15-يوليو-2016

ستاتوس شمعي للجنرال الإسباني فرانكو ( Eugenio Merino/Getty)

ليس هناك شك في أن حُكّام الإغريق والرومان والبيزنطيين كانوا قد أخذوا يدركون -في زمانهم- أن الصورة هي خلاصهم وهي نجاتهم، وهي التي تملي على المحكومين الممتثلين بفعل الإملاءات شبه اللاهوتية تعاليمًا وأقدارًا للحاكم الفرد.

الصورة رهينة بوظيفة الإزاحة والتنميط معًا، ولذلك فقد ظهرت التعاليم لوضع صورة الحاكم أينما ارتحل الناس من المعبد وحتى الميادين

وربما كان "قسطنطين الأول" هو أول حاكم فرد جعل من صورته كحاكم قُدسًا متجلّيًا، وذاتًا عُليا لا تُمسّْ. ثم هو اعتبر ذاته "المتنّبئة" في أوائل اعترافه بالمسيحية في القرن الرابع الميلادي "صورة" ينبغي أن يراها الناس أينما حلّوا. بل إن الغلاة في عهده كانوا قد وجدوا الفرصة متاحة لنفاق الحاكم فجعلوا صورته إلى جانب صورة السيد المسيح، ثم بمرور الوقت أزاحوا صورة السيد المسيح تحت ذريعة إمكان عبادة الصورة لذاتها، ووضعوا صورة قسطنطين مكانها. وهكذا انتقل تراث الجنس البشري المخزَّن بالذاكرة الجمعية عن صورة السيد المسيح إلى صورة قسطنطين، فصار بذلك حاكمًا وحاكميًا في وقت واحد.

ولنتأمل ذلك التراث الذي يعمل على تأسيس فكرة الألوهية لدى الضمير العام عند مجموع المتلقين، وبالتالي شروط السيطرة والهيمنة التي تتطلَّبها الحقب الزمنية لتماثِل المكوَّن في عقيدة الناس، وكقربان لسلطة الحاكم المؤلَّه. إن الصورة رهينة بوظيفة الإزاحة والتنميط معًا، ولذلك فقد ظهرت التعاليم -يومئذٍ وإلى اليوم- لوضع صورة الحاكم أينما ارتحل الناس من الكنيسة وحتى الميادين، والحوائط الخارجية في الشوارع، وفي المكاتب البلدية، وداخل بيوت السكان ذاتها ابتداء من القرن الرابع. ثم انتقل ذلك التراث ليصير سلوكًا معترفًا به في نظم الحكم عامة، كما لو أنه جزء من الطبيعة ذاتها. ذلك أن الصورة -بخلاف باقي أنواع وسائط الاتصال- هي المؤهلة للتجسيد في العقل بسهولة، وبالتالي زرع قناعة وإزاحة أخرى.

فلنتأمل إذن ذلك التراث "الحاكمي" الذي يعمل على تأسيس وتكريس فكرة تأليه الحاكم لدى الضمير العام في مختلف جماعات الجنس البشري، وبالتالي رهان الهيمنة والسيطرة اللتين تتطلبهما الشروط الزمنية لكل حقبة في التاريخ على جماعات بعينها، منذ مجتمع القبيلة عبورًا بالدكتاتوريات الأيديولوجية والنظم الليبرالية بل وحتى الدولة المدنية الحديثة التي تسمّي نفسها بالديمقراطيات الليبرالية. وهكذا فإن أي ملك أو رئيس يتم وضع صورته في حجرات جميع المكاتب الحكومية كبيرها وصغيرها، أي من البلديات الصغيرة وحتى مقر مكتب رئيس الحكومة، يقصد بها تكريس الشعب لممارسة فعل التقديس للحاكم، أي الخضوع والطاعة والامتثال.

اقرأ/ي أيضًا: كيف تحاول السلطة المصرية ملء فراغ الإسلاميين؟

إن الآليات الجهنمية عملت كل ما بوسعها ليس فقط لوضعية الصورة وتمجيدها -باعتبارها معادلًا لجسد الحاكم وهيئته- وإنما في التعاليم أيضًا التي اشترطت مكانًا بعينه على الحائط فوق رأس الموظف العمومي مباشرة. بل إن هذه الآليات نفسها قامت بدورها بكل تقنيات التجميل اللازمة لتمثيل صفات ذات طابع لاهوتي على صورة الحاكم ووجهه بالذات، فهو قوي، ذو عيون ذكية نفّاذة، متوسط العمر دائمًا حتى يكون رهنًا بمكوث طويل، ويبدو بشكل عام شخصية صالحة لقيادة شعبه.

ما الصورة إلا تجسيد لتعليمات لا سبيل إلى التمرد عليها

سوف يتذكر الموظف العمومي دائمًا أن صورة الحاكم تأخذ مكانها فوق رأسه، وعلى ارتفاع محسوب بواسطة مختصين سيكولوجيين وسوسيولوجيين يعرفون تمامًا مكمن الإيحاء، ومناطق التبديل والإحلال في المخ البشري. ذلك أن الصورة ما هي إلا تجسيد لتعليمات لا سبيل إلى التمرد عليها، ما دام أن استمرار الصورة على هذا النحو سوف يكون كفيلاً بتكثيف المخزون المكوَّن لدى الأفراد الذين يشكّلون خلايا المجتمع المدني، بما في ذلك أفراد وجماعات النظم العسكرية في الجيش وفي الأمن العام.

إن اللوائح والقوانين التي تبثّها المنشورات واللوائح القانونية الحكومية في مختلف بقاع الأرض، تُلزِم الموظف العمومي بوضع صور الحاكم فوق رأسه وأن تكون تلك الصورة مشروطة بمواصفات متساوية ومنمّطة عند الجميع، من حيث اللون والأبعاد والإطار ونسبة الجزء الأبيض حول الصورة ذاتها، فتلك من البديهيات الفنية والقانونية التي ينبغي الامتثال لها، وإلا اُعتبر الموظف متمردًا على النظام واستحق عقوبة تبدأ من التوبيخ وقد تنتهي بإحالته إلى التقاعد، بينما يبقى الحاكم موجودًا في مكانه، محافظًا على ثبات وضعيته، مشرفًا من عليائه على "رعيته" المنضبطين من "المواطنين الشرفاء".

اقرأ/ي أيضًا:

قضايانا الأساسية وتصدير اليأس

ترحيل ليليان داوود.. انتقام السلطة من الصوت الناقد