صغيرًا في بلاد.. كبيرًا في أخرى

صغيرًا في بلاد.. كبيرًا في أخرى

برهان كركوتلي/سوريا

هل ضبطت نفسك يومًا بينما كانت شفتاك تبتسمان دون إرادة منك، حين يتجول في بالك انطباع ما عن حادثة ما، في وقت ما؟ هل فاجأتها يومًا بينما كانت عيناك تقدحان شررًا، ولسانك يرغي ويزبد بكلمات غير مفهومة، بينما كنت تخوض معاركك الوهمية الانتقامية ممن أهانك في حادثة ما، في وقت ما، بينما عجزت عن رد الإهانة فابتلعتها؟ هل وجدت نفسك متلبسًا بحركة غير إرادية أفلتت من حاجبيك بينما كنت غارقًا في أحد أحلام اليقظة التي جمعتك بحبيبة لم تستطع الحفاظ عليها لسبب ما في وقت ما؟ 

هكذا وبينما كانت البضائع التي اشتريتها تنتقل أمام ناظري على الشريط البلاستيكي في المتجر الحديث، وتتحرر بين يدي البائعة من دمغتها الالكترونية، كانت الأفكار تلقي بي في كيس الخضار وتخرج بي نحو علبة التونة لتغرقني في زيتها، ثم تنشرني على حبل الغسيل البلاستيكي، تجعل مني شمعة فوق قطعة الكاتو البنية، ومصاصة في فم طفل مشاكس، أصحو حين يقرطها ويلقي بعودها تحت أقدام الواقفين في الطابور. لم تكن معاركي في أحلام اليقظة هنا لتشبه أحلامي هناك، هناك كل شيء مختلف، هناك في بلادي للأحلام سطوة الحقيقة وقدرة تلبس الواقع. هناك في بلادي لطالما تمشيت في الفيء شاردًا وساهمًا وحالمًا بأن أكبر. 

حلمت بأن أكبر كي أتخلص من لعنة المدرسة القاسية التي تفرض علي أن "أطب" رأسي على مقعد خشبي رطب الجسد ومتعفن الروح ومشوه الجلد بآلاف الكلمات والشخبرات والتجاعيد. حلمت بأن أكبر كي تكون لي خزانتي وكُرتي و"بوطي" الأديداس المحترم. حلمتُ بأن أكبر كي أغير بدلة "الفتوة" العسكرية، وأنزع الحلاقات الغبية عن شعري القصير. حلمتُ بأن أكبر كي أهرب من أسوار البيت وأسوار المدرسة وأسوار العادات وأسوار الدين وأسوار الشعارات الطنانة مع فتاة ما، أي فتاة لا يهم.

حلمت بأن أكبر كي أتخلص من الفروض، فروض المدارس والجامعات، فروض الطاعة والولاء لكل من يكبرني، فروض السياسة والخنوع لكل من يخفي مسدسًا في خاصرة شريرة. حلمتُ أن أكبر في بلادي كي أعبد الطرقات بيني وبين جيبتي الفارغة، كي أضع ذلك الطوق الفضي على رقبة اعتادت الحلاقة، واعتادت بلع الريق كلما شاهدت دورية أمن عابرة. حلمت بأن أكبر كي أدهس أيامي الشقية الكئيبة بقدم واحدة بينما أقفز لمستقبل لا أكون فيه عاطلًا عن عمل ولا عالة على أحد، حلمت بأن أكبر لأنني ظننت بأن للعمر حصانة قد يكتسبها المهان الجريح في وقت ما وبعد شقاء ما. 

حلمت بأن أكبر معتقدًا بأن الزمن سيترك لي من أحب كما هم، ولن يطعن حيويتهم أو صحتهم. لهم حلمت بأن أكبر كي أصبح مليونيرًا محبوبًا وسخيًا، ولغيرهم من الحاقدين الأشرار حلمتُ بأن أكبر كي أصبح قاضيُا، بل قائد شرطة أو وزير، بل رئيس دولة أو أمير على أقل تقدير.

حلمت بأن أكبر كي يتجاهلني من يسأل عادة: ماذا تريد أن تكون؟ وكي ينساني من يعلق أملًا على جيل كامل شاب وجديد، حلمت بأن أكبر كي أتمكن من صهر خيبتي بخيبات الكثيرين، كي لا أكون وحيدًا في بلاد ينتظر المرء فيها مستقبله المجهول كما تنتظر المدفأة القديمة شتاءها في علية يرشح سقفها ويعتلي جدرانها العفن. 

حلمتُ بأن أكبر كي أرتدي قميصًا فاقد الموضة لوالد منهك، وجاكيتًا قد حافظ على مخمله القديم كما حافظت أم على ماكنة خياطة أجنبية الجنسية اكتسبت ثقلًا وبدانة بالتقادم، لتورثها لعروس ابنها الذي يحلم بأن يكبر. 

حلمت بأن أكبر كي أسافر لبلاد لا أحلم فيها بل أعيش، من قال بأن هنالك أحلام وهناك كوابيس؟ كل الأحلام الجميلة تستحيل كوابيسَ حين نصحو، كل الأحلام تغدو كرسائل من حبيبة قررت الهجر حين يفيق الحالم من وهمها المخدر. 

وها أنا الآن وقد كبرت، وها أنا الآن وقد هاجرت، وها أنا الآن وقد رصفت طريقًا وعبدت آخر بيني وبين جيبين ممتلئين بقطع نقدية غريبة عني، ورسورم عليها لا تعرفها مخيلتي ولا ترصدها ذاكرتي، ها أنا الآن وقد كبرت وتخلصت من فروض جلد الذات أمام موظف تخلى عن لباقته في استقبالي، ها أنا وقد كبرت وصار عندي هاتف ذكي بدلًا من الذاكرة التي خزنت المئات من الأرقام في الصغر، ها أنا وقد كبرت لأرمي برقم هويتي تحت أرجوحة أطفال لا يعرفون الضرب ولا يألفونه، وبرقم جواز سفري تحت سكة الميترو الذي سمعت به مرارًا وحلمت بأن يتعرج كالنهر في مدائن بلادي، وبرقم تنظيمي الحزبي الذي لم أختره تحت طاولة محققي الهجرة واللجوء، وبرقم انتسابي لكلية اغتصبت حقي في أن اختار مهنتي كما أحب لا كما يحب المجتمع، على أول مدرج طائرة في أي مطار لا أخاف من موظفيه. 

وها أنا وقد كبرت في بلاد غريبة عن مقاس خصري، غريبة عن صوت سعلتي، وشكل خطي، وترتيب قهوتي الصباحية مع سيجارة يابسة وصديق يحلم أن يكبر. كبرت نعم ولا أعلم لماذا الآن، حين تمر أمامي على شريط البائع البلاستيكي، بضائع تتحرر من دمغاتها الالكترونية، أشعر بأنني أدمغ كبشري خاسر، لكنني عرفت يا صحبتي، عرفت أنني لم أعد أحلم بأن أكبر، فقد صرت كبيرًا بما فيه الكفاية كي أحلم بأن أكون صغيرًا، صغيرًا جدًا كي أنال ما فقدت من أحضان، صغيرًا جدًا كي أكتب دون خوف على الجدران، صغيرًا جدًا كي أزور مدارسَ دون أسوار وحيطان، صغيرًا جدًا كي أعرف بأن الفواكه والحلويات لا تتعلق فقط بالضيوف، كي أحتفل بشراء قبعة من صوف، كي أرسم بحرية وفشل على الكثير من الصفحات البيضاء حصانًا أو ثعلبًا أو خروفًا، كي أكره الممحاة والكلمات إن أردت والحروف، كي لا يعلق بذاكرتي اسم لوزير أو رئيس أو سفير أو شخص معروف؛ صغيرًا جدًا حتى تعود لي عائلة.

اقرأ/ي أيضًا:

قتلتُ لأنني أردتُ أن أحيا

سطوة الجلنار