صورة حسن نصر الله في الصراع الطبقي

صورة حسن نصر الله في الصراع الطبقي

حسن نصر الله، زعيم حزب الله (أ.ف.ب)

انقسم المعتصون في الساحات في لبنان عام 2015، المطالبين بإيجاد حلول لأزمة النفايات، حيث عمد الشباب إلى الاعتصام والمطالبة بإسقاط الحكومة، ومنهم من دعا إلى إسقاط النظام ككل.

المعيار الطبقي يسمح ببناء تحالف شعبي عريض، بينما المعيار الطائفي ينتهي بتشكيل خلايا غير متوافقة الأهداف ومسلوبة الإرادة

في ذلك الوقت طرحت شعارات مثل "كلن يعني كلن"، ما أدى إلى انقسام حاد داخل الحركات الشبابية، خاصة حين تم وضع صورة تضم زعماء الأحزاب اللبنانية باعتبارهم "سارقون وفاسدون"، فأتت المعارضة الشديدة على ضم صورة حسن نصرالله إلى زعماء الطوائف في لبنان.

اقرأ/ي أيضًا: حسن نصر الله.. وجه إيران الصريح

حينها كان السؤال الأبرز: هل حسن نصرالله زعيم سياسي أم رجل دين؟ هل هو مشارك في منظومة الفساد أم أنه خارج المنظومة؟ اعتبر البعض أنه رئيس كتلة نيابية كبيرة ولديه ثلاثة وزراء داخل الحكومة، وبالتالي فإن كل الأزمات والقضايا في البلد معني بها، بينما اعتبر البعض أن صورة حسن نصرالله يجب أن لا تمس تحت أي ظرف كان.

"الحنفية"

وللتعمق أكثر وللإجابة عن هذه التساؤلات كان لا بد من إيجاد طرح نظري هو عبارة عن تصور لبناء هرمي يستند في أساسه إلى تحديد معايير وقواعد محددة. لنفترض أن الشكل العامودي يرمز إلى المعيار الطبقي، بينما يرمز الشكل الأفقي إلى المعيار الطائفي. المعيار الأول يجمع المواطنين حول قضايا مصيرية تعنيهم، بينما المعيار الثاني يفتت ويشتت المواطنين وخاصة الفقراء والطبقات الوسطى.

المعيار الأول صلب وواقعي وأما المعيار الثاني هش ومطاط. إذًا، فالمعيار الطبقي يسمح ببناء تحالف شعبي عريض، وتحقيق المطالب المعيشية للأكثرية، بينما المعيار الطائفي ينتهي بتشكيل خلايا ومجموعات غير متوافقة الأهداف ومسلوبة الإرادة.

فالنقاش حول إمكانية انتقاد حسن نصرالله وإشراكه ضمن الزعماء الفاسدين الذين نهبوا البلد لمصالحهم الخاصة، هو نقاش مستمر ودائم، وينقسم الناس بين مؤيدين ومعارضين بشدة للفكرة. ولكن ليس بالضرورة أن يكون الفساد تعبيرًا عن فساد شخصي مباشر وإنما هو، بطبيعة الحال، تعبير عن مشاركة حزب الله ككل في المنظومة الفاسدة في لبنان.

اللافت أنه بإمكاننا أن نلاحظ شخصين من نفس الطبقة الاجتماعية، ويعانيان الحرمان ذاته، منقسمين حول هذه النقطة. وهذا ما يرجعنا إلى البداية، حيث قلنا بأن التقسيم الأفقي المغلف بالطائفية يعمل على تشتيت المواقف وتفتيت الإرادات بين أبناء الطبقة الواحدة، وليس من قبيل الصدفة، أنهم يعانون ذات المعاناة الاجتماعية والاقتصادية.

أما التقسيم العمودي المرتكز إلى أوضاع اقتصادية، فإنه يعري المسألة ويوضحها ويزيل الغشاوة عن أعين المواطنين، فلا تبقى أي سلطة عقائدية دينية قادرة على تمييع الصراع وتحريفه وتوجيهه نحو مسارات وهمية لخدمة مصالحها ومكانتها وبالتالي إفشال الحراكات الشعبية، التي تؤدي، حتمًا، وفي كل مرة، إلى الحفاظ على ما هو كائن لها.

لنتخيل سويًا مبنى مؤلفًا من ثلاث طبقات؛ الطابق الثالث يسكنه الحكام والسياسييون والهيئات الاقتصادية التي "تطاع ولا تطيع" وأصحاب الرأسمال ورجال الدين. أما في الطابق الثاني فيسكن الأغنياء والطبقة الوسطى والبرجوازيون. وطبعًا، يعيش عامة الشعب من عمال وفلاحين وأصحاب مهن وموظفين بمداخيل محدودة والفقراء والمهمشين والمعدمين وغيرهم في الطابق الأول.

تربط هذه الطوابق مجموعة من الأنابيب من الأعلى إلى الأسفل، وكل أنبوب مخصص لحاجة معينة، فمنها أنابيب المجاري والنفايات والفتات والمساعدات ومنها المال والذهب والفضة والأكل والرفاهية والأدب والفن والثقافة... إلخ. ويتحكم سكان الطابق الثالث بالمبنى الصغير عبر حنفيات يفتحونها لمن يريدون وساعة يشاؤون، يحددون الكمية والنوعية والمصب، ويقطعونها حين يدركون أهمية العقاب.

يتبعون سياسة العصا والجزرة. بالتأكيد سكان الطابق الثاني هم الأكثر تأثيرًا من الناحية العملية على المبنى بأكلمه لأنهم صلة الوصل بين ما يريده مالكو الطابق الثالث وما يجب تنفيذه من قبل القاطنين في الطابق الأول. لا ننس أن نصف عدد الحنفيات موجود في الطابق الثاني، حيث يمارس سكانه أيضًا تقشفًا وتقنينًا في عطاءاتهم لسكان الطابق الأول. الطابق الأول لا حنفيات له، إذ لا شيء تحتهم إلا التراب والموت.

على عكس الأبنية الهندسية التي تكون قاعدتها عريضة وسقفها منحسر (الهرم مثلًا)، نجد أن هذا البناء بني بعكس قوانين الطبيعة وبعكس النظريات الرياضية، فنجد أنه أشبه بمثلث قاعدته العريضة في الأعلى بينما يستند على رأسة إلى الأرض.

إنه هرم مقلوب، ذلك أن ضخامة الاحتياط والإنتاج والمردود مملوكة من قبل سكان الطابق الثالث، ومن غير الطبيعي أن يكون العكس. لذلك تصبح الثورة ضرورية من أجل إعادة الأمور إلى طبيعتها، ومن أجل إعادة تموضع المثلث بشكله الفرعوني الأصيل المستند إلى قاعدة عريضة متينة وصلبة تربطها علاقات المساواة.

أين يمكن أن نضع الأمين العام لحزب الله في هذا البناء؟

طبعًا سيخرج الكثيرون للدفاع المستميت وسيقولون إن السيد نصر الله لا يعيش في أي طبقة من الطبقات، وأنه زاهد يعيش تحت سابع أرض! إنه كلام عاطفي بامتياز. إننا بصدد تصنيف مادي علمي ينكر كل محاولات التضليل الميتافيزيقي الغيبي الخرافي.

من الصعب تصنيف السيد حسن بانتمائه إلى سكان الطابق الأول لعدة أسباب منها أنه: ليس عاملًا، وغير مضطهد، لا بل هو رئيس لأكبر الأحزاب اللبنانية ضخامة في المال والبشر والعسكر. وطبعًا لا يمكننا أن نموضعه مع سكان الطابق الثاني ذلك أنهم نفعيون وهم حلقة الوصل كما أن موقعه لا يخوله أن يلعب دور الوسيط والوساطة.

كم احتمالًا تبقى؟

إما أن يدرج مع سكان الطابق الثالث من السياسيين والحكام والزعماء والهيئات الاقتصادية، علمًا بأن هذا التموضع مرفوض من قبل مؤيديه باعتبار أن نصر الله ليس زعيمًا ولا سياسيًا وإنما رجل دين، وهو "أشرف الناس"!

وإما، وهو الاحتمال الأخير، أن حسن نصرالله يعيش في السماء! ومن هنا يتجلى التقديس بشكله الصريح والواضح، فلا يمكن أن يكون "السيد" أرضيًا. الأرض والمادة للبشر أما السماء فهي من نصيب الآلهة والزهاد والمترفعين عن هذه الدنيا. الأرض للعبيد والسماء للمعبودين!

ومن هنا عدم المقدرة على توجيه الانتقادات إلى حزب الله وأمينه العام، وعلى سبيل المثال، حين ظهر حسن نصرالله في مشهد كاريكاتوري ضمن برنامج ساخر "بس مات وطن" للمخرج شربل خليل، نزل الآلاف من مؤيدي حزب الله إلى الشوارع احتجاجًا على الأمر وأقفلوا الطرقات وأحرقوا الإطارات مطالبين بالاعتذار وإيقاف البرنامج.

يصعب توجيه الانتقادات السياسية والاقتصادية لحسن نصر الله، لأن مؤيديه فوق هذه الاعتبارات "الدنيوية" وكأنه رجل يعيش في السماء!

من هنا، فإن محاولة البعض نقل المشكلة من الأرض إلى السماء لهو كذب ونفاق. ولا يمكن اختراع تصنيفات جديدة وطوابق خاصة للأشخاص تتناسب وهالتهم وشعبيتهم. فالكل يستخدم "الحنفية" في تعاطيه مع جمهوره وهذا ما يجب تحطيمه حتى لو تطلب الأمر استخدام السخرية اللاذعة للشخصيات العامة في لبنان.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حسن نصر الله يستشهد بأقوال دونالد ترامب!

"ليبرالية" الممانعة.. تلقٌ طائفي للأخلاق