"صفعة القرن".. حربٌ لا سلام

من مظاهرة في قطاع غزة ضد صفقة القرن (MEMO)

من يريد السلام عليه أن يقدم السلام، لا أن يطلب السلام ثم يقدم مقابله الخوف. السلام عملية انفتاح على الآخر، فكيف يمكن طلب السلام من الآخر، ثم محاصرته وتقييده وعزله؟ هناك فرق شاسع بين السلام وبين فرض الخنوع والخضوع على الآخر.

ما يقدم الآن من قبل دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، ليس إلا إعلان حرب على الشعب الفلسطيني. إنها صفعة القرن وليست صفقة القرن

السلام قد ينهي حربًا دموية، لكن ما يقدم الآن من قبل دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، ليس إلا إعلان حرب على الشعب الفلسطيني. إنها صفعة القرن وليست صفقة القرن، والصفعة ستواجه بصفعة، وليس كما يظن ترامب ونتنياهو بأنها ستمر مرور الكرام.

اقرأ/ي أيضًا: الغائب عن "صفقة القرن"

يغفل دعاة الصفقة وداعموها، القواعد البديهية الأساسية للنفس الإنسانية: ثنائية القاهر والمقهور. القهر الذي يتعرض له المقهور، سيقابل بتفريغ شحنات القهر في ردات فعل عكسية باتجاه القاهر. وحين تنقلب الآية وتنعكس الأدوار، سيتحول المقهور إلى قاهر.

مفهوم الصفقة

يتناسى دعاة الصفقة، أن إتمام أي صفقة يتطلب وجود طرفيها، وأن تلبي الصفقة توافقًا بين رغبات وطموحات الفرقاء المتصارعين. وفي حال عدم حصول الإشباع لدى طرف من الأطراف، سيعيد الأمور إلى دائرة الصراع مجددًا، لأنها صفقة لم تقم على التراضي والتوافق والقبول والإشباع للطرفين، بل أتخمت طرفًا واحدًا بالمكتسبات، وتركت الطرف الآخر محرومًا من أبسط  قواعد الحياة.

تقوم صفقة القرن على صفعة من طرف واحد باتجاه أطراف أخرى عدة في المنطقة، بينما لا يؤخذ بعين الاعتبار حق الفلسطينيين في إبداء رأيهم والتعبير عن هواجسهم ورغباتهم وحاجاتهم وطموحاتهم. إنها صفقة ظالمة بكل المقاييس، وما تطلبه إدارة ترامب هو موافقة الشعب الفلسطيني والعرب على الظلم. إنها مقايضة السلام مقابل الظلم والقهر والذل.

إنها أشبه بصفقة اغتصاب، حيث يقوم خلالها المعتدي بوضع شروطه على المغتصِب. الظالم يحدد شروط اللعبة لوحده ويفرضها على المضطهِد. هنا، في هذه الحالة، يضع المستبد الإسرائيلي "القانون" بعد انتهاء اللعبة، بما يناسبه، ولذلك سمي مستبدًا وديكتاتورًا.

يُفترض بالصفقة العادلة أن تضمن للفلسطينيين دولة. لكنها وفق البنود المطروحة في صفقة القرن، تسلب الشعب الفلسطيني دولته، وتخضعهم لاحتلال مشرعن ومقنن عالميًا، كما تنتهك كل النصوص والمواثيق الدولية فيما يتعلق بحق تقرير الشعوب لمصيرها. انتهاك يمكن أن يمر مرور الكرام كون مؤيدي وواضعي الصفقة هم الأقوياء والمنتصرون.

الدولة أم الغيتو؟

تجرد صفقة القرن في بنودها أي إمكانية لتحقيق مطلب الشعب الفلسطيني بإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة، ويسلب الشعب الفلسطيني استقلاله، وتنسف مبدأ حل الدولتين، إذ إن الصفقة تقتصر على الاعتراف بدولة واحدة إسرائيلية، فيما تغيب دولة فلسطين من الوجود.

الدولة المقترحة أشبه بمجموعة غيتوات معزولة، وكانتونات مقطعة غير قابلة للحياة، وتقع تحت رحمة دولة إسرائيل، وتخضع كل قراراتها الجوهرية السيادية لإسرائيل. إنها فتات الفتات العفن.

فالتعليق الأولي على بنود الصفقة التي تنص على إنشاء دولة فلسطينية منزوعة السلاح، ومنع السلطة الفلسطينية من تشكيل جيش أو السيطرة على المجال الجوي أو المعابر الحدودية أو إبرام اتفاقيات مع دول أجنبية، ونزع سلاح الفصائل الفلسطينية؛ أنها عمليًا تجرد الفلسطينيين من أساسات قيام الدولة ألا وهي "الشعب والأرض والحدود والسيادة والاستقلال". 

وتتوالى الأسئلة: ماذا عن الحق في استخراج الغاز من البحر؟ وماذا عن حق اللاجئين بالعودة إلى دولتهم المرتقبة؟ وما هي الاتفاقيات التي ستفرض بين إسرائيل والدولة الفلسطينية الموعودة؟ هل ستكون هذه الاتفاقيات كتلك الشبيهة بالاتفاقيات المعقودة في الحربين العالميتين بين الدول المنتصرة والدول المنهزمة؟

ربما الغيتوات التي عانى منها اليهود على مرّ التاريخ، يريدون نقلها إلى الفلسطينيين، وإحاطتها بأسوار عالية، لتصبح أسوأ الأماكن للعيش، حيث يتفشى فيها المرض والجوع والموت، ووفقًا لمقولة "أحرجناك فأخرجناك".

لا يفارق الغيتو المخيلة الإسرائيلية، ويظن الإسرائيليون أن بإمكان التاريخ أن يعيد نفسه، وأنه بإمكان تشكيل الدول والشعوب والجماعات، وحصرها وتقييدها كما في العصور الغابرة، متناسين أن البشرية أصبحت في الألفية الثالثة، وبأن الحروب ووسائل القوة والعنف لم تعد تقليدية، وبأن أشكال المقاومات اختلفت جذريًا، وما كان متاحًا منذ مئات السنين لن يجد صدى اليوم على أرض الواقع.

السلام بدون إنهاك

تريد إسرائيل سلامًا بدون إنهاك، أو بالأحرى استسلام، بدون أن تصرف ذرّة من الجهد والتعب، وهذا ما لن تستطع تحقيقه، فالسلام كما هو مطروح لن يتحقق، بل سيضاعف من عزيمة الفلسطينيين لتحقيق شروط أفضل لعملية السلام لصالحهم.

وما تطمح إسرائيل لنيله بالسياسة غير ممكن، فالسلام المخزي لا يمكن أن يمر دون عسكرة، من أجل إنهاك إسرائيل وإعادتها إلى طاولة مفاوضات ينتج عنها حلولًا عادلة، ولذلك فهي أشبه بإعلان الحرب، وليست صفقة.

الشعب الفلسطيني خاسر ومهزوم، فكيف تريد إسرائيل أن تعقد معه صفقة خاسرة، فيما بات الفلسطينيون لا يملكون شيئًا لخسارته. إن كان حالهم اليوم حال الهزيمة والخسارة، فالصفقة لن تقدم شيئًا جديدًا لهم سوى خسارات إضافية. وعليه، فالرفض هو مكسب بالنسبة للفلسطينيين. وعبثًا يقول ترامب إن الصفقة "نصر للطرفين"، بينما هي نصر لطرف واحد هو إسرائيل، ونصر بالسياسة دون إنهاك عسكري.

المزايدون والخانعون

هناك من يريد إزالة إسرائيل من الوجود في سبع دقائق ونصف، وهؤلاء هم المزايدون، وتصح فيهم مقولة: "ملكيين أكثر من الملك". وهناك من رضيَ بالصفقة كما هي، وهؤلاء هم الخانعون. أولئك وهؤلاء، المزايدون والخانعون، يستثمرون في قضية الشعب الفلسطيني لمصالحهم.

المزايدون عاثوا خرابًا في عواصم عربية عدة تحت حجة "طريق القدس تمر من بغداد وصنعاء والزبداني ودمشق وبيروت وطهران"، فيما كانت أهدافهم الحقيقية قائمة على المذهبية والتبعية لولاية الفقيه في إيران. والخانعون يريدون تحويل القضية إلى سلعة للتجارة والبيزنس وتحريك عجلة الاقتصاد، ويظنون أن القضية الفلسطينية يمكن حلّها بمنطق رجال الأعمال عبر الصفقات والمليارات من الدولارات والاستثمارات.

يغذي هؤلاء مشاعر الحقد والكراهية بين الشعوب العربية، وقاموا بتقسيم المسلمين إلى سنة وشيعة، وإلى سفك دماء بعضهم البعض بالحروب الأهلية والاقتتال الداخلي، وإلى تأبيد سطوة الديكتاتوريات على الشعوب العربية، ثم يخرجون للتنطع والحديث والدفاع عن القضية الفلسطينية.

لذلك، صار لزامًا تحرير القضية الفلسطينية من رقبة الاستبداد العسكري والسياسي الذي ترزح تحته الشعوب العربية، وتحرير القضية الفلسطينية من رقبة الانقسامات المذهبية، وتحرير القضية من كونها قضية قومية عربية أو إسلامية.

نصرة القضية الفلسطينية لا يمكن أن تستقيم عند من ينادي بتحرير فلسطين بينما يستبد بشعبه وينهب ثرواته وأمواله

صار لزامًا الحديث عن شعوب عربية متحررة ضمن دول عربية مدنية ديمقراطية مستقلة، فنصرة القضية الفلسطينية لا يمكن أن تستقيم عند من ينادي بتحرير فلسطين في حين أنه يستبد بشعبه وينهب ثرواته وأمواله.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"صفاقة القرن".. غضب عربي من خطة ترامب لتصفية القضية الفلسطينية

غضب شعبي عربي قبيل الإعلان عن صفقة القرن.. فما هي أبرز بنودها؟