صربيا بين ضغط الشارع وتمسّك فوتشيتش بالسلطة.. هل تدخل البلاد مرحلة جديدة؟
26 مايو 2026
عادت الاحتجاجات إلى شوارع العاصمة الصربية بلغراد مع خروج عشرات الآلاف للمطالبة بإجراء انتخابات مبكرة وإنهاء حكم الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش المستمر منذ أكثر من عقد، في مشهد أعاد إلى الواجهة أزمة سياسية متفاقمة منذ انهيار سقف محطة قطارات في مدينة نوفي ساد أواخر عام 2024.
وشهدت ساحة "سلافيا" وسط بلغراد واحدة من أكبر التجمعات المناهضة للحكومة خلال الأشهر الأخيرة، قبل أن تتحول التظاهرات لاحقًا إلى مواجهات متفرقة بين الشرطة ومجموعات من المحتجين قرب مبنى الرئاسة ومحيط مخيم لأنصار فوتشيتش أقيم منذ العام الماضي.
وقالت وزارة الداخلية الصربية إن الشرطة استخدمت الغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية لتفريق المحتجين، فيما أعلنت توقيف 23 شخصًا وإصابة عدد من عناصر الشرطة دون الكشف عن حجم الإصابات.
كما أضرم المتظاهرون النار في حاويات القمامة، فيما ارتدى كثير منهم شارات تحمل أيادي حمراء كُتب عليها "أيديكم ملطخة بالدماء"، إلى جانب لافتات كُتب عليها "الطلاب ينتصرون"، في إشارة إلى الحركة الطلابية التي تقود الاحتجاجات منذ أكثر من عام.
وقدّرت الشرطة عدد المشاركين في الساحة والشوارع المحيطة بنحو 34 ألفًا و300 شخص، بينما قدّرت منظمة "أرشيف التجمعات العامة"، وهي جهة تراقب الفعاليات الجماهيرية، العدد بنحو 100 ألف شخص.
من جهته، ووصف الرئيس الاحتجاجات بأنها "تجمعات غير قانونية وإجرامية"، قائلًا إن المحتجين "يسيطرون على الطرق والشوارع ويمارسون العنف طوال الوقت".
حذّر مسؤولون أوروبيون خلال الأشهر الماضية من أن التراجع الديمقراطي في صربيا قد يهدد جزءًا من التمويل الأوروبي المخصص للدول المرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي، والذي يقدّر بنحو 1.5 مليار يورو
من حادثة محطة القطار إلى حركة سياسية
بدأت الاحتجاجات بعد انهيار مظلة خرسانية في محطة قطارات نوفي ساد في 1 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، ما أدى إلى مقتل 16 شخصًا، في حادثة اعتبرها معارضون ومنظمات حقوقية نتيجة مباشرة للفساد وسوء إدارة مشاريع البنية التحتية.
وتحوّلت التظاهرات تدريجيًا من مطالب بالمحاسبة إلى حركة سياسية أوسع تطالب بإجراء انتخابات مبكرة وتغيير الحكومة.
وقادت الجامعات والطلاب الجزء الأكبر من التحركات، بعدما أغلقت كليات عدة أبوابها لأشهر خلال عام 2025، ما أدى حينها إلى استقالة رئيس الوزراء السابق ميلوش فوتشيفيتش وحكومته، من دون أن ينجح ذلك في تهدئة الشارع.
وقالت ممثلة الحركة الطلابية إيسيدورا يوفانوفيتش إن المحتجين يستعدون لخوض الانتخابات المقبلة، معتبرة أن "صربيا تحتاج إلى تغيير".
في المقابل، يواصل فوتشيتش رفض اتهامات الفساد والتضييق على المعارضين، مؤكدًا أن السلطات اتخذت إجراءات بحق المسؤولين عن حادثة المحطة.

اتهامات باستخدام القوة وتزايد الضغوط الأوروبية
وأثارت طريقة تعامل الشرطة مع المحتجين انتقادات داخلية وخارجية، خصوصًا بعد تقارير تحدثت عن اعتقالات تعسفية واستخدام مفرط للقوة ضد المتظاهرين والصحفيين.
وأكد مفوض حقوق الإنسان في مجلس أوروبا مايكل أوفلاهرتي الحكومة الصربية في تقرير هذا الأسبوع أنه "سيراقب الوضع عن كثب" خلال احتجاجات السبت.
وأشار أوفلاهرتي أيضًا إلى "تقارير تتحدث عن حماية الشرطة لمهاجمين مجهولين وملثمين اعتدوا على صحفيين ومتظاهرين".
كما حذّر مسؤولون أوروبيون خلال الأشهر الماضية من أن التراجع الديمقراطي في صربيا قد يهدد جزءًا من التمويل الأوروبي المخصص للدول المرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي، والذي يقدّر بنحو 1.5 مليار يورو.
ويقول معارضون إن الحكومة ووسائل الإعلام الموالية لها تستخدم خطابًا يتهم المحتجين بأنهم "عملاء أجانب" يسعون إلى زعزعة استقرار البلاد، ما عمّق الاستقطاب السياسي داخل المجتمع الصربي.
فوتشيتش بين موسكو وبكين وبروكسل
وتزامنت الاحتجاجات الأخيرة مع زيارة أجراها فوتشيتش إلى الصين، حيث التقى الرئيس الصيني شي جين بينغ ووقّع أكثر من 20 اتفاقية تعاون شملت مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والتعليم، في محاولة لتوسيع المشاريع الاقتصادية وتخفيف الضغط الداخلي.
وأكد شي خلال اللقاء دعم بكين لمسار صربيا السياسي والاقتصادي، داعيًا إلى توسيع التعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والطاقة الخضراء.
من جهته، شدد فوتشيتش على أهمية العلاقات مع الصين، مؤكدًا تمسك بلغراد بتطوير شراكتها الاستراتيجية مع بكين، في وقت تسعى فيه صربيا رسميًا إلى الانضمام للاتحاد الأوروبي، مع حفاظها في الوقت نفسه على علاقات وثيقة مع روسيا والصين.

الطلاب يدخلون المعركة الانتخابية
ومع اقتراب موعد الانتخابات المتوقع بين أيلول/سبتمبر وتشرين الثاني/نوفمبر المقبلين، بدأت الحركة الطلابية تتحول تدريجيًا إلى لاعب سياسي مباشر.
ويرى أكاديميون ومعارضون أن الطلاب نجحوا في بناء قاعدة شعبية واسعة تتجاوز الأحزاب التقليدية، مستفيدين من حالة الاستياء المتصاعدة تجاه الحكومة.
في المقابل، يراهن فوتشيتش على تماسك مؤسسات الدولة والدعم الذي لا يزال يحظى به داخل قطاعات واسعة من المجتمع، وسط استمرار الانقسام الحاد بين مؤيديه ومعارضيه.
تقرؤون المزيد في: في انتخابات تشوبها المخالفات.. اليمين الشعبوي يحافظ على السلطة في صربيا