صفقة "نتفلكس–وارنر" وموت السينما
8 ديسمبر 2025
من قرأ في تاريخ السينما ولو قليلًا، يعلم أنه عند كل منعطف تكنولوجي أو اقتصادي مرت به السينما منذ ولادتها قبل أكثر من مئة وعشرين عامًا، كان هناك دائمًا من يتجرأ ويعلن، بتبجّحٍ جاهل ربما، أنّ السينما انتهت. وتتكرر هذه الحالة بانتظام، كما لو كانت طقسًا من طقوس الصناعة، التي نصرّ على أنها صناعة كبرى. فكلما ظهر وسيط جديد، أو تقنية مقلِقة، أو تحالف تجاري ضخم، تتعالى الأصوات التي تبشّر بموت السينما كما نعرفها.
وعند استرجاع أهم المفاصل التاريخية التي أطلقت مثل هذه الإعلانات، سنجد أن خطابات النهاية ظهرت في تسع مراحل كبرى، ارتبطت كل منها بتحوّل عميق في طريقة صناعة الأفلام أو عرضها أو استهلاكها. ومع كل مرحلة، أو موجة تغيّر، كانت السينما تبدو وكأنها تنفلت كضوءٍ من بين الأصابع، قبل أن تعود في شكل جديد، محمولة بلغةٍ وتقنياتٍ وجمهورٍ مختلف.
ولادة الصوت: أول إعلان للموت
مع ظهور الفيلم الناطق، جاءت الصدمة الأولى. فقد اعتقد كثيرون أن دخول الحوار سيقضي على الفن البصري الخالص الذي صاغه الصمت، والذي عوَّل على حساسية المونتاج والضوء والإيماءة. بدا الصوت، في نظرهم، تنازلًا عن جوهر الفن.
التلفزيون يطفئ نور الصالات في الخمسينات
مع انتشار التلفزيون، بدت الصالات لوهلة كأنها مكان للأشباح، وانهارت أرباح الاستوديوهات العملاقة. وكتبت الصحافة الأمريكية آنذاك أن السينما فقدت جمهورها، وأن العصر الذهبي انتهى. لكن السينما قاومت عبر ابتكار الشاشة العريضة وتغيير أسلوب الإنتاج والعرض، فقفزت إلى الأمام، وصنعت من التجربة السينمائية حدثًا بصريًا لا يستطيع التلفزيون الآمن داخل المنزل تقديمه.
الحركات الطليعية تنعي السينما البورجوازية
بالنسبة للمراقبين والمؤرخين، لم يأتِ إعلان النهاية هنا عبر التكنولوجيا، بل عبر الأيديولوجيا. فقد ظهرت الحركات الوضعية و"السيتواسيونست"، وهي حركة فنية سياسية طليعية تأسست في أوروبا عام 1957، وجمعت بين الفنانين والمنظّرين الراديكاليين الساعين إلى تجاوز الحدود بين الفن والحياة اليومية. ورأت هذه التيارات أن المجتمعات الحديثة يحكمها مبدأ الاستعراضية، أي سيطرة الصور والبضائع على وعي الإنسان. ودعت إلى خلق مواقف حيّة تقوّض هذا النظام، عبر إعادة الناس إلى التجربة المباشرة، بعيدًا عن الهيمنة الإعلامية والاستهلاكية. وقد أثّرت أفكارها في انتفاضات 1968 وفي تطوّر فنون التجريب والأفكار المضادة للثقافة.
عند كل منعطف تكنولوجي أو اقتصادي مرت به السينما منذ ولادتها قبل أكثر من مئة وعشرين عامًا، كان هناك دائمًا من يتجرأ ويعلن، بتبجّحٍ جاهل ربما، أنّ السينما انتهت
مرحلة الفيديو والقرصنة: قاتل بوسطن
حين دخل جهاز الفيديو إلى البيوت في الثمانينيات، ارتعبت هوليوود. وذهب جاك فالينتي، رئيس رابطة صناعة السينما الأميركية، إلى الكونغرس ليعلن أن جهاز الفيديو "قاتل متسلسل" يهدد صناعة السينما. بدا أن القدرة على تسجيل الأفلام ومشاهدتها في المنزل ستقضي على الصناعة. لكن النتيجة كانت عكس ذلك: سوق فيديو ضخم، وأفلام ذات جماهيرية خاصة، وولادة زمن الاستئجار المنزلي.
تحلّل السينما: التسعينات
في التسعينيات بدا الخطر وجوديًا. كتبت سوزان سونتاغ مقالتها الشهيرة عن تحلّل السينما، ورثت فيها زمن العظمة، ورأت أن ثقافة الولع بالسينما تموت. واعتبرت أن السينما تدخل مرحلة تحلّل لأنها فقدت مكانتها كفنّ عظيم وتحولت إلى صناعة ترفيهية، وأن طقس المشاهدة في القاعة انهار مع صعود التلفزيون والفيديو، فتلاشت السينيفيليا التي منحت السينما روحها. ثم جاء التطور الرقمي ليسلب الصورة ملمسها الحي وحضورها المادي، فبدت السينما مجرّد صورة أخرى في عالم متخم بالصور، بلا هالة ولا طقسية ولا عمق.
الرقمية تمحو "السيلولويد" : الألفية الثانية
مع الانتقال من الفيلم إلى الكاميرات الرقمية، ثم إلى ملفات يمكن تعديلها بلا أثر، ظهر خوف جديد: نهاية الذاكرة السينمائية نفسها. فقد كتب باولو تشيركي أوزاي أن السينما مهدَّدة بالموت، لا بسبب تغيّر الأذواق أو انهيار القاعات، بل بسبب زوال مادتها الأصلية. فالعصر الرقمي لا يغيّر طريقة صنع الأفلام فقط، بل يهدد ذاكرة القرن العشرين، لأن "السيلولويد" قابل للحفظ والترميم، بينما الملفات الرقمية هشّة وقصيرة العمر، وقد تختفي بضغطة زر، أو بتطور جديد يترك مادتها خلفه لمجرّد أنها أصبحت قديمة تقنيًا.
غرينواي: موت السينما وولادة الريموت كونترول
بيتر غرينواي، المخرج والفنان البريطاني الطليعي المعروف بمزجه السينما بالفن التشكيلي، قدّم ربما أكثر إعلان شاعرية عن موت السينما. فرأى أن السينما لفظت أنفاسها يوم تمكّن المشاهد من الضغط على زر الإيقاف والخروج لتحضير قهوة، أي يوم فقدت التجربة السينمائية قدسيتها وسلطتها على المتفرج. ورغم هذا الإعلان القاسي، عاد غرينواي ليبتكر لغة هجينة ومتجددة، كأنه يعيد اختراع السينما بدل الاكتفاء برثائها.
المنصّات: عصر المحتوى
مع صعود المنصات مثل "نتفلكس" وغيرها، لم تعد السينما وحدها ملك الشاشة. فقد ظهر المحتوى كاسم شامل لكل أنواع الفن المرئي: فيلم، مسلسل، وثائقي، أو تسجيل بكاميرا هاتف محمول. وهنا بدا الخوف مضاعفًا، ليس فقط من نهاية طقس المشاهدة في الصالات، بل من نهاية الفيلم كجنس فني. فقد أصبحت المنصات مراكز للتمويل والتوزيع، وصار الفيلم وحدة زمنية مرتبطة بعدد دقائق البث لملء الهواء.
الجائحة: حصار العالم
كانت اللحظة الوبائية المرة الوحيدة التي بدا فيها أن السينما تموت فعليًا: شاشات سوداء، صالات مغلقة، ومهرجانات بلا جمهور. تحوّل العالم إلى مشهد بثّي كامل، وبدا أن نموذج العرض الجماعي في الصالات قد وصل إلى آخر أيامه.
الصفقة التي تمت مؤخرًا بين العملاقين "وارنر براذرز" و"نتفلكس" أطلقت موجة من النواح على السينما كما نعرفها. فقد وصفت النهاية الجديدة بأنها "مقلقة فعلًا"، لكنها مقلقة كما هي كل التحولات التاريخية الكبرى. نعم، الصفقة ليست استحواذًا تجاريًا عابرًا، ونعم، إنها لحظة انصهار بين آخر استوديو من العصر الذهبي وأكبر منصة ولّدت عصر ما بعد هوليوود، حيث لأول مرة يصبح اللاعب الذي دمّر نموذج الصالة هو نفسه مالكًا لتراث هوليوود واستوديوهاتها.
لكن كل هذا ليس نهاية الفيلم كفن، بل نهاية البنية الصناعية للفيلم: نهاية التعدد، نهاية الاستوديوهات المستقلة، ونهاية الفصل بين فيلم للشاشة الكبيرة ومسلسل للمنصة.
ومن المحق أن يبدو الخوف اليوم جزءًا من خوف أوسع: أن تتحول السينما إلى مجرد جزء صغير في ماكينة عملاقة تنتج محتوى بلا ذاكرة وبلا مؤسسات تشبه ما عرفناه سابقًا. لكن — ونضع ألف خط أحمر تحت كلمة "لكن" — بعد موت متكرر عبر قرن وبضع سنوات لهذا الفن العظيم، يبدو أن ما يموت ليس السينما، بل تعريفنا المرتعد والخانق لماهيتها.







