ultracheck
  1. ثقافة
  2. أدب

صُنع الله.. ما هذا الاسم؟ شهادة على شهادة صاحب "نجمة أغسطس"

14 أغسطس 2025
صُنع الله إبراهيم - Getty
صُنع الله إبراهيم - Getty
هناء نصير هناء نصير

مع نهاية القرن العشرين، أنهيت دراستي للأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة. سألت أستاذي لمادة المقال، المترجم علي الغفاري، النصيحة، حول كيف أعد نفسي لأحقق حلمي وأصبح صحفية.

كنت أمام إشكالية، أنني درست أدبًا كتب بلغة لا تنتمي لـ "هُنا"، وفي حقيقة الأمر، لم يكن أدب الـ "آن" كذلك؛ فالمناهج وفهرس كتب المكتبة المركزية كان قد توقفا مع خمسينات القرن العشرين. 

من بين أسماء الكُتّاب الذين أشار عليّ أستاذي العزيز بوجوب قراءة أعمالهم، كان اسم صُنع الله إبراهيم. توقفت أستوعب الاسم الفريد؛ من هذا الذي هو صُنع الله؟

صحيح أنها خاصية نتمتع بها نحن أبناء آدم مع عناصر الطبيعة الأخرى، لكن هل اختص الله هذا الرجل بوصفة خاصة، كي يحمل اسمًا، لم أسمع أنه قد سمي به غيره من الخلائق؟

بعد التخرج، حضرت مؤتمرًا أقامه قسم اللغة العربية وأدبها، مستضيفًا صُنع الله إبراهيم. رجل عادي، مصري الملامح، دقيق الجسم، لا تجد في سكونه، ما قد يؤهل لحمل اسم خاص كهذا.

لا أذكر السؤال الذي بدأ يرد عليه بأن حكى عن تجربته في كتابة روايته، "نجمة أغسطس"، كنت قد قرأت "تلك الرائحة"، "اللجنة"، وربما "يوميات الواحات". وحين قرأت بعدهم "نجمة أغسطس"، كنت أقرأها من خلال رؤيته وأفك شفراتها عبر "كتالوجه" الخاص.

كانت المرة الوحيدة التي أسمع مبدعًا يفسر كيف صَنع روايته. وفهمت أن الله صنع "صُنع الله إبراهيم" كشخصٍ واضح، ذي رؤية واضحة، ومبدأ لا يحيد عنه. 

بكل جسمه الصغير كان يتحدث عن تجربة زيارته للسد العالي، بعد خروجه من السجن، الذي قضى فيه مع غيره من أبناء اليسار المصري المرموقين، خمس سنوات، في سجن المحاريق في صحراء مصر الغربية، قُرب الواحات البحرية، فيما عرف بحبسة 59.

ذَكر صُنع الله يومها أنه كان يرغب في رؤية السد بعينيه. ذلك المشروع الضخم، الذي كان واحدًا من أكبر مشروعات النظام الناصري.

وخطر لي أنه ربما أراد أن يرى هل تستحق هذه المنجزات ثمنًا باهظًا كسجنه مع قامات مصرية وطنية كالدكتور لويس عوض، ومنها من مات تحت التعذيب كشُهدي عطية. 

ذَكر صُنع الله يومها أنه كان يرغب في رؤية السد بعينيه. ذلك المشروع الضخم، الذي كان واحدًا من أكبر مشروعات النظام الناصري

المُهم أن صُنع الله، الشاب آنذاك، تأثر كثيرًا بالمشروع الوطني، حتى أنه ذكر، في شهادته بمؤتمر قسم اللغة العربية وقتها، أنه صنع رواية "نجمة أغسطس" على نهج بناء السد العالي:

في الطبقة الخارجية منها لغة خشنة كالصخور، كأن يصف استخدام المرحاض ومحاولات صرف الفضلات بشد السيفون عدة مرات، وربما كاستخدامه مقتبسات من تقارير إخبارية أو برديات تصف فتوحات يحسها الكاتب وهمية للملك رمسيس الثاني، وهو ما قد يفسره القُراء كإسقاط على عبد الناصر وإعلامه المضلل في ذلك الوقت.

وفي القلب من هذا البناء، جزء مصمت يشبه في نعومة نسيجه، نواة ناعمة كأنها الرمل في قلب السد؛ فنجد قلب الرواية، مشهد رومانسي طويل، لا فواصل فيه. وكنت أظن أنه كتبه على غرار رواية "عوليس" لجيمس جويس، حتى سمعت تفسير الكاتب.

على الرغم مما تشي به "نجمة أغسطس" من عداء للنظام الناصري، إلا أن الكاتب، مصطفًا مع هذا النظام، ارتبط بهموم الأمة العربية وصراعها مع الإمبريالية وأذرعها المختلفة؛ فتبنى في أعمال مختلفة قضايا عربية في بلدان ارتبط بها الكتاب المصريون ثقافيًا وروحيًا كلبنان، وبالطبع القضية الفلسطينية. 

ثم جاءت رواية "ذات"، التي تسطر تقييمًا مناهضًا لفساد حكم السادات، وكأنها إعادة تقييم للتجربة الناصرية، في ضوء ما تلاها من فترات حكم، حادت عن المشروع الوطني لبناء مقدرات نهضة مصر، وانفتحت على سياسات رأسمالية أضاعت ما سبقها من منجز مصري وطني يدعم استقلالية البلاد وكرامتها.

وربما يضاف إلى ذلك البعد الزمني عن تجربة السجن القاسية، وتلك الرغبة التي لمسناها في أبناء هذا الجيل من اليساريين في التسامح مع سجنهم وتبريره باعتباره كان ضمانة للانفراد بالحكم وتنفيذ برنامج ناصر بحسب، رؤيته وحده وأدواته القمعية.

لكن انحياز صُنع الله إبراهيم للتحرر الوطني، كشف عن نفسه من جديد، في 2011، حين انضم مع غيره من كتاب "الستينيات"، كبهاء طاهر، إلى ثورة الشعب المجيدة لاستعادة الكرامة والاستقلال الوطني والتخلص من الفساد، واستعادة منجزات سابقة للشعب تركت للخراب، محاباة للرأسمالية والإمبريالية العالمية، وهو الموقف الذي يمكن عده امتدادًا لرفضه جائزة مستحقة له بالتأكيد عام 2003، كونها تمنح من نظام استبدادي.

جاءت رواية "ذات"، التي تسطر تقييمًا مناهضًا لفساد حكم السادات، وكأنها إعادة تقييم للتجربة الناصرية، في ضوء ما تلاها من فترات حكم

وأمس، في طقس يشبه طقس أسوان الحارق في أغسطس، والذي خلق صُنع الله في عقول قرائه ارتباطًا شرطيًا أبديًا بينه وبين صورة البطل الشاب الذي يسترطب بالبيرة المثلجة، بجوار النيل، رحل صاحب "نجمة أغسطس" بعد رحلة حياة ناصعة، اختتمت بوحدة الرعاية المركزة بأحد مشافي القاهرة، مصحوبًا بدعوات محبيه وقرائه وباحترام لم يقدر على مداراته حتى المختلفين معه.

كلمات مفتاحية
صراع العروش وكاتبه

30 عامًا على "صراع العروش".. الحكاية التي لم تنتهِ

بعد ثلاثين عامًا من "لعبة العروش"، لم يعد السؤال متى تصدر "رياح الشتاء" فقط، بل ماذا يحدث لحكاية تكبر مع مؤلفها وقرائها من دون أن تنتهي

مصاب بكسرة

أثرٌ لا يُسمَّى.. قراءة في ديوان "مصاب بكسرة" للشاعر نيجرفان رمضان

لم أفتح ديوان "مُصاب بكسرة" للشاعر نيجرفان رمضان بوصفه كتابًا يمكن قراءته وفق ما اعتدنا عليه من طرائق التلقي، بل دخلت إليه كما يدخل جسد إلى تجربة لا يعرف مسبقًا حدودها

مانيدو

مانيدو: سردية الحب والجليد بين الذاكرة والأسطورة

"مانيدو، قصة حب جليدية"، سيرة إنسانية تحمل في ثناياها أثرًا يشبه تلك الأرواح المتعالية عن الخلق وعن الأم الأولى، كسلسلة جامعة لكل شعوب الأرض

اقتصاد كرة القدم
رياضة

إن لم تجد راعيًا واحدًا لقميص ناديك.. فابحث عن ألف!

حين يضع النادي عدة شعارات على قميصه قد يرى البعض أن كثرتها تطغى على هوية الفريق وشكله، وآخرون والإدارة قد ينظرون إلى الرعاية باعتبارها مصدرًا مهمًا للإيرادات، لكن ماذا لو أصبح عدد الرعاة 1000؟

اليابان
حالة

ما هي "أزمة الشمام" التي سببت خلافًا بين اليابان وأستراليا؟

لم تتحول الواقعة في البداية إلى قضية كبيرة، لكن تسجيل المقابلة عاد إلى الواجهة بعد أسابيع، لتبدأ المعارضة ووسائل إعلام أسترالية في انتقاد ألبانيزي والمطالبة باعتذاره لرئيسة الوزراء اليابانية

آرسنال
رياضة

درع المجتمع يكشف مدى "جوع" أرسنال.. ويضع مشروع ماريسكا تحت المجهر

يلتقي أرسنال بطل الدوري الإنجليزي الممتاز، مع مانشستر سيتي حامل لقب كأس الاتحاد الإنجليزي، في افتتاح الموسم الجديد عبر مباراة درع المجتمع، أو ما يعرف بـ"الدرع الخيرية"

سيارات كهربائية
سيّارات

رغم تراجع المبيعات محليًا.. السيارات الصينية تكسب أسواق العالم

كل سيارة لا تجد مشتريًا في الصين يمكن أن تتحول إلى فرصة في سوق آخر، من أوروبا وأميركا اللاتينية إلى الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا