام الماضي، بينما إحصاء عام 2014 أوضح أن النيابة حققت وقتها في 61 قضية تحرش جنسي ارتكبها مدرسون في المدارس الابتدائية والإعدادية. لكن المستشار محمد سمير، المتحدث الإعلامي باسم النيابة الإدارية، أكد لـ"الترا صوت" أن الرقم الحالي قد يكون أكبر من ذلك بكثير.

وأشار إلى أن هذه الجرائم لها مساران للتقاضي؛ الأول تأديبي تتولاه النيابة الإدارية، والثاني جنائي تتولاه النيابة العامة. وتُحال قضايا التحرش فورًا إلى المحاكمة التأديبية إذا أثبتت التحريات صحتها، ويقترن ذلك عادة بوقف المتهم عن العمل لمدة ثلاثة أشهر على الأقل، وقد تُجدد هذه المدة طوال فترة تداول الدعوى أمام الجلسات. وعند ثبوت الواقعة، تكون العقوبة الإدارية هي الفصل النهائي من العمل، مع إبلاغ النيابة العامة بالتوازي لمتابعة الشق الجنائي.

كما أوضح المتحدث الإعلامي أن مركز الإعلام والرصد في النيابة الإدارية، في بعض القضايا، لم ينتظر تقدم المجني عليهم أو المجني عليهن ببلاغات، إذ يتحرك المركز من تلقاء نفسه ويحيل هذه الوقائع إلى التحقيق الفوري، لأن اختصاصه يتمثل في متابعة تلك القضايا في مختلف أنحاء مصر.

ورغم الانطباع السائد بزيادة هذه الجرائم في الآونة الأخيرة، فإنه يمكن القول إن النسبة قد تكون ثابتة، بحسب ما أكد سمير، قائلًا لـ"الترا صوت": "هناك فرق كبير جدًا لاحظته في السنوات الأخيرة خلال التحقيقات، وهو أن للفن دورًا كبيرًا في توعية الأسر بهذه الجرائم وتشجيعهم على تقديم البلاغات. لذلك أتفق مع الرأي القائل إن الجريمة لم تتنامَ، وإنما التوعية هي التي زادت من عدد البلاغات المقدمة، وأصبح المسكوت عنه يتراجع بشكل ملحوظ".

ونتيجة لزيادة الوعي، قد تشهد السنوات القادمة اضمحلال ثقافة "الوصم والعار" في المجتمع المصري، وهي الثقافة التي تمنح المتحرش شعورًا بالأمان نتيجة قدرته على ترهيب الطفل أو تهديده، ما يدفع بعض الأسر أحيانًا إلى التردد في الإبلاغ عن الواقعة. وربما يسهم ذلك في ألا يكون هناك ياسين آخر يظهر في محاكمة المعتدي عليه مرتديًا بدلة "سبايدرمان".

كلمات مفتاحية
الإسماعلية

خرجوا بحثًا عن الرزق فعادوا جثامين.. حادث الدواويس يفتح ملف عمالة الأطفال في مصر

من بين أكثر مشاهد الحادث قسوةً وإيلامًا، أن الموت لم يطرق باب أسرة واحدة مرةً أو مرتين، بل اقتحمها دفعةً واحدة

الصومال

أزمة جوع في الصومال.. أموال الإغاثة تتبخر والأطفال يدفعون الثمن

تعيد الظروف الحالية إلى الأذهان أزمة الجفاف التي دفعت الصومال عام 2022 إلى حافة المجاعة

زلزال كولومبيا

زلزال كولومبيا.. سباق مع الوقت تحت الأنقاض وأزمة إنسانية تتكشف

الإسماعلية
مجتمع

خرجوا بحثًا عن الرزق فعادوا جثامين.. حادث الدواويس يفتح ملف عمالة الأطفال في مصر

من بين أكثر مشاهد الحادث قسوةً وإيلامًا، أن الموت لم يطرق باب أسرة واحدة مرةً أو مرتين، بل اقتحمها دفعةً واحدة

ميتا
تكنولوجيا

1.4 تريليون دولار على المحك.. ميتا تواجه أخطر معاركها القضائية

تكتسب القضية أهمية خاصة بسبب حجم التداعيات المحتملة؛ إذ قالت "ميتا" في ملفات قضائية إن الأضرار التي قد تواجهها يمكن أن تصل إلى 1.4 تريليون دولار

السوبر الأوروبي
رياضة

باريس سان جيرمان وأستون فيلا.. صراع أوروبي على أول ألقاب الموسم

تحولت المباراة إلى حدث يحمل أبعادًا تتجاوز المستطيل الأخضر، بعدما اختار اليويفا الحكم الصومالي عمر آرتان لإدارتها

الصومال
مجتمع

أزمة جوع في الصومال.. أموال الإغاثة تتبخر والأطفال يدفعون الثمن

تعيد الظروف الحالية إلى الأذهان أزمة الجفاف التي دفعت الصومال عام 2022 إلى حافة المجاعة