صمود وقف إطلاق النار في لبنان.. لكن ماذا عن الانسحاب الإسرائيلي؟
22 يونيو 2026
ما زال وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان صامدًا منذ دخوله حيّز التنفيذ السبت 20 حزيران/يونيو، للمرة الأولى بشكل شامل منذ دخول حزب الله معركة إسناد غزة في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وذلك خلافًا لاتفاقات وقف إطلاق النار السابقة التي لم تلتزم بها إسرائيل.
جاء ذلك بالتزامن مع انطلاق المفاوضات الأميركية الإيرانية في سويسرا، ما يشير إلى وجود ترابط بين المسارين، رغم محاولات إسرائيل فصل الملف اللبناني عن المفاوضات بين طهران وواشنطن.
إلا أن الضغوط التي مارسها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أسهمت، حتى الآن، في بقاء الهدنة قائمة.
لبنان في صلب مفاوضات سويسرا
تصدّر الملف اللبناني جدول أعمال مباحثات سويسرا. وفي البيان القطري الباكستاني المشترك الصادر في ختام الاجتماع، اتفقت الأطراف على إنشاء خلية لمنع الاحتكاك في لبنان، تضم الأطراف المعنية والجمهورية اللبنانية، بإشراف الوسطاء، لضمان الالتزام بإنهاء العمليات العسكرية في لبنان وفقًا لمذكرة التفاهم.
وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في منشور على منصة "إكس": "الاختبار الحقيقي الأول هو منع الاحتكاك في لبنان".
وأكدت وزارة الخارجية الإيرانية ما ورد في البيان القطري الباكستاني، مشيرة إلى أنه، في ما يتعلق بالبند الأول من مذكرة التفاهم، جرى الاتفاق على آلية لمراقبة استمرار وقف الحرب بحضور الوسطاء، وهي آلية جديدة تُعرف باسم "خلية فض النزاع"، وتهدف إلى ضمان استدامة وقف إطلاق النار في لبنان.
من شأن خلية منع الاحتكاك أن تؤثر في مسار المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، التي تُعقد في واشنطن برعاية أميركية، إذ إن انضمام لبنان إلى الخلية، إلى جانب مشاركة قطر وباكستان بصفتهما وسيطين، يمنح الوفد اللبناني أوراقًا إضافية
لماذا تعد خلية منع الاحتكاك مهمة؟
لا يمكن اعتبار تشكيل خلية منع الاحتكاك ملفًا ثانويًا، لسببين رئيسيين.
السبب الأول أن إسرائيل لطالما رفضت تشكيل لجان رقابة ملزمة لوقف إطلاق النار، بما يسمح لها بمواصلة خرق الاتفاق وتنفيذ عملياتها العسكرية في لبنان. وكانت تل أبيب قد رفضت، خلال اتفاق وقف إطلاق النار عام 2024، مشاركة فرنسا في آلية الإشراف، مفضلة أن تبقى الولايات المتحدة الضامن الوحيد بما يمنحها هامشًا أوسع من حرية الحركة.
وإذا كانت إسرائيل قد رفضت سابقًا إشراك باريس، فإن موافقتها اليوم على إشراف الوسطاء في إنشاء هذه الخلية تعكس تدخلًا أميركيًا ملزمًا لها.
أما السبب الثاني، فيتمثل في أن هذه الخلية قد تحد من مسارات أخرى حاولت إسرائيل فرضها على لبنان، مثل لجنة "الميكانيزم" التي أشرفت على اتفاق وقف إطلاق النار السابق، والتي اقتصر دورها على المراقبة من دون القدرة على فرض وقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان.
غموض بشأن الانسحاب الإسرائيلي
من جهة أخرى، لم يتطرق البيان الختامي لاجتماعات سويسرا إلى ملف الانسحاب الإسرائيلي من جنوبي لبنان، وسط تضارب في الإعلام العربي والتصريحات الرسمية الإسرائيلية بشأن مستقبل وجود الجيش الإسرائيلي في الجنوب.
ونقلت صحيفة "هآرتس" عن مصادر أن محادثات على مستوى السفراء بين إسرائيل ولبنان، الأسبوع المقبل، ستحدد "المناطق التجريبية" التي ستخضع لسيطرة حصرية للجيش اللبناني، الأمر الذي سيستدعي انسحاب الجيش الإسرائيلي من بعض هذه المناطق.
وأضافت المصادر أن بعض المناطق المقرر تسليمها إلى الجيش اللبناني ليست خاضعة أصلًا للسيطرة الإسرائيلية، وبالتالي لن تتطلب أي انسحاب، مشيرة إلى أن أداء الجيش اللبناني في المناطق التجريبية، بما فيها تلك التي ستنسحب منها إسرائيل، سيكون تحت إشراف الولايات المتحدة.
كما أوضحت المصادر أنه لا يزال من غير المعروف ما إذا كانت إسرائيل ستنسحب من قلعة الشقيف.
من جهتها، أفادت هيئة البث الإسرائيلية بأنه من المتوقع أن يقلص الجيش الإسرائيلي قواته في جنوب لبنان خلال الأيام المقبلة، بعد استكمال معظم مهامه الهجومية، بالتزامن مع الاجتماع المرتقب بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي.
التصريحات الإسرائيلية تناقض التسريبات
في المقابل، تتعارض هذه التسريبات مع التصريحات الرسمية الصادرة عن المسؤولين الإسرائيليين.
إذ يؤكد كل من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، تمسكهم ببقاء الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، بما في ذلك قلعة الشقيف، معتبرين أنها جزء من المنطقة الأمنية، وتمثل موقعًا حيويًا للدفاع عن مستوطنات الجليل وقوات الجيش الإسرائيلي.
وردًا على التصريحات الإسرائيلية، يؤكد حزب الله والمسؤولون اللبنانيون أن الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان أمر محسوم، وأنه لا إمكانية لبقاء القوات الإسرائيلية في الجنوب.
وجاءت هذه المواقف على لسان الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، ورئيس كتلة الحزب في البرلمان اللبناني محمد رعد.
ويمكن الإشارة إلى أن موقف الحزب قد يكون مستندًا إلى تطمينات إيرانية بعدم توقيع أي اتفاق نهائي مع الولايات المتحدة قبل انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان.
وفي هذا السياق، قال مصدر مطلع في حزب الله لـ"الترا صوت"، قبل توقيع مذكرة التفاهم، إن الحزب أُبلغ من الجانب الإيراني بأن طهران هددت بعدم توقيع المذكرة ما لم يُنفذ وقف كامل لإطلاق النار في لبنان، وينسحب الجيش الإسرائيلي إلى ما يُعرف بـ"الخط الأصفر".
وأضاف المصدر أنه خلال فترة المفاوضات الممتدة 60 يومًا بين طهران وواشنطن، ستبدأ مباحثات بشأن الانسحاب الإسرائيلي الكامل من لبنان، إلى جانب ملفي الأسرى وإعادة الإعمار.
ماذا عن المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية؟
من شأن خلية منع الاحتكاك أن تؤثر في مسار المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، التي تُعقد في واشنطن برعاية أميركية، إذ إن انضمام لبنان إلى الخلية، إلى جانب مشاركة قطر وباكستان بصفتهما وسيطين، يمنح الوفد اللبناني أوراقًا إضافية، مقارنة بمسار واشنطن الذي يفتقر فيه لبنان إلى عناصر قوة في ظل الرعاية الأميركية المنحازة لإسرائيل.
ويعزز هذا التوجه الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس اللبناني جوزاف عون مع نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، وكبير مستشاري الرئيس الأميركي جاريد كوشنر، ورئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، والذي تناول تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان، ووقف التصعيد العسكري الإسرائيلي، والخطوات الواجب اتخاذها في هذا الصدد، بما في ذلك إمكانية تشكيل خلية لهذه الغاية.
وفي هذا الإطار، تُعقد الجولة الخامسة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، الثلاثاء، خلال الفترة الممتدة بين 23 و25 حزيران/يونيو.
تقرؤون المزيد في: خارطة طريق أميركية إيرانية.. ولبنان أول اختبار









