صورة بانورامية لحياة السيدة

صورة بانورامية لحياة السيدة "هـ"

لوحة لـ روفينو تامايو/ المكسيك

"صرخة حادة واحدة بعد لمعة الفلاش كانت كفيلة بتحويل السيدة هـ إلى جدار".

"لكن لا يا جو، قلتَ إنها تحولت إلى حجر!"

"أوف، جدار، حجر ما الفرق؟ المهم أنها كانت صرخة حادة واحدة بعد لمعة الفلاش قبل أن تصير شيئًا قاسيًا وثقيلًا".

*

 

توقف الثلج في الخارج، دوامات الريح تكنس الشوارع المرصوفة، ترفع ندف الثلج الطرية في مخاريط طولية وتكومها في الزوايا حيث تلتقي أسوار بنايات مدينة نيويورك. الضوء الأصفر الباهت الذي يمر من تشكيلات الورد المفرغة على الستائر يتوزع في سبخات مبعثرة على الأرضية الخشبية، وفي المنتصف بين شقي الستائر تسقط حزمة ضوء مستطيلة وواثقة، أمد يدي ألتقط ذرات الغبار المنزلقة على طولها، أغرس أظافري عميقًا في باطن كفي، أقرب وجهي وأفتحها على مهل، متخيلة عجينة بيضاء صغيرة من الغبار تجمعت في منابت الأصابع، ولا شيء! ينقبض الدم منسحبًا من أطرافي في كسرة من الثانية، يتركز في مكان ما في بطني، قبل أن ينفجر ويتشظى لألف ألف نقطة، تاركًا جسدي يرتجف بنشوة. 

وبينما ينسحب الأصفر مفسحًا المكان للبنفسجي الدافئ ليغطي قطع الأثاث وتلمع القطرات المتجمعة على زجاج المصابيح في الشوارع، ينبثق الصوت مرة أخرى! متقطعًا أولها ثم ثابتًا بوضوح. أشد الوشاح المتكلس من أثر المخاط الجاف حول رقبتي وأجري نحو الثقب، ألصق صوان أذني كاملًا فيه حتى يخيل إلي أنني أسمع نبض الإسمنت. شيء يشبه ماءً ينقط، ربما ذوبانٌ نحيل لكومة جليد أو صنبورًا غير محكم، صوت ضحك لا يبدو واضحًا، قد يكون صراخًا ضئيلًا.

هذا الثقب هو صلتي بالعالم، ينفتح على مدن أخرى، مدن من ملح، مدن من عذاب، حيث شموس كثيرة، والشهقات تصل تباعًا. بدأ كل شيء يوم انتقلت لهذه الغرفة، هيئ إلي أن صوتًا سال من هذا الثقب الذي بحجم حبة مشمش فوق الكنبة. صوت خشخشة، ربما نار تستعر في البعيد، أو طنين ذباب أو ريح تمر بعشب طويل، ثم امرأة تجري، قبل أن تدركها يد مشعرة غليظة العقد وتلتف حول فمها "بدك تفضحينا! لو بآخر الدنيا بنطولك"، فيتحول اللهاث إلى همهمة مخنوقة ويعلق صدرها المنتفض هناك في الثقب الذي بحجم حبة مشمش فوق الكنبة في غرفتي. 

كذّبتُ نفسي، قلتُ هو الوهم، قلتُ هي الوحدة، ثم كدتُ أجن، دسستُ الوشاح في الثقب دون جدوى، ظل الصوت يأتي متقطعًا ولكن بلا لُبس، دون منطق محدد أو تسلسل مفهوم، لكن حقيقي جدًا. وهكذا بدأت تصل متتابعة، شذرات كالزجاج المكسور، مؤلمة. وناقصة، لكنها تنتمي بكلّها إلى حكاية واحدة، امرأة واحدة، عرفتُ ذلك بحس المرأة داخلي، قبل أن تبدأ أشياؤها بالتشبث في الثقب في غرفتي. في كل مرة تجري، حتى في المرة التي وقفتْ فيها أمام موظف المطار لختم جوازها، كان خوفها هو الذي يجري ويصب في دمي، خوفها من أن يُرجعها من حيث جاءت، خوفها من أن يسمح لها بالمرور، ثم بكاؤها المر بعد أن تمنى لها رحلة موفقة. والحقيقة أن هذه الحادثة فاصلة في تاريخ هذا الصوت، ذلك أن شيئًا ما اختلف من يومها، صار الصوت يأتي كصدى بعيد، صدى مكرر ومشروخ كذكرى بعيدة. 

لا أدري متى على وجه الدقة دخلت أصوات أخرى، طفل بالدرجة الأولى، ورجال كثيرون ونساء، لكن الثابت الوحيد في كل مرة ينبثق فيها الصوت، هو صوت زر الكاميرا. كل مرة يدور الجنون فتجري أقدام ويندلع لهاث ويخمش الصراخ المكتوم صدورًا قبل أن ينتهي المقطع بفلاش! كأن أحدهم يحرص على توثيق كل هذا البؤس.

قُبلَ مجنونة ولهاث، أظافر تنشب برقبتها، صوت الألم يشرخ فخذيها ورشقات دم، قماش مبقّع وزغاريد وراء الباب، رشق رصاص، وهمهمة تنبؤ بدمع ساخن يجري وينقط في الثقب فوق رأسي، ثم فلاش. لا شيء يوحي بترتيب زمني ما، لا نسيج مغزول بروتر الزمن، تنتقل الأصوات من تصفيق مبتهج عاصف إلى طلقات كرشق المسامير فوق الحائط. وما من غاية سوى أن يصل الصوت، تخليتُ منذ زمن عن البحث عن مغزى أو حلول، آمنتُ أخيرًا أن الصوت يأتي كغاية قصوى لا كوسيلة تسعى لما بعدها، وهكذا صار ينز الصوت في سمعي، كل يوم وبلا توقيت ثابت، أخشاه وأنتظره، أتمنى أن يذوب تمامًا، وأتحرق إليه، أدونه وأستعيده بتناقضه ووجعه واختلاطه وأحاول أن أفهم أو أربط أو أتنبأ بهذا الخط الذي تقاطع عبثًا أو قصدًا مع خطي رغبة في الحكاية التي تشكّ عميقًا في نَفَسي كأني منها، كأنها عني.

احتكاك أجساد مُلحِمة ومتعرقة، أساور وحلي تتصادم فتخشخش، وغناء رفيع منغم لحلقة من النساء "يا ريتك مباركة علينا علينا، وتبكري بالصبي يلعب حوالينا." لصق عجين وباب يصفق. صفعة، لا ربما صوت اختراق، لستُ متأكدة، لكنه صوت الألم يطبق على الثقب فوقي قبل أن يجري دم وينطلق فلاش الكاميرا.

لم يتأخر صوت الطفل كثيرًا، أو ربما تأخر، لستُ متأكدة من هذا أيضًا، فقد أفقدتْ هذه الرحلة العشوائية، التي تبدو مشاهدها كحبات سبحة كرّت عن خيطها، الزمن مغزاه، وصار كل شيء مخلوطًا كهلام لا يتشكل إلا في قالب اللحظة الحاضرة. كان صوت الطفل بكاءً مرًّا، بكاءً طويلًا لا ينتهي، بكاءً كاد يقودني إلى الجنون، وأبواب تصفق وسُباب "سكتيها لأخنقها"، بنت! أدركتُ لحظتها. "هشش، هششش، بس". أكان ذلك صوتي أم أنه سال من الثقب فوقي؟ لا أدري، أغرس أظافري في مفارق شعري، رأسي بين ركبتي، وأنتحب، أنفي ينقط، والطفلة تبكي وفلاش الكاميرا ينطلق.

ارتطام الأظافر المهشمة بالطاجن، فرك عنيف وطرش ماء، قماش ينتفض قبل أن تقرصه ملاقط البلاستيك على حبل الليف المجدول. أقدام مشققة تجري، صوت الألم. الطاجن نفسه، فرك عنيف وأصابع تلتصق بالطحين اللزج، والسرير يصرّ تحت ثِقَل، شفة مشقوقة، أجساد لزجة، خوار طويل، صوت القهر. 

كهواء يصفر بين درفتين، يتسلل الصوت من الثقب الواصل ببلاد الطين، حيث الدم المشبوب والصراخ الذي يخمش الصدور كقط محصور، والجري الذي لا يتعب. ولكن متى توقف صوت الطفلة؟ كم من شتاء مر وصوتها يفحّ في دمي قبل أن يذوب كندف الثلج على أرض من العطش؟ قبل أن يستبدله صوت رفش يحفر أرضًا صلبة، إيقاع جاف، طويل، ثم صوت انهيال التراب على شيء طري، والنسوة المتدافعات في إثر امرأة تجري "وكليها على الله، عليه العوض، احمدي الله ما أجت بالولد." هل قلن ذلك حقًا أم أن ما يفكرن فيه يسيل كالقطران من الثقب فوقي؟

الآن وقد غرقت غرفتي في عتمة خفيفة، وظل الصوت يهطل كوشوشات بعيدة مشوشة، بالكاد يظهر الأثاث كخطوط مبهمة، أسمعهم بأقدامهم المتشققة في أحذية البلاستيك الرخيصة، يصعدون الدرج بصمت نحو شقتي، تقودهم رائحة البؤس ككلاب الأثر، يمشون على رؤوس أصابعهم في الممر المظلم الموصل إلى الباب. يوفون نذرًا قديمًا "لو بآخر الدنيا بنطولك". رطوبة ثقيلة تخنق المكان، والخشب العتيق يصر تحت خطاهم، أراهم خلف الباب تمامًا، قبل أن تنهار مفاصله الصدئة بعد أول ركلة، وقبل أن يعشش الخوف في عيونهم وهم يمررون ضوء مصابيحهم اليدوية على حيطان مطلية بعشرات الصور لأصابعي بعقدها السمينة، وأظافري المهشمة، وخصلات شعري التي اختلط فيها الأبيض بالكستنائي، لطرف شفة مشقوقة، وأرنبة أذن بقرط طويل، لكل أشيائي أنا السيدة هـ ولا شيء لي، بأجزائي كلها، دون أن تشكل، إذا ما اجتمعت، صورتي الكاملة. قبل أن تستقر أضواؤهم على فم مفتوح وعيون بيضاء أكلها الزمن، تحت ثقب بحجم حبة المشمش، حين أردتُ أن أصرخ فيهم صرخة ربيتها طوال السنين التي مضت، لكن أطرافي المتخشبة امتصت الصوت، وقبل أن ينطلق فلاش الكاميرا لمرة واحدة أخيرة: هل كانت تلك صرختي التي تحررت أم أنها انفلتت أخيرًا من الثقب فوقي؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

نادر إبراهيمي: الشتيمة

شرفة ديونيزوس

:دلالات