صقور حزب الله واضطراب ما بعد الصدمة!

صقور حزب الله واضطراب ما بعد الصدمة!

وقفة لأنصار حزب الله في 25 تشرين الأول/أكتوبر 2019 ضد الانتفاضة اللبنانية (رويترز)

لأول مرة يفقد حزب الله القدرة على تصريف قوته العسكرية لخدمة أهدافه السياسية، فالنائب علي عمار ركب على دراجة نارية للوصول إلى المجلس النيابي، وهكذا كانت الحال مع عدد كبير من النواب التابعين للأحزاب السياسية المختلفة، حيث لم يتمكنوا من الوصول إلى الجلسة المقررة يوم الثلاثاء الماضي، 19 تشرين الثاني/نوفمبر، إذ قُطعت أغلب الطرقات المؤدية إلى المجلس النيابي من قبل المنتفضين وتخلل ذلك اشتباكات مع مواكب تابعة لبعض النواب.

أكثر من أصيب بـ"اضطراب ما بعد الصدمة" هم المؤيدون لحزب الله أو المنتسبون له ممن شعروا أن كلمة حسن نصرالله قد كُسرت

بالتوازي مع ذلك، شن الإعلام التابع للحزب وحلفائه، حملة شرسة على الانتفاضة، فنعتوها بأبشع النعوت بعد الخطاب الأول لحسن نصرالله مع بداية انتفاضة 17 تشرين الأول/أكتوبر. وبدأت النخبة التابعة لهذا الحلف بضخ الأفكار المعارضة التي وصلت إلى حدود التشهير والتهديد بكل من تسول له نفسه المشاركة في الانتفاضة، خاصة بعد دعوة حسن نصرالله جمهوره إلى الخروج من الشارع.

اقرأ/ي أيضًا: الانتفاضة اللبنانية.. معارك رابحة

وبعد سقوط الحكومة في الشارع، اعتبر الكثيرون من صقور حزب الله، أن كلمة حسن نصرالله كُسرت، ما زاد من نقمة هؤلاء على الانتفاضة، فبدأت الحملات تتخذ طابعًا أكثر ضراوة وحدّة، ووصلت أحيانًا للتعرض الجسدي للمنتفضين في الساحات المختلفة.

وهكذا من الممكن القول إن أكثر من أصيب باضطراب "ما بعد الصدمة" هم أولئك الصقور المؤيدون لحزب الله أو المنتسبون له داخل البيئة الحاضنة. هؤلاء الذين كانوا يشعرون بفائض قوتهم، قبل أن يكتشفوا أن قوتهم المزعومة ليس بإمكانها إنهاء حالة الانتفاض في البلاد.

وبعض هؤلاء يبتنون أفكارًا صبيانية، بدأوا في نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي. وبعض هذه الأفكار مفادها: "حزب الله احتل مدينة حمص في أسبوع فكيف لبنان؟" و"يا ويلكم إذا نفذ صبرنا، ونحن بانتظار إشارة من إصبع السيد حسن نصرالله لننزل إلى الأرض"، و"سيارات الإنفوي السوداء جاهزة لفتح الطرقات بالقوة"، و"على الحزب أن يضرب كل أزعر يتمادى على رموزنا أو يقطع الطرقات"، و"الحزب يصبر من موقع القوة وليس من موقع الضعف".

وغير ذلك الكثير من المقولات التي تعبر عن اضطراب ما بعد الصدمة لدى هؤلاء، غير القادرين على تخيل أنفسهم مكبلين عن العنف المسلح ضد انتفاضة شعب يطالب بحقوقه.

وثقافة العنف المسلح عند هؤلاء ليست من فراغ، بل هي نتاج سنوات طويلة من الأدلجة العسكرية في المدارس والإعلام وعلى الجبهات المرتحلة من بلد إلى خر. وطبعًا نتاج الاستخدام السياسي الداخلي والخارجي لحزب الله.

وبطبيعة الحال، فإن هذه الثقافة تمنع قبل أي رأي مختلف أو معارض على أي مستوى، وعلى رأس ذلك الاختلاف مع كلام نصر الله، بما فيه مناطق الاعتصام التي حددها! نعم، لقد أصدر حسن نصر الله للمنتفضين لائحة بالممنوع والمسموح، وأن الجماهير في الشارع لم تلقِ لها بالًا، فهو أمر بالنسبة لـ"صقور" حزب الله بمثابة التمرد وكسر كلمة "الزعيم".

لا زالت "7 آيار" راسخة في المنظومة السيكولوجية لهؤلاء، ويستدعونها أمام كل حدث سياسي في البلد. التغيير بالنسبة إليهم سهل بالقوة لأنهم يمتلكون القوة، وكذلك أسباب تشريع العنف عبر إحالته إلى "الحق والمقدس والمقاومة"! 

يتغاضى هؤلاء عن بديهية أن الحزب شن هجومًا في السابع من أيار/مايو 2008، للإطاحة بحكومة تيار المستقبل وحلفائه آنذاك. وأما اليوم فالحزب كان مستعدًا لافتعال "7 آيار" جديدة للدفاع عن رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري، تناقض فج!

وهذه الثقافة العسكرية المحفورة عند هؤلاء، هي ثقافة استبداد، بسهولتها ونتائجها الفعالة بالنسبة إليهم، فبدل أن يتعبوا أنفسهم بالحوار والنقاش والاستماع للآخرين ومطالبهم، يلجؤون لـ"الدعس"، كأي نظام ديكتاتوري مع معارضيه.

غير أن ما يغيب عن هؤلاء، هو حقيقة أن لبنان ليس سوريا ولا العراق ولا اليمن، ولا يمكن أن يشبه أي دولة أخرى وصل إليها حزب الله بترسانته العسكرية. لبنان هو الحيز الداخلي لحزب الله، وليس جبهة خارجية يمكن التصرف فيها دون أي تبعات.

القاعدة البديهية التي تغيب عن أذهان هؤلاء، هي أن الانهيار الاقتصادي والمالي سوف يصيب الجميع في لبنان بمن فيهم هم، وكل البيئة الحاضنة لحزب الله. سوف يتضرر الشعب اللبناني بأكمله من الانهيار ومن السياسات الاقتصادية الفاشلة ومن الفساد وكذا من أي استخدام للسلاح في وجه الناس. 

لكن هناك من أقنعهم أنه طالما هناك دولارات لدى حزب الله ليسدد رواتب مناصريه ومنتسبيه ولتشغيل مؤسساته، فإن كل شيء على ما يرام!

اضطراب ما بعد الصدمة سوف يصيب هؤلاء حين يرون أن الأزمة المالية طالتهم، وأن انخفاض القدرة الشرائية أصابت رواتبهم، وأنهم داخل الإعصار لا خارجه كما يتوهمون، إذ يتوهمون أنهم جسم منفصل عن النظام اللبناني وأنهم بمنأى عن الخراب والطوفان، وأن بمقدورهم الانفكاك والاستقلال عن الأمراض التي تعتري النظام في لبنان.

يظن هؤلاء أن الحزب ليس جزءًا من السلطة ولا دخل له بالفساد! وهي نظرة مثالية متعالية عن كل ما يحدث. ويأتي هذا التفكير من ضمن ثُلة من الأفكار التي تعتبر أن السلاح بمأمن، وأن المقاومة لا يمكن المساس بها، وأن الحزب وبيئته الحاضنة محصنة، لأنهم تعودوا طيلة الـ30 سنة الماضية، على أن حزب الله مستقل عن الدولة اللبنانية وقائم بذاته ولذاته. يصح هذا التفكير عسكريًا وسياسيًا، لكن لا يصح ماليًا واقتصاديًا.

هذه الخلاصة من التفكير لا يمكن أن تترجم على الصعيد المالي والاقتصادي، لأن الانهيار سيصيب الفقراء في لبنان كافة دون استثناء، بمن فيهم هؤلاء الصقور.

القاعدة البديهية التي تغيب عن أذهان "صقور" حزب الله أن الانهيار الاقتصادي سوف يصيب الجميع في لبنان، بمن فيهم هم

اضطراب ما بعد الصدمة سوف يصيب هؤلاء حين يعلمون أن الـ200 ألف صاروخ لا يمكن استخدامهم في لف "السندويشات" وشراء الدواء وتأمين الطبابة والتعليم وغيرها من متطلبات الحياة المعيشية للبنانيين على العموم.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الثنائي الشيعي في واقع الانتفاضة اللبنانية

"مقاومة" الناصري والشيوعي في وجه "ممانعة" حزب الله