صفقة القرن.. انحياز لشرعية القوة

صفقة القرن.. انحياز لشرعية القوة

(Getty) غرافيتي في غزة

في مقاربة ترامب لخطة السلام المفترضة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، التي عهد بإنجازها إلى صهره جاريد كوشنر على مدار السنوات الثلاث الماضية، نلاحظ حرص الرجل على وصفها بالصفقة، لا لإدمانه المزمن على التعامل مع كل حدث أو تسوية كبرى بمنطق الربح القائم على الصفقة، وإنما لينقل لنا إحساسه العميق بعدالة تلك الصفقة التي يرغب بعقدها بين الطرفين، واحد منتصر وآخر مهزوم. يحصل بموجبها المهزوم (الفلسطيني) على حق الاعتراف به ككائن إنساني، تنحصر آماله الوجودية في الحاجات الاقتصادية، مقابل تخليه عن حقه في الوجود السياسي كفرد مستقل وحر في دولة كاملة السيادة. فيما يحصل المنتصر (الإسرائيلي) بموجبها على اعتراف علني من المهزوم بحقه بالوجود السياسي والأمن.

الدولة الفلسطينية التي يبشّر بها ترامب ليست سوى محاولة لتجميع فلسطينيي الضفة وغزة في معزل جغرافي كبير

على الطرف المقابل من المعادلة يحرص الفلسطينيون على مقاربة صفقة ترامب، كاستمرار لمفاعيل وعد بلفور 1917 الذي حرص على خلق إسرائيل مقابل إزالة فلسطين. فالجوهر الفعلي لوعد بلفور، بحسب القيادة الفلسطينية، هو تحويل أرض فلسطين التاريخية إلى وطن قومي لليهود (دولة إسرائيل)، يتم التعرف فيها على اليهودي كعضو في جماعة سياسية له الحق بتقرير جميع الأمور المتعلقة بحياته اليومية، فيما ينحدر وجود الفلسطيني فيها إلى مستوى الفائض عن حاجة المكان، الذي يتم التسامح بوجوده فيه لغايات إنسانية بحته. فالدولة الفلسطينية التي يبشّر بها ترامب ليست سوى محاولة لتجميع فلسطينيي الضفة وغزة في معزل جغرافي كبير، يتم تظهيره للعالم على أنه تجمع حر ومستقل، بينما هو في الحقيقة تابع لإرادة السلطات الإسرائيلية، التي تتحكم في جميع أموره الحياتية من حصته في مياه الشرب إلى حصته بكمية المواد الزراعية التي يسمح له بزراعتها.

اقرأ/ي أيضًا: "صفاقة القرن".. غضب عربي من خطة ترامب لتصفية القضية الفلسطينية

في الظاهر يبدو ترامب محقًا لوصف صفقته بالتاريخية، فهذه هي المرة الأولى التي تقبل بها إسرائيل بوجود دولة فلسطين، بعد أن ظلت لعقود ترفض القبول بأي حق لهم، اللهم سوى حق التمتع بنوع من الحكم الذاتي الموسع للسكان لا للأرض، فما الذي تغير يا ترى في طبيعة العقلية الإسرائيلية التي ظلت ترفض على الدوام فكرة التعايش مع دولة فلسطينية جارة؟

في الذهاب عميقًا وراء الشروط التي حدّدتها إسرائيل لولادة الدولة الفلسطينية العتيدة، سرعان ما يكتشف المرء وهم التغير في طبيعة العقلية الإسرائيلية، التي ما تزال تصر على تفخيخ الدولة الفلسطينية من الداخل، وذلك عبر إفراغها من العنصر الأهم لأية دولة طبيعية، ألا وهو العنصر المتعلق بسيادة الدولة على أرضها. فعبر إصرار إسرائيل على حرمان الفلسطينيين في دولتهم من تشكيل جيش وطني حتى ولو كان ذا تسليح رمزي، كما إصرارها على تولي حماية حدود تلك الدولة عبر جيشها الخاص مقابل أجر مالي، كما الذهاب حد منعها من عقد أية إتفاقيات دفاعية مع أية دولة أخرى، ناهيك عن حرمانها من السيطرة على مجالها الجوي والبحري إلا بإشرافها، كل ذلك يفرغ الدولة المقترحة من جوهرها ويرجعها إلى المربع الأول للتصور الإسرائيلي، القائم على تبني خيار الحكم المحلي للسكان.

في رد عباس على خطة ترامب، بدا الرجل مشحونًا بالغضب لأقصى طاقته، إلى الدرجة التي لم يتوقف فيها طيلة خطابه الذي استمر لمدة ثلاثين دقيقة عن تأكيد رفضه القاطع للخطة جملًا وتفصيلًا، متذرعًا بفساد بندها الأول؛ الذي يؤكد رفض اعتبار القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية المستقبلية، ويصر على بقائها تحت السيطرة الإسرائيلية دون تقسيم أو تجزئة، الأمر الذي يشي بفساد بقية البنود والقضايا التي عالجتها الخطة على النحو الذي يذهب إليه المثل الشعبي "المكتوب مبين من عنوانه".

من رفض عباس لتلقي أي اتصال من ترامب على مدى أسابيع سابقة لموعد إعلان صفقته في موقف احتجاجي على مضمونها، ثم ذهابه في خصومته مع ترامب حد التعرض له بالشتيمة بعبارة "كلب بن كلب" على ذمة "جيروزاليم بوست" الاسرائيلية، مرورًا برفضه القاطع لبنود الخطة الفاسدة في خطابه الليلة الماضية بعد عقده لاجتماع جامع مع ممثلي الفصائل الفلسطينية، بمن فيهم حماس والجهاد. يبدو الرجل كمن يذهب للتصعيد في وجه الإدارة الأمريكية التي طالما عرف ريئسها بالوقاحة وسلاطة السطان تجاه كل من يظنه في مرتبة وجودية أدنى. فما الذي حدا بعباس أن يذهب كل هذا المذهب في خصومته مع الإدارة الأمريكية التي طالما رأى أن 99 % من أوراق الحل في يدها.

ربما يكمن السر في اقتناع عباس أنه لم يعد في يد ترامب من أوراق ضغط ليستخدمها ضده، ففي مجال العقوبات لم يعد في جعبته ما يصطدم الفلسطينيين بعد مضي أكثر من عامين على قراره القاضي بتجميد المساهمة الأمريكية الكبيرة ( 650 مليون دولار) التي كانت تقدمها للأونروا، كما إعلانه عن إغلاق عمل مكتب منظمة التحرير في نيويورك، كما تجميده لأية مساعدات خاصة بالسلطة الوطنية.

في ظاهر الكلام، يبدو الرجل عازمًا على المواجه لآخر شوط، لاعتقاده بضرورة مواجهة ضغوط ترامب حتى لحظة ذهابه من رئاسة البيت الأبيض التي يراهن كما يبدو على أن تكون قصيرة. أما على المستوى الشخصي فليس لدى الرجل ما يخشاه بدليل تلميحه لأكثر من مرة عن استعداده لترك منصب رئاسة السلطة لأي شخص آخر. في البحث عن الدافع الأساسي الذي يتخندق وراءه عباس في رفضه للخطة، نجده في إحساسه العميق والصادق بقدرة الصفقة غير العادلة على الذهاب عميقًا في النيل من الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، إذا ما تجرأ على التساوق مع أي من بنودها الباطلة على أي نحو من المناحي.

تميز صفقة القرن عن غيرها بأنها محاولة أمريكية إسرائيلية مزدوجة لتسويق شرعية جديدة، قائمة على حقائق الأمر الواقع

تتميز صفقة القرن عن غيرها من المشاريع السياسية، التي سبق وأن طرحت لحل القضية الفلسطينية أو تصفيتها، بأنها محاولة أمريكية إسرائيلية مزدوجة لتسويق شرعية جديدة، قائمة على حقائق الأمر الواقع المستندة إلى مفاعيل القوة العسكرية الغاشمة، على نحو لا يقيم أي اعتبار لقوانين الشرعية الدولية الصادرة عن مجلس الأمن أو الجمعية العامة، الأمر الذي يتطلب جهدا فلسطينيًا جماعيًا لإفشالها، وهو أمر لا يمكن أن ينجز على نحو فاعل دون إعادة اللحمة الوطنية بين فتح وحماس على أسس ديمقراطية راسخة.

اقرأ/ي أيضًا: عن صفقة القرن والقاهرة الغارقة في الصمت

لا شك أن الرهان على حركة الناس في الشارع عبر التظاهر السلمي هو الأداة النضالية الأكثر كفاءة لتعبئة قواهم الحية على النحو الذي تجلى في الانتفاضة الفلسطينية الكبرى عام 1987. ولكن قبل الشروع بذلك لا بد للسلطة الفلسطينية من أن تحدد بوضوح العبارة الرجراجة التي أطلقتها حول نيتها لتغيير الدور الوظيفي للسلطة. فهل هي بصدد حل نفسها؟ أم بصدد وقف التنسيق الأمني مع دولة الاحتلال؟ لا شك أن وضوح الرؤية لدى السلطة الفلسطينية كما لدى فصائل العمل الوطني مهم وضروري في تحديد نوع العلاقة التي قد تحكم السلطة مع دولة الاحتلال، إلا أن الأكثر أهمية هو استعدادها لمناقشة تبني استراتيجات جديدة على شاكلة حل الدولة الواحدة، في حال انسداد الأفق أمام حل الدولتين على النحو الذي كشفت عنه الخطة الأمريكية الإسرائيلية. فالجوهري في النضال الفلسطيني هو التخلص من تبعات الاحتلال الإسرائيلي بغض النظرعن قدسية الاستراتيجيات المتبعة لتحقيقه.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"صفعة القرن".. حربٌ لا سلام

الغائب عن "صفقة القرن"