"صراط": جغرافيا الضياع في وطن من تيه
16 يناير 2026
لا يُدخلك فيلم صراط (Sirāt) إلى عالمه بسهولة، إذ يبدو منذ البداية كفقاعة زمنٍ وجغرافيا منسحبة من خرائط هذا الكون، مرسومة الحدود جغرافيًا ومعرفيًا وقانونيًا. عالم الفيلم حسّي حتى العدم، عالم للمنبوذين ربما، غريبي الأطوار، بشرٌ وجدوا عبر الموسيقى، ومن خلال التيه، وطنًا اخترعوه، وهم يدركون مدى هشاشته، لذلك يفرّون بذلك الوطن، بتلك الفقاعة، مع كل تهديدٍ مباشر، سواء من الطبيعة أو السلطة.
نعلم أن الأفلام وُجدت لتحكي بالصورة، لكن في صراط قد تتسامح مع اهتزاز الكاميرا، ومع الغبش والرمال والعواصف، والضوء النقطي الذي تتشبّعه أو تتقيّأه كاميرا "السوبر 16" التي استُخدمت في تصوير الفيلم، لكنك لا تتسامح مع ذلك الصوت النقي الذي يُبشّر به الفيلم منذ الكادر الأول؛ حيث تتموضع أجهزة الصوت كحائط صدّ ضد الواقع، وحيث تتحوّل الموسيقى هناك، والصوت عمومًا، إلى هوية للفيلم، أقوى من هويته البصرية.
حكاية الفيلم، كما رُويت في البداية، قد ترميك، ولو قليلًا، باللامبالاة، وربما بالتثاؤب: أبٌ أتى من بلادة بيته ليبحث عن ابنته التي التحقت بمجموعة بشرية، وتاهت في صحراء المغرب لتعيش خارج العرف العام. يصل الأب وابنه الصغير إلى عالم الابنة الضائعة، ويصل ضائعًا هو الآخر؛ لا يفهم ما الذي جذبها إلى هذا التيه، لكنه هو أيضًا سرعان ما ينغمس في روحية الخروج من التاريخ، والخروج من الزمن، والدخول في تلك الفقاعة المنفصلة عن المعنى، تلك التي يمنحك إياها هذا الفيلم المختلف للغاية.
البداية هناك من طين المعرفة الأول
لم يُبدأ "صراط" كما تبتدئ الأفلام عادةً، بحكايةٍ يُبحث لها عن توطين داخل زمان ومكان. لم يمنح الحياة من شرط خارجي مُخلَّق، بل يبدو كما لو أنه أتى من شرط بدئي، أولي، كخلية جاهزة للانقسام. يبدو الفيلم كما لو أنه بدأ الحياة من طين ورمل المعارف الأولى، من هشاشة الضوء، كما لو أنه وُلد من تجارب "الهيولى" غير المدركة، لكنها المحسوسة.
ثم، بواقعية إنتاجية، ومع اجتماع جهتي إنتاج فرنسية–إسبانية، بدأ التصوير لمدة شهر كامل في إسبانيا، في مقاطعتي تيرويل وسرقسطة، قبل أن ينتقل الفريق إلى جنوب المغرب لأربعة أسابيع، قرب الرشيدية وأرفود. هناك، في ذلك الحيّز المنفصل عن الوعي، الحيّز الذي لا يهادن أحدًا، تتحوّل الحرارة من سبب للاختناق إلى نظام صارم للثواب والعقاب، وتغدو العواصف الرملية تفصيلًا من تفاصيل المشهد، واقتحامًا ماديًا للصورة نفسها.
ومع الوعي الكامل بهذا الشرط الذي أُنجز المشروع في ظله، قد يبدو متوقعًا أن تتسبّب عاصفة رملية حقيقية بأضرارٍ واسعة في المعدات والعدسات، إلى درجة اضطر فيها الفيلم إلى إعادة تصوير أجزاء منه، كأن الواقعة لا تقع داخل الفيلم وحده، بل تمتد لتقع في صناعته أيضًا.
لا يتركك "صراط" وفي يدك استخلاص واضح، ولا يقدّم لك المعاني جاهزة لتغادر القاعة أكثر اطمئنانًا مما وصلت إليها، بل يتركك مرميًا في منطقة رمادية، حيث أكثر ما يملكه الفيلم من شجاعة يأتي من منطقة الشك، من منطقة السؤال
كاميرا "Super 16mm" والعودة لبراءة شريط الخام
في "صراط" يتجلّى الحس الواقعي عالي الدلالة في اختيار مزاج الصورة عبر كاميرا "السوبر16"، كما لو أن الفيلم اختار منذ البداية ألّا يختبئ خلف ما تحمله الحداثة من نقاء الصورة أو فائض الدقة، بل أن يجعل الهشاشة لغةً سينمائية. لغة لا تريد أن تُجمّل الصحراء أو تروّضها، بل تتركها تنطبع كما هي: غبارًا، واهتزازًا، وحبيباتٍ ضوئية من سواد وبياض، وألوانًا تعشق أو تُمحى، تكسوها ارتعاشات صغيرة تحاكي تنفّس الكادر.
يحمل المشروع توقيع المخرج أوليفير لاكس، وشاركه الكتابة سانتياغو فيّول، حيث بُني الفيلم على قناعة جمالية واضحة تبتعد عن التمثيل وتعيش الحقيقة. لذلك لم يتكئ على نجوم مكرّسين، بل على وجوه تحمل الواقعية مدموغة على جلدها. في الواجهة يقف الممثل سيرجي لوبيز بدور الأب لويس، ومعه الطفل برونو نونييث أرخونا بدور إستيبان، ثم تتكاثر حولهما وجوه قادمة من خارج السينما: ريتشارد بيلامي، ستيفانيا غادا، جوشوا ليام هندرسون، تونان جانفييه، وجاد أوكيد.
الفيلم وجاهزية العالم لهكذا معارف
عالميًا، استُقبل الفيلم خارج هويته الإسبانية، إذ أتى كحدث سينمائي يحمل موسيقاه كما لو أنها لغته الأشد خصوصية. ولادته الكبرى كانت في مهرجان كان 2025، حيث حصد جائزة لجنة التحكيم. هكذا احتفت المؤسسة الأكثر عراقة في تاريخ السينما بفيلم يرفض الانتماءات كلها لصالح التيه، ومنحت موسيقاه جائزة (Cannes Soundtrack) للموسيقى والتأليف للموسيقي دافيد لوتيلييه (David Letellier)، المعروف باسمه الفني (Kangding Ray)، كما منحته أيضًا جائزة (Palm Dog ) عن الكلاب المشاركة في الفيلم.
"صراط" وصحراء من الخسارات والعدم
لا يتركك "صراط" وفي يدك استخلاص واضح، ولا يقدّم لك المعاني جاهزة لتغادر القاعة أكثر اطمئنانًا مما وصلت إليها، بل يتركك مرميًا في منطقة رمادية، حيث أكثر ما يملكه الفيلم من شجاعة يأتي من منطقة الشك، من منطقة السؤال. ماذا يفعل البشر حين يضيق بهم الواقع، وبالتالي المكان الذي يسكنه ذلك الواقع؟ كيف يهربون من قسوة العالم؟ هل هناك مكان فعلي للهروب؟ وهل يمكن أن يكون للضياع، للتيه، وطن؟
ما فعله أوليفير لاكس في هذا العمل أنه لم يُصوِّر خروجًا من الحياة، بل صوّر حياةً أخرى تنمو على حافتها: فقاعات بشرية تصنع ضد الواقع حائط صدّ، جدرانًا من الإيقاع، ومن الصوت، ومن الموسيقى. تقيم تلك الجدران بوعي كامل بهشاشتها، حيث توقن أنها إن توقفت لحظة، سيسقط كل ذلك دفعة واحدة.
لهذا، ومع طقس المشاهدة بحسيّته وواقعيته وقسوته، وطعم الغبار في الفم والعيون، يصير صراط فيلمًا لا يشرح، بل يورّطك: يضعك داخل تيه ملموس، إلى درجة أنك لا تشاهده فقط، بل تكاد تشمه وتسمعه وتبتلعه. ثم يتركك، مثل أبطاله، خارج العرف العام، خارج الخرائط، ومع ذلك… أكثر معرفة بحدودك، برغم كل الخرائط التي أجَدت قراءتها في حياتك السابقة، أي قبل أن تلتقي بتلك الحكاية.







