"صلاة" فجر فرق موت الإمارات.. أئمة مساجد اليمن قيد الاغتيال

مشهد عام من أحد مساجد صنعاء (محمد حويس/Getty)

حرب غير تقليدية ضد أهداف ربما تبدو تقليدية بشأن الإمارات، هذا ما تكثف شنه مليشيات ومرتزقة أبوظبي في اليمن. سلسلة مترابطة ومدروسة ومنهجية من عمليات الاغتيال التي تتم غالبًا أوقات صلاة الفجر ضد أئمة المساجد الذين يتمتعون بشعبية في مجتمعاتهم المحلية، أو أولئك الذين ينتقدون الدور الإماراتي ومجمل حرب التحالف السعودي في اليمن، لكن أكثر من يتعرضون للذبح من أئمة مساجد اليمن هو أولئك الذين يرفضون علنًا مشاريع الإمارات لتقسيم اليمن من جديد. قدمت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية تفاصيلًا أوفى عن هذه الظاهرة القاتلة في اليمن من خلال التحقيق الميداني الذي يقدم "التراصوت" ترجمته بتصرف عبر السطور التالية:


توقفت سيارة تويوتا كورولا بيضاء في إحدى ليالي هذا الربيع بجانب صفوان الشرجبي بينما كان يسير في طريق مزدحم بعد أن اشترى الدواء لوالدته، وفقًا للشهود. خرج رجل من السيارة وأطلق ما لا يقل عن أربع رصاصات تجاه رجل الدين النحيل الملتحي. سقط الشرجبي أرضًا وسالت دماؤه من تحته.

تصاعدت منذ مطلع العام عمليات الاغتيال العلني لعشرات من أئمة المساجد في اليمن، بينما تشير كل الدلائل نحو تورط رجال الإمارات في هذه الجرائم

صار الشرجبي هو الأخير في سلسلة جرائم القتل الغامضة بين أئمة وخطباء المساجد في اليمن، إذ قُتل 27 شيخًا خلال العامين الماضيين في عدن والمناطق المجاورة.

اقرأ/ي أيضًا: مؤامرة ابن زايد.. الإطاحة بالشرعية في اليمن ضمن مهمات التخريب

يقول محمد عبد الله، البالغ 32 عامًا ويمتلك صيدلية، والذي شاهد السيارة وهي تسرع مبتعدة، "يعرف معظم سكان الحي صفوان وطالما استمعوا إلى خطبه"، ويضيف "كان شخصًا مؤثرًا، لذلك قتلوه".

لكن قاتله لا يزال مجهولًا، على الرغم من انتشار التكهنات. لم تعلن أي جماعة مسؤوليتها عن أي من تلك الاغتيالات، ولم يُعتقل أيٌّ من الجناة.

في حين ازدادت وتيرة الاعتداءات بحدة منذ تشرين الأول/أكتوبر الماضي مع ارتفاع عدد القتلى من رجال الدين إلى 15 شخصًا، من بينهم شخصان لقوا مصرعهم الشهر الماضي، وفقًا لمسؤولين يمنيين وأعضاء من الطائفة الدينية. تعرض جميع الضحايا للهجوم من خلال إطلاق النار من السيارات أو بالقرب من مساجدهم. وهرب عشرات الشيوخ إلى خارج المدينة، بينما خفض آخرون ساعات عملهم حفاظًا على حياتهم.

في هذه المدينة اليمنية الجنوبية التي تتسم بالفوضى، حيث بالكاد تستطيع الحكومة المحلية أداء وظائفها، ويسيطر المسلحون المتقاتلون على الشوارع، ملأ رجال الدين فراغ القيادة. وبصفتهم قادة مجتمع بارزين، يتنافسون الآن على السلطة مع الميليشيات، مثل القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية. وهذا جعلهم مستهدفين.

تقول ليلى الشبيبي، ناشطة يمنية في مجال حقوق الإنسان والديمقراطية، "يزداد ضعف المجتمع مع كل عملية قتل داخله"، وتضيف "لعب رجال الدين دور القادة بفاعلية في مجتمعاتهم. ساهموا في حل النزاعات وتقديم النصيحة. كانوا معلمين ولهم صوت مسموع في مجتمعاتهم".

تبدو عمليات القتل مرتبطة بصراعٍ على السلطة بين وكلاء حليفي أمريكا، أي المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. إذ تقود الدولتان الخليجيتان حربًا شعواء في اليمن دون أن تتفقا في رؤيتهما بالنسبة لمستقبل اليمن أو حتى خارطة التحالفات الميدانية.

كان العديد من رجال الدين الذين تم اغتيالهم، بما فيهم الشرجبي، أعضاء في حزبٍ سياسيٍّ إسلاميّ ذي نفوذ، يُعرف باسم "الإصلاح". يعتبره السعوديون حليفًا جوهريّا لإعادة بناء اليمن. إلّا أنّ الإماراتيّين يرونه حزبًا متطرفًا خطيرًا يرتبط بالإخوان المسلمين، الذين تعتبرهم بعضُ القوى الإقليميّة متطرِّفين.

كأن اليمن يعوزه المزيد من القتل والتدمير في عين الإمارات، فقررت شن حرب بالوكالة ضد أئمة المساجد ورجال الدين

كان بعض الشيوخ المقتولين يدعون أيضًا إلى إبقاءِ اليمن موحَّدًا، في حين كانت مجموعة قويّة من الميليشيات الموالية للإمارات تؤيد انفصالَ الجزء الجنوبي من البلاد.

يقول بيتر ساليسبري، محلل الشؤون اليمنيّة في مجموعة الأزمات الدوليّة ICG: "هذه حملة مدروسة ومُنسَّقة بعناية. الأشخاص المُستهدَفون هم خارج التيار الرئيسيّ الجديد في الجنوب، والذي يؤيد الانفصال".

تفاقم القتل السياسي

لعقود من الزمن، عندما كانت عدَن مستعمرة بريطانية، كانت الاغتيالات وسيلة لكسب النفوذ في جنوب اليمن. في عدن، المدينة المرفئية مترامية الأطراف حيث انهار سلطة القانون والنظام القضائي، صارت عمليات القتل السياسي شائعة جدًا. نظَّمَ كلٌّ من تنظيم "القاعدة" و"الدولة الإسلاميّة" العديدَ من التفجيرات الانتحارية التي استهدفت مسؤولين حكوميين وجنودًا ومدنيين. يتجوّل الرجال والصبيان الذين يمسكون بالبنادق في شاحنات صغيرة، ولا يعرف أحد إلى من يعود ولاءهم.

اقرأ/ي أيضًا: مخلفات الحرب.. آلاف المعاقين في جنوب اليمن

وقد تفشّت عمليات الاغتيال بدرجة كبيرة جعلَت جماعات حقوق الإنسان تعقد مؤتمرات حول كيفيّة التعامل مع التهديدات. وتنتشر الملصقات واللوحات الإعلانية التي تُحيي ذكرى الضحايا في شوارع عدن.

في حين تعاني المدينة من الاضطراب منذ عام 2015، عندما طردت قواتُ التحالف الذي تقوده السعودية ورجالُ القبائل الجنوبيّون متمرديّ الحوثيين.

تقوم الإمارات باغتيال أئمة المساجد المعتدلين والداعين للحفاظ على وحدة اليمن بينما تدعم رجال القاعدة وفتاوى داعش

أما في الجنوب، فيقود الحكومة الآن شكليًّا عبد ربه منصور هادي، لكن الشوارع يسيطر عليها خليط من الميليشيات المؤيّدة للانفصال تُسمَّى بـ"المجلس الانتقاليّ الجنوبيّ" وداعمهم الأساسيّ، الإمارات. لَطالَما كان الانفصاليّون يرتابون في حكومة هادي المؤيّدة للوحدة، ويتّهمونها بالفساد وقمع الجنوب؛ ويزعمون أنّ حزبَ الإصلاح، الذي يؤيّد هو الآخر الوحدة اليمنيّة، يؤثر على هادي ويسيطر على حكومته.

في كانون الثاني/يناير الماضي، حاولوا الاستيلاء على القصر الرئاسيّ حيث تقيم حكومة هادي، الأمر الذي أرغمَ السعودية والإمارات على إرسال مبعوثين للتوسّط لوقف إطلاق النار. وقال مسؤول أمريكيّ رفيع المستوى إنّ هناك احتمالًا بتورُّط عناصر من "المجلس الانتقاليّ الجنوبيّ" الانفصاليّ في اغتيالات رجال الدين. يقول المسؤول الذي طلب عدم نشر اسمه للتحدُّث بحريّة "يواجه حزبُ الإصلاح بالفعل ضغوطًا شديدة في عدن وأماكن أخرى، سواء من الناحية السياسيّة أو الأمنيّة".

لكن اللواء شلال علي شايع، قائد شرطة عدن ورئيس "المجلس الانتقاليّ الجنوبيّ" الانفصاليّ، نفَى التكهّنات بأنّ قواته وراء عمليات القتل تلك. وألقى باللوم على المتطرّفين الإسلاميّين. في حين قال مسؤولون انفصاليّون إنّ حزبَ الإصلاح هو المسؤول عن اغتيالات رجال الدين. وقال هؤلاء المسؤولون إن الحزب يقتل رجال الدين المعتدلين ليحلَّ محلَّهم هؤلاء الأكثر تطرفًا.

"أرفع درجات الشهداء"!

في عزاءٍ أقيم يوم 12 أيار/مايو، أي بعد يومين من اغتيال الشرجبي، وصفه بعض الأقارب والأصدقاء بأنه كان ودودًا ومحبوبًا، وأنّه كان واعظًا ليس لديه أعداء معروفون. وفي لافتة تذكاريّة، كانت صورة الشرجبي مرتديًا سترة باللون الكريميّ وقميصًا ورديًّا ونظارةً شمسيّة، باديًا أقرب إلى نجمٍ سينمائيّ منه إلى رجل دين.

اقرأ/ي أيضًا: بسبب جرائمها في اليمن.. ضغوط أوروبية لوقف بيع السلاح للسعودية

مثل غيره من رجال الدين، لعِب الشرجبي دورًا هامًا في المجتمع القبلي اليمني التقليدي، إذْ كان يقدِّم الدروس الدينية، كما كان يتوسّط في الصلح بين الناس، ويحلّ الخلافات التجارية، ويقدّم المشورة للشباب، ويؤدِّي دورَ المأذون أيضًا.

كل من يقترب، ولو من بعيد، في خطبه الدينية من انتقاد مشاريع الإمارات في اليمن، يبدأ العد التنازلي لعملية تصفيته الجسدية

في خُطَبه وعلى صفحته على فيسبوك، لم يتجنّب الشرجبي التعبيرَ عن وجهات نظره ضد حكام عدن، وفقًا لزملائه وأصدقائه. وكان يحثّ الشباب على الابتعاد عن الميليشيات المؤيّدة للانفصال ويندّد بالتطرف. وفي بعض مشاركاته الأخيرة على فيسبوك، شجَبَ السلطات التي "تسبَّبَت في معاناتنا" على حدِّ قولِه، وقال أنّ "أسمى الشهداء هو مَن يقول كلمة حق عند سلطان جائر فيُقتل لأجل ذلك".

يقول وائل فارع، وهو شيخ آخر في حزب الإصلاح "كان صفوان يدعو دائمًا إلى الوحدة، مثل جميع الشيوخ المعتدلين الآخرين الذين قُتلوا. لم يكن يرى أيَّ نفعٍ في الانفصال". وخشي المقرَّبون من الشرجبي من مناقشة حادث مقتله، لكن آخرين كانوا منفعلين وغاضبين مما جرى له.

يقول أشرف علي محمد، صحفيّ محليّ، مشيرًا إلى الإمارات والميليشيات الانفصاليّة "تمّت هذه الاغتيالات لخدمة بعض الأطراف، في خارج وداخل البلاد. هذه الأطراف هدَّدَت بطرد حزب الإصلاح من المجتمع". بينما قاطعَه شقيق الشرجبي، عمرو، وطلب منه التوقّفَ عن الكلام، قائلًا "لا نريد المزيد من المشاكل".

واجب الحذر.. مليشيات الإمارات هنا

في كثير من أنحاء عدن، كان للاغتيالات أثر سلبي في المساجد، حتى أن بعضها قد أُغلِق. كذلك توقف بعض الشيوخ عن إمامة صلاة الفجر خاصّة،. بينما يتناوب آخرون في مواعيد الصلوات اليومية لتجنّب أن يعرف أحدٌ مواعيد متكررة لوجودهم. وصار الحراس الشخصيّون الآن أمرًا شائعًا.

في مسجد هائل سعيد، ليس هناك إمام. هرب علي أحمد محفوظ الخطيب من عدن في وقت سابق من هذا العام بعد اغتيال اثنين من رجال الدين في مسجدَين قريبَين. فقد اكتشف أن اسمه كذلك على قائمة المستهدفين، والمنشورة على وسائل التواصل الاجتماعيّ، وفقًا لما قاله في مقابلةٍ هاتفيّة من مكانٍ لم يرغب في الكشف عنه.

تحدثت شهادات عيان محلية من عدن عن فرار 120 رجل دين خوفًا من موجة الاغتيالات الإماراتية

يقول الخطيب "لم تفعل قوات الأمن والسلطات المسؤولة عن التحقيقات أي شيء لحماية رجال الدين أو التحقيق لمعرفة من يقف وراء عمليات القتل هذه". وأضاف إنه يعرف ما لا يقل عن 20 رجلَ دينٍ فرّوا من عدن، مشيرًا إلى أنّ تقارير وسائل الإعلام المحليّة تذكر أن الرقم يصل إلى 120. ورفضَ إلقاء اللوم على جهةٍ بعَينِها. يقول أيضًا "طالما الحرب مستمرّة، فمن الطبيعيّ أنْ تستمرّ هذه الأعمال".

هذا ما يخشاه أتباعه. يتناوَب المصلُّون على إلقاء الخُطَب في مسجد هائل سعيد. لم يرغب أحد في الإدلاء باسمه، قال أحد الأشخاص الذين يشهدون صلاة الفجر في المسجد "علينا توخّي الحذر؛ فالوضع ليس طبيعيًّا". وبالتزامن خارج مسجد آخر في عدن توجد صورة مُعلَّقة بطول الجدار لإمامه الراحل، شوقي كُمادي، الذي علَّم كلًّا من الشرجبي وزميلَه فارع. قبل ثلاثة أشهر من اغتيال الشرجبي قُتِل كُمادي. اغتاله رجلان على دراجة نارية أثناء اقترابه من مدرسة لإلقاء درس قرآنيّ.

حاليًا، يتقدّم فارع ليحلَّ محلّ كُمادي في مسجد الثوّار المفروش بالسجاد الأخضر والأحمر. هو الآخر يؤيّد الوحدة وينتقد الإمارات ووكلاءَها علَنًا. لذلك يقول فارع إنه يتوقع أن يموت أيضًا؛ لكنه يضيف أنه قام بالفعل بتدريب 10 رجال دين آخرين. يقول "إذا حدث لي شيء، فسيكون هناك آخرون يعتنون بعدن".

 

اقرأ/ي أيضًا:

ابن سلمان يستخدم سلاح المجاعة لتدمير اليمن.. نازيّة جديدة والجوقة تصفّق!

مبادرة إماراتية وسعودية في اليمن.. صفقة "كارثية" على درب حرب لا نهاية لها