صورة المثقف في ثيابه

صورة المثقف في ثيابه

فرهاد فوريتانن/ هولندا

في أكثر تصاويره الشكلية نمطيّة وانتشارًا، يظهر توفيق الحكيم واضعًا "طاقية" لا تفارق رأسه، أسوة بسلفه العقّاد. أما تي إس إليوت، فلا تكاد صوره تخلو من مسحة أرستقراطية يعكسها مظهره وثيابه، ولعلّ في ذلك أثراً من نشأته عزّزتها فروض عمله المصرفي المنضبط. بورخيس يظهر في الصُّور متأنقًا في بَذلة، وهو يستند في الغالب بكلتا يديه على عكّاز.

استعارة النّمط التّصويريّ مُشرعة على أبوابها، لدينا مثلًا "سكسوكة" لينين، و"شارب" سلفادور دالي

هذه أمثلة عشوائية قفزت مؤخرًا إلى رأسي، بعدما أطلعني صديقٌ على ما كتبه أحد زائري عمّان منذ بضع سنوات في صحيفة عربية بأنَّ مُرافقته "الصحافيّة الأردنية" حذَّرتهُ من مُدَّعي الثقافة، مُردفةً بأنه يستطيع التّعرُّف إليهم من خلال ملابسهم ومظهرهم الخارجي، لا سيَّما ارتدائهم للقبَّعات، إذ كان الطقس في وقت زيارته ماطرًا. فات مُرافقتهُ التَّنبيه على مواصفات القبَّعة، وبأنها ليست موسكوفيَّة بالضرورة، فضلًا عن أن بعض هؤلاء "المدَّعين" الذين أشارت إليهم يضع في فمه غليوناً ويذرع الشوارع مطرقًا أو ساهمًا. كما فاتها التحذيرُ من مدَّعيات الثقافة أسوة بمدَّعيها، والتنبيه كذلك على ما يميّزهنَّ عن غيرهنَّ لجهة الملابس والمظهر الخارجي.

تنميطٌ ساذجٌ كهذا، مُؤطَّر في شكل حكم تعميميّ، يفتقد إلى أدنى معايير الدّقة والموضوعية، ولا ينسحب على "مُدَّعي الثقافة" فقط وفق توصيف "المرافقة" إياها، سواء في عمان أو في غيرها من المدن والعواصم. كما أنه يعكس تغلغل الصورة المكرَّسة للمثقفين وأدعياء الثقافة على حدّ سواء بنمط كاريكاتوريّ لا يتورّع عن خلط الحابل بالنابل، خاصةً أنه صادر في حالتنا هذه عن "صحافيّة"؛ أي من أحد أفراد "العائلة"، تجهلُ بأنَّ استعارة النّمط التّصويريّ مُشرعة على أبوابها؛ فلدينا مثلاً "سكسوكة" لينين، و"شارب" سلفادور دالي و"نظارات" جون لينون، لكنها بالمحصلة استعارات لا تنحصر بالمثقف دون سواه.

وبصدد الأنماط الجاهزة، فقد اعتدتُ في بعض السنوات على مشاهدة رجل خمسينيّ كان يواظب على حضور الأمسيات الشعرية والفعاليات الثقافية في ثياب رثة وحذاء ممزّق وحالة يرثى لها، لكن، والحق يُقال، بدون قبّعة. وكان فوق هذا وذاك يدَّعي كتابة الشعر، بينما هو في الحقيقة، كما تبيّن لاحقًا، ينظم قصائد عمودية تثير الغثيان من أول سطر فيها، فيتجنبه ولا يرضى بمجالسته أحدٌ لأكثر من دقيقة. 

شتّان  بين "الصورة" العميقة كما يترصّدها جويس من الداخل، و"صورة المثقف" كما يطرحها كثيرون من الخارج

كانت تُغالبني نحوه مشاعر الرأفة والشّفقة، من دون أن أجرؤ على الاقتراب منه بالسّلام أو النّظر المباشر أو الكلام، إلى أن سمعته مرة بعد انتهاء إحدى الأمسيات الشعرية يسأل شابًا عن مكان وطبيعة عمله، وحين أخبره الشاب بأنه يعمل محاسبًا في شركة مساهمة عامة، وهي من الشركات الرائدة في مجالها، انفرَجَتْ أسارير صاحبنا الخمسينيّ، وتلألأتْ عيناه، فعاجلَ إلى إخراج ورقة من بين مسودات "قصائده" ليعرضها مُباهيًا على الشاب، تبيّن أنها دعوة رسمية موجّهة إليه بالاسم والعنوان من مجلس إدارة الشركة المساهمة التي يعمل فيها الشاب لحضور اجتماع الهيئة العامة باعتباره من كبار حملة الأسهم. سرعان ما انقلبت صورته في رأسي إلى رقم يصطف إلى يمينه طابورٌ طويل من الأصفار، وإلى يساره أعمدة من النظم المهلهل.

في رواية "صورة الفنان في شبابه"، سعى جيمس جويس إلى تقديم رؤيته الجمالية في الفن عمومًا، من خلال ترصّده بنظرة سيكولوجية ثاقبة سيرة شاب يصارع نفسه المضطربة ويجد في الفنّ خلاصه، وشتّان ما بين تلك "الصورة" العميقة كما يترصّدها جويس من الداخل، و"صورة المثقف في ثيابه" كما يُدقّق فيها ويطرحها كثيرون من الخارج.

أمّا صاحبنا الخمسينيّ، فقد لمحتُه مؤخراً في استراحة بين عرضين مسرحيّين على نفس صورته السابقة، يُجالس فتاة أجنبيّة ويقرأ لها بالعربية ما تيسَّر من نظمه، فيما هي تبتسم بتكلُّف وتهزُّ رأسها كالبلهاء، مُردّدة بين فينة وأخرى: "يس.. يس".