"صعود رأسمالية الكوارث".. ما هي العلاقة بين إسرائيل ورأس المال العالمي؟
6 أغسطس 2026
في الرابع من كانون الأول/ديسمبر عام 2009 نشرت الكاتبة والباحثة الكندية، نعومي كلاين، كتابها المهم "عقيدة الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث" (The Shock Doctrine: The Rise of Disaster Capitalism)، وناقشت فكرة بدت جديدة في ذلك الوقت قبل أن تثبت الأيام صحتها، قالت إن منظومة رأس المال لا تتحرك بشكل ليبرالي وحر، بل تستفيد مباشرةً من الأزمات والحروب والكوارث الطبيعية، في تحقيق أرباح طائلة للشركات والمؤسسات الخاصة ومتعددة الجنسيات، ثم تمرير سياسات اقتصادية راديكالية من شأنها التلاعب بأرزاق الناس لصالح ثلة قليلة من البشر المتحكمين في الاقتصاد والسياسة.
المثير في ذلك الكتاب، هو أنه استطاع الإجابة على سؤال: لماذا يسكت الناس عن تلك الممارسات؟ السر في "الصدمة" التي تخلفها نفس الكوارث والحروب، حيث أصبحت الفئات المستضعفة والمقموعة حول العالم بمثابة السلعة الأكثر قيمة وتداولًا بالنسبة للنخب السياسية والاقتصادية، التي تستغل حالة الشلل المجتمعي الناتجة عن "الصدمة"، بمعناها الواسع، لإعادة هندسة المجتمعات وبناء أسواق جديدة تعتمد على نفس الدائرة القمعية.
المحرك الفعلي لاستمرار حرب الإبادة، بل وتوسعها، هو تشابك المصالح بين المجمع الصناعي العسكري الأميركي والإسرائيلي والشركات التقنية الأمريكية متعددة الجنسيات
وأبرز مثال على ذلك هو ما يحدث في منطقة الشرق الأوسط، خاصة فيما يخص القضية الفلسطينية، منذ الحرب العالمية الأولى تقريبًا وحتى هذه اللحظة، ولكن كيف ذلك؟
مختبر الدم
في كتابه "المختبر الفلسطيني: كيف تصدر إسرائيل تكنولوجيا الاحتلال حول العالم"، طبق الصحفي الاستقصائي الأسترالي أنتوني لوينشتاين، نظرية كلاين بشكل مباشر، حيث أكد أن المنطقة العربية قد تحولت على مدار أكثر من خمسين عامًا إلى مختبر لتطوير وتجريب تقنيات المراقبة والأسلحة والذكاء الاصطناعي، ذلك لأن إسرائيل تستفيد من قتل الفلسطينيين والعرب عبر شقين، الأول تنفيذ مخططها الإبادي، واستكمال السيطرة على المنطقة، والثاني تسويق الأسلحة والتكنولوجيا المستخدمة كآليات قتل فعالة.
وذكرت الباحثة والأكاديمية سارة فتح الله، في دراستها المنشورة في دورية "بابليك هيومانيتيز" التابعة لجامعة كامبريدج، أن هذه المنظومة الرأسمالية، قد استفادت من التكنولوجيا الحديثة وتقنيات الذكاء الاصطناعي، ولم لا، ربما تكون قد أسهمت في تطويرها لتجاوز الأسلحة التقليدية، مؤسسةً لما أطلقت عليه مصطلح "عالم الموت الخوارزمي" والمستوحى من مفهوم "السياسة الميتة" للفيلسوف الكاميروني أشيل مبيمبي، والتي تصف كيف يحدد رأس المال الحالي من له الحق في أن يعيش، ومن عليه أن يموت حتى تعم الفوائد والأرباح على القلة القليلة المتحكمة في الاقتصاد العالمي.
وتشير فتح الله إلى أن سكان غزة قد تحولوا إلى ما يشبه النقاط المصقولة على لوحة معدنية ضخمة، لوحة يتحكم بها ذكاء اصطناعي طوره الإنسان، لوحة بارودها يضيء، ليحيل ليل الأطفال الراقدين في الخيام إلى نهار قائظ قُح، وفي الحالتين، إسرائيل هي الرابحة، فالإبقاء عليهم قيد الحياة يضمن استمرار توليد البيانات، وتحديث خوارزميات الاستهداف، بينما يضمن موتهم تحسين دقة هذه الأنظمة وتسويقها لاحقًا بوصفها تقنيات مُجربة فعليًا في ساحات المعارك، لصالح المجمع الصناعي العسكري والشركات التكنولوجية الكبرى، وهنا يصل الموت بالخوارزميات إلى نقطة معقدة للغاية.
حيث أضاف الصحفي أنتوني لوينشتاين، في فصول كتابه أن هذا التفكيك التاريخي والاقتصادي يبرز كيف أصبحت غزة والضفة الغربية مختبرًا مثاليًا للمجمع الصناعي التقني العسكري، خاصة بعدما حُوِّلت عمليات هدم المنازل، والاعتقال والمراقبة، وتنفيذ بعض الغارات، إلى أدوات تكنولوجية متطورة، وقد تمكنت إسرائيل عبر هذا المختبر من بناء النموذج النهائي للقومية العرقية المسلحة، وتصديره إلى دول أخرى، أوروبية في الغالب، تسعى لقمع أقلياتها وتأمين حدودها وصد المهاجرين، مستغلة تنامي التيارات اليمينية المتطرفة حول العالم، لترويج بضاعتها المختبرة على أجساد الشهداء.
بانوبتيكون
وهناك مثال صارخ على هذا التوجه، البلدة القديمة في مدينة الخليل الفلسطينية، إذ تُستخدم فيها كاميرات التعرف على الوجوه، ومستشعرات الحرارة والحركة، وأنظمة المراقبة الآلية المرتبطة ببرنامج "الذئب الأزرق"، والذي يستخدم في تعقب ومراقبة الفلسطينيين في الضفة الغربية، حيث يقوم الاحتلال بتصوير المدنيين آناء الليل وأطراف النهار لتغذية قواعد البيانات، كما نُشرت أنظمة السيطرة الآلية مثل "سمارت شوتر"، والتي تطلق الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي بشكل آلي تمامًا، ما يضيف على العنف والجرائم والإرهاب طابعًا تكنوقراطيًا يخفي بشاعته.
وبحسب ما ذكره الصحفي الإسرائيلي يوفال أبراهام، بناءً على شهادات ستة ضباط استخبارات إسرائيليين، أن هناك نظام ذكاء اصطناعي يُدعى "لافندر"، صُقل كقاعدة بيانات ضخمة تقوم بتحليل المعلومات عن معظم سكان قطاع غزة، حيث تعلم تحديد خصائص المسلحين وتعميمها على السكان، ليضع قائمة اغتيالات شملت حوالي 37,000 رجل فلسطيني.
هنا تظهر مفاجأتين، المفاجأة الأولى هي أن نسبة الخطأ لم تتجاوز 10%، بمعنى أن واحدًا فقط من كل عشرة أشخاص يستهدفهم النظام لا علاقة له بأي فصيل مقاوم، أما المفاجأة الثانية فهي أن الضباط الصهاينة وجدوها نسبة نسبة بسيطة، ولذلك قرروا تعطيل تلك الخاصية، ثم أعطوا النظام تفويضًا بالقتل العشوائي، كل من هو يتحرك في غزة معرض للقتل والتنكيل في أي وقت بناءً على قرار واحد من النظام.
وبما أن الصهاينة يتعاملون مع العرب باعتبارهم شعبًا واحدًا، لدرجة لم يُضبط فيها أي صهيوني متلفظًا بكلمة الفلسطينيين أو اللبنانيين، والكلمة الدارجة على ألسنتهم هي كلمة العرب، إذن كان من الطبيعي أن يمتد هذا التأثير إلى العرب ككل، حيث أشار الباحث الاقتصادي شير هيفر إلى أن الدرونز والتقنية الإسرائيلية أصبحت تُستخدم من قبل وكالة حماية الحدود الأوروبية لمراقبة اللاجئين الهاربين من أتون بلادهم عبر البحر الأبيض المتوسط، مشيرًا إلى أنها لا تساهم بأي شكل في عمليات الإنقاذ، بل تكتفي بالتقاط الصور للمهاجرين الغرقى، ومراقبة المهاجرين الذين عبروا إلى الضفة الأخرى من البحر.
ما دلالة ذلك؟ تثبيت عقيدة أمنية تعتبر المهاجرين مجرد تهديدات يجب عزلها باستخدام تقنيات مُجربة مسبقًا في غزة والضفة الغربية، ودفع المليارات لإسرائيل من أجل تطوير تقنيات جديدة، تُجربها في غزة والضفة والداخل المحتل ولبنان واليمن وسوريا والعراق وسائر بلاد الشرق الأوسط، ثم تبيعهم إياها مرة أخرى، وهكذا تستمر رؤوس الأموال والأفكار المتطرفة في التشظي والنمو، إذن، من ساهم في جعل البلاد العربية "خرابة" يهرب منها أولادها؟
الإجابة بسيطة، نفس هؤلاء الطفيليين والتايكونات الرابحين والمعبئين كروشهم بالأموال والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، هؤلاء الذين يتجرعون كأس النبيذ بأموال صاروخ ذاهب لإذابة لحم الأطفال في غزة، المثير للدهشة حقًا، أن كل تايكونات العالم تجمعوا في مكان واحد فقط، كان بمثابة المأوى بالنسبة لهم، وادي السيليكون.
ذلك لأن المحرك الفعلي لاستمرار حرب الإبادة، بل وتوسعها، هو تشابك المصالح بين المجمع الصناعي العسكري الأميركي والإسرائيلي والشركات التقنية الأميركية متعددة الجنسيات.
والدليل هو ما صرح به الملياردير أليكس كارب، الرئيس التنفيذي والمؤسس لشركة "بلانتير" المتخصصة في تحليل البيانات بتبني شركته صراحة لفلسفة التفوق التقني والعسكري الغربي، معلنًا بفخر أن "بلانتير" وُجدت من أجل مساعدة الغرب على فرض هيمنته عبر تطبيق العنف المنظم، ثم قائلًا بالنص أن "تقنيات الذكاء الاصطناعي التي نقدمها مصممة لتخويف الأعداء، وقتلهم في بعض الأحيان"، ومؤكدًا التزامه الأيديولوجي بدعم إسرائيل.
إذن، إسرائيل تريد إبادة السكان القاطنين بين النيل والفرات ودفعهم للتهجير، وتحتاج أموالًا طائلة من أجل ذلك، إذن فلا حل إلا من خلال تطوير أنظمة قتل أسرع وأكثر جودة بالشراكة بين إسرائيل والمجمع الصناعي العسكري الأميركي وبعض شركات التكنولوجيا، ثم بيع تلك التقنية لمن يريد، فرصة لن تعوض، تدفع عجلة الاقتصاد وتمول آلة الحرب في آن واحد.