صراع العروش.. حين يضعك الإبداع في مأزق

صراع العروش.. حين يضعك الإبداع في مأزق

مسلسل صراع العروش

إذا كنت من مشاهدي المسلسل الأمريكي "صراع العروش - Game of Thrones" فهل سألت نفسك لماذا تتعلق بهذا العمل دون غيره؟ ولماذا وصل بك الأمر إلى هذا الحد من الهوس بشخصياته وأحداثه والبحث وراء نظريات مستقبل الرواية؟

ربما يكون السر الأكبر وراء نجاح مسلسل صراع العروش كامنًا في حيرة المشاهدين جراء أفعال معظم شخصياته إن لم يكن جميعهم

ربما يكون السر الأكبر وراء نجاح هذا المسلسل "الأسطوري" -بكلا المعنيين- كامنًا في حيرة المشاهدين جراء أفعال معظم شخصياته إن لم يكن جميعهم، هذا الارتباك ناقشته ذات يومٍ مع صديق لي كان يراه هو العنصر الأساسي للجذب، فيما رأيت أن تمثيل حياة الناس بشكلها الطبيعي هو العنصر الأهم، والشكل الطبيعي هنا هو اجتماع كل مناحي الحياة وتنوع القصص الفرعية بين إثارة وخوف وكوميديا وأكشن وقتل وميلاد ورومانسية.. إلخ.

فإذا فحصنا العنصرين سنجدهما قد تحققا بشكل رائع في العمل، فأنت ترتبك حين تكره رجلاً حاول قتل طفل صغير، ثم تجد نفسك تتعاطف معه حينما تعرف أنه وصم نفسه بعار ذبح الملك بعدما قتله خوفًا على حرق الأخير للمملكة، وتكره إحدى الفتيات التي تتخلى عن عائلتها وتراها طفلة سخيفة ثم تجرك الأحداث إلى التعاطف معها شيئًا فشيئًا حينما تفعل بها الحياة ما تفعله وتصبح ناضجة تعلم ماذا تفعل جيدًا، وفي نفس الوقت تحب شخصية قيادية حتى النخاع لكنك ترتبك حينما تراه يذبح هذا ويشنق هذا فيما كان العفو بين يديه، ويزيد الارتباك تجاه أغلب شخصيات المسلسل تباعًا.

اقرأ/ي أيضًا: 5 مسلسلات مترجمة عليك متابعتها

أما عن تحقق العنصر الثاني، تجمّع كل أنواع الدراما الممكنة في قصص فرعية، فقد نجح المسلسل في تحقيقه، فنرى الحروب ونرى الحب ونرى الانتقام والشهوة وحب السلطة والحنان والاندهاش والرعب وحتى الكوميديا في مواقف قليلة تكسر هول ما يحدث.

إذن قد أبدع صانعو مسلسل "صراع العروش" في تجسيد الحيرة والارتباك لدى المشاهد ببراعة، كما نجح المؤلفون في الإلمام بجميع مناحي الدراما في عمل واحد، إلى الحد الذي تفوّقت فيه آخر حلقتين للمسلسل في موسمه السادس، وهو آخر ما عُرِضَ منه حتى الآن، على جميع الحلقات السابقة للمسلسل وأي مسلسل آخر، فهذان العنصران، إلى جانب براعة التصوير والتمثيل والإخراج والتأليف وجميع عناصر إخراج العمل، جعلا الموسم السادس من المسلسل حديث الجميع حول العالم.

لكن من أين يأتي المأزق في كل هذا الإبداع؟ المأزق هنا أن المسلسل يتبقى له موسمان آخران يواجه فيهما صانعوه خطر انخفاض إبداعهما في النقطتين السابقتين، فإما أن يخرجا بنفس الروعة وإما أن يهبط مستوى المسلسل بعد وصوله إلى أقصى القمة.

أبدع صانعو مسلسل "صراع العروش" في تجسيد الحيرة والارتباك لدى المشاهد ببراعة، كما نجح المؤلفون في الإلمام بجميع مناحي الدراما في عمل واحد

المسلسل بدأ، في موسمه الأول، بسرد العديد والعديد من القصص للمشاهد، حتى أن البعض كان ليبتعد عن إكمال المسلسل بعد الحلقة الأولى لولا براعة صانعي المسلسل في وضع أحد أهم المشاهد في نهاية الحلقة الأولى منه لتجعل المشاهد يلهث وراء باقي الحلقات، ثم توالت الأحداث على مختلف الأصعدة لدرجة أن الحلقة الواحدة كانت تحتوي على قصص كثيرة في أكثر من مكان ولشخصيات لم تقابل بعضها حتى هذه اللحظة لنهاية الجزء السادس.

إلا أن الجزء السادس جاء ليجمع عددًا كبيرًا من الشخصيات إلى جانب بعضها البعض لتتحدد جبهات الصراع أكثر وأكثر، لتنتهي مع الجزء السادس إلى ثلاث جبهات كبرى ومثيلات لهم أو أكثر بقليل بالنسبة للقصص الأكثر تفرعًا، وقد تبدو هذه الجبهات كثيرة العدد بالنسبة لمن لم يرَ المسلسل، لكنها قليلة بالنسبة لمن رأوه في مواسمه الأولى، وهنا نعود للتساؤل حول تنوع دراما المسلسل، فنجد أن صانعيه يواجهون تحديًا جديدًا في خلق مساحات لتواجد أنواع مختلفة من المشاعر والأحوال الدرامية التي تبقي على المشاهد في عالم المسلسل الذي يحاكي عالمه الطبيعي بكل ما فيه، حرفيًا بكل ما فيه، وهذا التحدي لم يخرج منه الكثير من صانعي الأعمال الدرامية، ويلجأ كثيرون لوضع نهايات مفتوحة مناسبة لطبيعة العمل المفتوح والمحاكي للحياة، لكن هذا الحل لن يكون مرضيًا لعشاق هذا المسلسل بعد مرور ثمانية مواسم

أما بالنسبة لعنصر ارتباك المشاهد وحيرته بالنسبة لشخصيات المسلسل فقد وصل ذروته هذا العام، لوضوح جوانب عديدة من الشخصيات أكثر وأكثر ومعرفة الكثير عن حياتهم الماضية وضلوعهم في أحداث ومواقف جديدة ومختلفة، فضلًا عن اختفاء دور الشرير من المسلسل نهائيًا بعد انتهاء الموسم السادس، وهنا سيجد صانعو المسلسل أنفسهم أمام مأزق جديد بعدم وجود شخصية شريرة تحرك الأحدث وعدم التمهيد لشخصية أخرى في الموسم الجديد، ليضعنا هذا المأزق أمام تساؤل هام، وهو هل كان من الأفضل الوصول لذروة اكتمال الشخصيات بهذا الشكل في الموسم الأخير للمسلسل أم أن صانعيه يجهزون مسالك جديدة لشخصيات أحادية الجانب الشرير والتي ستعبث بالأحداث من جديد؟ أم سيكتمل المسلسل بهذا الشكل من الآن وصاعدًا؟ وهنا سيواجه صانعوه مأزق استكماله بشخصيات شبه حقيقية لها دوافع عديدة كأي إنسان، وقد قلنا قبل ذلك أن أعمالًا سابقة فضلت الوصول لهذا النقطة في النهاية وقد تكون النهاية مفتوحة، إلا أن صراع العروش لم يضع هذه النقطة في النهاية ولن يقبل بنهايات مفتوحة.

وفي النهاية مهما حاولوا، فإنه مسلسل وليس حياة، وهذا هو مأزق الإبداع الحقيقي.

اقرأ/ي أيضًا:

أهم الأفلام التي يجب ألَّا تفوتك لعام 2016

أفضل 6 أفلام خيال علمي على الإطلاق