ضبط إيقاع التفاصيل

ضبط إيقاع التفاصيل

كانت لغة رياض الصالح الحسين تعرف أنه لن يعيش أكثر من ثمان وعشرين سنة

وصل الشعر إلى قبره هادئًا، ضابطًا مع تعمّق التجربة الشعرية كل التغيرات التي تحدث في اللغة من تقلباتٍ واستدعاءاتٍ لتجارب شعريةٍ أخرى، ومن التفنن في المجازات والصور المتراكبة إلى البساطة المتفردة، لقد كانت لغة رياض الصالح الحسين تعرف أنه لن يعيش أكثر من ثمان وعشرين سنة، كانت تعرف ذلك جيدًا لتصل إلى مبتغاها الأخير.

 أخذت لغة رياض الصالح الحسين شكلها الخاص من خلال إعادة صياغة التفاصيل البسيطة

تكلم بعفوية "بلا بهارات وتوابل"، هذا ما يقوله رياض الصالح الحسين لمنذر مصري في رسائله إليه! لقد كانت لغة رياض الشعرية متسارعة في تغيرها، وكانت تعيش كل مرحلة بأبلغ ما تستطيعه، فاستطاع أن يأتي بالمفردات والأماكن وأسماء الحيوانات وحتى الحالات الشعورية غير الموجودة في بيئته، ليعجنها مع تجربته العميقة للواقع وينتج نصًا لن تستطيع أن تنظر إليه بأي أُطر زمكانية، ولن تستطيع أن تحدد له هوية، إن ما تنظر إليه يعبر ببذخ عن النص الحي والذي يريد أن يعيش طويلًا.. لعقدةٍ في الحياة القصيرة، هذه الحياة التي كان رياض يتجاوز معها صمه وبكمه ليركض في الشارع ليلًا ويقفز بالهواء، ويقول كلمتين اثنتين فقط وبصعوبة "الحياة حلوة ..الحياة حلوة".

وبعد ذلك أخذت لغته شكلها الخاص البعيد عن الضخ القاموسي أو المجازي والمتركز على إعادة صياغة التفاصيل البسيطة. في بعض القصائد لا يفعل رياض شيئًا أكثر من إعادة ترتيب هذه التفاصيل حتى دون أن يقوم بتكبيرها أو تبيانها، وعندما نتساءل هنا عن سبب شعورنا العميق بهذه القصائد، علينا فقط أن نصمّ الأصوات المحيطة، لنشعر بقدرته الموسيقية العالية في قصيدة نثره! إنه يكتبها بهمهمات عميقة يكتّها في مسامعنا، لا بد من الاعتراف أننا قليلًا ما نشعر بالموسيقى الداخلية في قصيدة النثر، حتى من شعراء كبار، ستشعر أنك تفقد إيقاعك مع تراكب الجمل، لقد استطاع رياض أن يموسق كلماته بالتتابع مع الجملة الكاملة، فالقصيدة الكاملة، أنك في كل قصيدة تستطيع أن تسمع لحنًا خاصًا ودقيقًا جدًا بدون أدنى تعقيد، إنها بساطة الأشياء العادية، الشجرة، النهر، الحرب، الغرفة، الجدران... الأشياء البسيطة التي استطاع رياض خلقها شعرًا خالصًا.

لم تتعد أشعار رياض عوالم الأنثى، وظلت التجربة الشعورية عالقة بأبعد قليلًا من عذرية اللحظة، ظلت اللغة عالقةً في اللذة الأولى، ورغم أن لغته الشعرية استطاعت أن تنضج أكثر من ذلك، إلا أنها لم تحيَ مع رياض ما يكفي لإعادة تكوينها في جسد المرأة وما يليها من أبعاد وتطورات في التجربة الحسية، هذا ما كان ينقصنا من شعر رياض، كنا نريده أن يعيش أكثر ليضبط لنا إيقاع النشوة، ثم التيه، ثم الربكة ما بين اللحظة واللحظة، ثم العجز! لقد مات رياض في أوجّ اللحظة الأولى.

في الحرب، يبتعد رياض الصالح الحسين عن المقامرات السياسية ليدخل إلى عوالم الجنود النفسية

حتى في الحرب، عندما يتحدث رياض عنها فإنه يبتعد ابتعادًا تامًا عن المقامرات السياسية، ليدخل إلى عوالم الجنود النفسية/ الذاتية في خيمهم جدرانهم في المعسكرات، حزنهم، وحشتهم، توقعهم للحياة. في الحرب؛ يحكي رياض عمّا بعد الحرب، يحاول تأجيلها أو شدها إلى نهاياتها من خلال حبل الغسيل وما يتبعه من تفاصيل الحياة اليومية، لا يفخر رياض في الحرب، ولا يلعن جنودها أيضًا، لأنه يشعر بهم، جميعهم، لكنه يلعن الطاغية!

من الجدار إلى الجدار في غرفة رياض، تنوس اللغة، لا كذبابةٍ ترتطم بكل ما يقابلها من أشياء، بل كعنكبوتٍ ينسج الوحشةَ بخيطان جميلة ناعمة، يمرر خيوطه من كبد كل تفصيل، ودائمًا ما يكون الموت هو ما تصطاده الشبكة، ودائمًا ما تكون الحياة هي ما يريدها رياض، وعندما قال عاد لوركا إلى الزهرة ومن الزهرة إلى قلبه "أريد أن أذهب إلى الزهرة.. أتذهب أيها الحب". كان رياض يهرب إلى الزهرة، إلى الجمال: أريد أن أختبئ في زهرة/ خوفًا من القاتل". إلا إنه مات قبل أن تفترسه الحياة: "أنا الرجل السيء/ كان عليّ أن أموت صغيرًا/ قبل أن تفترسني الوردة!".

اقرأ/ي أيضًا:

البكاء في مواجهة الموت

جهاد هديب.. أو بوحٌ لا يعني أحدًا غيرنا