صورة كاملة للصفقة الكبرى.. هكذا سعى ابن سلمان للاعتراف بالقدس والضفة لإسرائيل

صورة كاملة للصفقة الكبرى.. هكذا سعى ابن سلمان للاعتراف بالقدس والضفة لإسرائيل

منذ 2016، تعهد ابن سلمان لإسرائيل بالانضمام لاتفاقية السلام بينها وبين مصر (رويترز)

"من المحتمل أن يكون ابن سلمان قد عمل على هندسة وترتيب قضية حل الدولتين بالطريقة التي تُفضلها إسرائيل"، بهذه الجملة بدأ موقع "The American Conservative" مقاله حول دور ولي العهد السعودي والحاكم الفعلي للبلاد، محمد بن سلمان، في إعلان ترامب الأخير بأن القدس عاصمة للاحتلال الإسرائيلي. في السطور التالية، ترجمة بتصرف للمقال.


يُعتبر إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي اعترف فيه بالقدس عاصمةً لإسرائيل، وقرر نقل سفارة الولايات المتحدة من تل أبيب إلى هناك؛ حدثًا تاريخيًا هامًا، كما يعطي الحق للسيطرة الإسرائيلية على القدس -من وجهة نظر الولايات المتحدة - وذلك بعد أن منح إعلان بلفور الحق الذي لا يملكه للشعب اليهودي في أرض فلسطين التي لا يستحقها.

من المرجح أن إعلان ترامب القدس عاصمة لإسرائيل، يأتي ضمن خطة أوسع لتمكين إسرائيل من كل فلسطين، وإبقاء قطاع غزة فقط للفلسطينيين!

إلا أن هذا الإعلان يمكن أن يكون جزءًا من خطةٍ أوسع تهدُف إلى مساعدة إسرائيل على السيطرة على القدس والضفة الغربية وانتزاعهما من أيدي الفلسطينيين، وترك العرب في دولتهم المتمثلة فقط في قطاع غزة!

اقرأ/ي أيضًا: تقدير موقف: قرار ترامب إعلان القدس عاصمة لإسرائيل: الدوافع والمعاني والآفاق

أي شخص يتطلع إلى وزارة الخارجية الأمريكية للحصول على إرشادات حول هذا الشأن، سيُصاب بخيبة أمل. لقد جاءت أولى الأسباب الرئيسية الضبابية في إعلان ترامب الصادم، مضحكًا، وفي نفس الوقت مُحبطًا جدًا.

بالتأكيد، كان من الممكن أن يكون ختام جلسة وزارة الخارجية الأمريكية والتي عُقدت يوم الخميس الماضي، بقيادة الجندي السابق، ديفيد ساترفيلد، مُضحِكةً أكثر من المسلسل الكوميدي البريطاني الشهير "Yes, Prime Minister".

وقد قام ديفيد ساترفيلد، الذي عمل لمدة 40 عامًا في الحقول الجرداء من دبلوماسية الشرق الأوسط، بحذو طريقة نجم المسلسل الشهير، السير همفري أبلبي، والذي كان يعمل كمساعد لوزير الخارجية. وتمامًا كما كان يمثل السير همفري، فقد تحدث ديفيد ساترفيلد، لكن دون أن يقول شيئًا على الإطلاق!

ولحسن الحظ، أن مسؤولًا فلسطينيًا رفيع المستوى، أوضح لنا العلاقة بين إعلان ترامب وخططه الأوسع نطاقًا في المنطقة. وأطلعنا هذا المسؤول على تفاصيل الاجتماع المفاجئ، الذي كان قد عُقد الشهر الماضي بين رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، وولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

هذا وقد استُدعِي محمود عباس، البالغ من العمر 82 عامًا، إلى الرياض، في السادس من تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، في إطار مساعي ابن سلمان الحثيثة الواسعة ضد إيران وحلفائها في المنطقة. ولم يكن عباس الزعيم العربي الأول الذي يُستدعى حرفيًا للرياض، فقبل أيام من وصوله كان سعد الحريري، رئيس الوزراء اللبناني، قد استدعي هو الآخر، وضُغط عليه بقوة، وقيل إنه وُضع تحت الإقامة الجبرية، لتقديم استقالته، كجزءٍ مما تتخيله السعودية هجومًا مناهضًا لنفوذ إيران، فشل في النهاية بأن تراجع الحريري عن استقالته. 

ووفقًا للمصدر الفلسطيني، كان ابن سلمان ممتعضًا جدًا. وقد وصف المسؤول المفلسطيني تحركات ابن سلمان بـ"المقامرة الكبرى" لتدعيم رجاله ونفوذه في المنطقة. وعلى هذا المنوال، أعلن ابن سلمان أن مبادرة السلام العربية -التي كانت برعاية سعودية، وتَعِدُ باعترافٍ عربي بإسرائيل مقابل إقامة دولةٍ فلسطينية في الضفة وغزة- هي بمثابة خطة ميّتة ولا وجود لها!

مهّد ابن سلمان الطريق أمام إعلان ترامب القدسَ عاصمة للاحتلال الإسرائيلي (Getty)
مهّد ابن سلمان الطريق أمام إعلان ترامب القدسَ عاصمة للاحتلال الإسرائيلي (Getty)

وأكّد المصدر الفلسطيني رفيع المستوى، على أنّ ابن سلمان أعلن أنّ الوقت قد حان للخطة البديلة، وتتمثل في إقامة دولة فلسطينية في قطاع غزة، يتخللها عمليات نقل مصرية غير محددة للأراضي في شبه جزيرة سيناء. وعندما سأل محمود عباس الذي كان مصدومًا عن مكان الضفة الغربية والقدس الشرقية فى هذا المخطط، رد عليه محمد بن سلمان قائلًا: "يمكننا الاستمرار فى التفاوض حول هذا الموضوع". سأله مرة أُخرى: "ماذا عن القدس، والمستوطنات، والضفة الغربية؟"، فأجاب ابن سلمان: "ستكون هذه المسائل قيد التفاوض، ولكن بين دولتين"!

ولكسر حدة مرارة حديث ابن سلمان، فقد عرض على محمود عباس 10 مليارات دولار. يقول المسؤول الفلسطيني: "لا يستطيع عباس أن يقول لا للسعودية، لأنه ببساطة لا يستطيع أن يقول نعم".

ووفقًا لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، استنادًا إلى مصادر فلسطينية وعربية وأوروبية، فإن ابن سلمان بالفعل عرض على عباس دعمًا ماليًا كبيرًا للقبول بخطته، بل إنه حتى عرض عليه أن يدفع له مباشرة، وهو الأمر الذي تقول المصادر للصحيفة الأمريكية، إن عباس رفضه.

وأكّدت صحيفة التايمز الأمر، نقلًا عن مصادرها، من أنّ ابن سلمان عرض على عباس خطة تقضي بإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة محدودة في غزة، وأجزاء غير متناغمة في الضفة، على أن تبقى الغالبية العظمى من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة على حالها، علمًا بأنّها وفقًا للقانون الدولي تعد غير قانونية، أي هذه المستوطنات.

قبل أسابيع قليلة استدعى ابن سلمان محمود عباس وعرض عليه المليارات، مقابل القبول بخطة تقضي بإقامة دولة فلسطينية في غزة فقط

يبقى السؤال هو: من الذي زرع هذه الفكرة في رأس ابن سلمان؟ يبدو أن الإجابة لا تمثل معضلة، فكل الأصابع تُشير إلى إسرائيل.

اقرأ/ي أيضًا: كوشنر وابن سلمان ونتنياهو.. ثلاثي المؤامرات الخفية

إن قيام دولة فلسطينية في غزة يُنظَر إليه منذ وقتٍ طويل من قِبل المسؤولين الإسرائيليين الرئيسيين كوسيلةٍ لإجبار العرب على ضم إسرائيل للضفة الغربية والقدس الشرقية. وقد تكرر طرح الفكرة بصورةٍ مختلفة من قِبل الجناح اليميني الإسرائيلي على مدار عقدين تقريبًا.

وتشترك جميع الأطراف الإسرائيلية في رغبة التوصل إلى اتفاقٍ يقضي بتنازل البلدان العربية المجاورة لإسرائيل عن بعض الأراضي الخاضعة لها من أجل استلام إسرائيل للضفة الغربية والقدس الشرقية. على سبيل المثال، ناقش عوزي آراد، المساعد السابق لنتنياهو، ورئيس مجلس الأمن الوطني الإسرائيلي، وخليفته جيورا إيلاند، إلى جانب آخرين ممن عملوا مع نتنياهو؛ هذا الحل، فبالنسبة لمصالحهم، تُعد السيادة الفلسطينية على الضفة الغربية والقدس خسارةً مطلقة.

كيف يمكن إذًا إيصال هذه الفكرة الإسرائيلية إلى الرياض في نفس اللحظة التي يُنهي فيها كل من ترامب ونتنياهو التفاهمات المرتبطة بإعلان ترامب القدسَ عاصمةً لإسرائيل؟

قبل أيامٍ قليلة من اجتماع محمد بن سلمان بمحمود عباس، سافر المبعوثان الامريكيان جاريد كوشنر، صهر ترامب وعراب الصفقة، ومعه جيسون جرينبلات، المحامي السابق لترامب، والمبعوث الحالي للسلام في الشرق الأوسط؛ إلى الرياض لإجراء بعض المداولات التي استمرت إلى وقتٍ متأخر من الليل مع ولي العهد السعودي.

كوشنر، والذي تجمعه صداقةً طويلة مع نتنياهو كما يعلم الجميع، والذي ترأس مؤسسة والديه لتحويل الأموال إلى مستوطنات الضفة الغربية، يعتقد تمامًا بفكرة أن القدس "عاصمة أبدية للشعب اليهودي"، وأن غزّة وغيرها يمكن التفاوض عليها بدرجات متفاوتة. وعليه يُعد دعم كوشنر لهذه المقترحات كقاعدةٍ أساسية للاستراتيجية الأمريكية الجديدة، بمثابة تجميد للانسحاب الإسرائيلي من الضفة الغربية والقدس تمامًا، بل قد يُستبعد هذا الانسحاب بشكل كامل.

هذا ويُعد كوشنر المصدر الأمثل لابن سلمان فيما يخص أي شيء عن إسرائيل. وبافتراض أن كوشنر ومحمد بن سلمان على توافقٍ فيما يخص المخطط المُعَد للدولة الفلسطينية، واجتماع محمد بن سلمان ومحمود عباس يشير إلى ذلك، فإن اتفاقهما يضيف بُعدًا مقلقًا جديدًا إلى إعلان ترامب المتعلق بالقدس.

يُعد كوشنر عراب الصفقة الكبرى بالتعاون مع ابن سلمان ونتنياهو (ألترا صوت)
يُعد كوشنر عراب الصفقة الكبرى بالتعاون مع ابن سلمان ونتنياهو (ألترا صوت)

يتسق ذلك التوافق الأمريكي السعودي مع التخلي الفعلي للجانب السعودي عن مبادرة السلام العربية الخاصة بهم. فبناءً على ذلك، يكون الزعيم السعودي قد نقض بنفسه عنصرًا أساسيًا في هذه المبادرة، عندما وافق في أبريل/نيسان 2016، بالانضمام إلى كلٍ من إسرائيل ومصر في شراكتهما الاستراتيجية القائمة منذ توقيعهما لاتفاقية السلام دون تنازلات إسرائيلية لصالح دولة فلسطينية، مقابل إعادة سيطرة السعودية على الجزيرتين الاستراتيجيتين في البحر الأحمر، تيران وصنافير.

وقد أشار المصدر الفلسطيني رفيع المستوى، إلى أن ابن سلمان كتب بنفسه خطابًا رسميًا إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يحدد فيه التعهد السعودي غير المسبوق، بالمشاركة -إلى جانب مصر وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية- في دعم القضايا الأمنية لمعاهدة السلام التاريخية بين إسرائيل ومصر.

يُمكن فهم هذا القرار وذلك الخطاب في إسرائيل، على أنه دليلٌ عملي على استعداد السعودية الجاد لإقامة علاقة مع إسرائيل، دون شرط إقامة دولة فلسطينية في غزة أو الضفة، أو في أي مكان آخر.

ورغم النفي المستمر من كافة الأطراف المتورطة، سواءً البيت الأبيض أو السلطات السعودية أو حتى المتحدث الرسمي باسم محمود عباس، إلا أنّ العديد من المصادر المطلعة، أكدت سواءً لنا أو لنيويورك تايمز، تلك التفاصيل، وكشفوا عن سياق الأحداث الخطيرة التي سبقت إعلان ترامب القدسَ عاصمة لإسرائيل.

اتفاقية تيران وصنافير كانت بداية قبول ابن سلمان الدخول على خط معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، مع تجاهل حقوق الفلسطينيين

وعليه، يُصبح مفهومًا تغاضي ترامب عن الانتقاد السعودي العلني لإعلانه القدس عاصمة لإسرائيل، ففي النهاية ليس هذا الانتقاد إلا جزءًا من الخطة الكُبرى، أو ما باتت تعرف بـ"صفقة القرن".

 

اقرأ/ي أيضًا:

عزمي بشارة: المسار السياسي الراهن مجرد غطاء لنظام الأبارتهايد الإسرائيلي

4 تبعات كارثية لإعلان ترامب القدس عاصمةً للاحتلال الإسرائيلي