صدّيق ماحي.. الحكاية كأداة للمقاومة

صدّيق ماحي.. الحكاية كأداة للمقاومة

الحكواتي الجزائري صدّيق ماحي (فيسبوك)

حين ولد الحكواتي الجزائري صدّيق ماحي عام 1960 في حي "القرابة" الشّعبي بمدينة سيدي بلعبّاس، 500 كيلومتر إلى الغرب من الجزائر العاصمة، كانت الجزائر تقترب رويدًا من استقلالها الوطني. وكانت الحكاية في البيوت والأسواق الشّعبية، بدلالاتها التحرّرية المضمرة واحدًا من الأسلحة المستعملة في معركة تحرير الإنسان والمكان.

كانت الحكاية في البيوت والأسواق الشعبية، في الجزائر المستعمرة، بدلالاتها التحرّرية المضمرة، واحدًا من الأسلحة في معركة تحرير الإنسان والمكان

استمرّت سلطة الحكاية في الفضاء الجزائري بعد الاستقلال الوطني (1962). بل إن الحماس الشّعبي لها زاد، بسبب الحاجة إلى رفد معركة البناء التي تلت الخراب الاستعماري، وافتقاد نسبة كبيرة من الأسر الجزائرية للكهرباء والتلفزيون، "فكانت أمّي في البيت وشيوخ الفنّ في المقهى تلفزتي الأولى، وكانت حكاياتهم ملهمي الأوّل. فأنا في الحقيقة لم أذهب إلى الحكاية، بل وجدتها ضمن أغراض البيت والحيّ والمدينة والمحيط العام، مثل الزّيت والحليب والخبز وحطب التّدفئة".

يقول صديق ماحي متحدثًا لـ"الترا صوت": كنت أنتظر اللّيل لأحلّق مع حكايات أمّي. وأنتظر النّهار لأحلق مع حكايات الفنّانين، الذين كانت مدينة سيدي بلعبّاس من عواصمهم. وهي كلّها حكايات تحرّك الخيال وتشحذه، فيذهب بصاحبه إلى أقاليم ومناخات سحرية وثرية بعلامات التعجّب والاستفهام، التي تبرمج الطّفل، من غير أن يشعر، على فضيلة الاستماع من جهة، وعلى الرّغبة في الحديث من جهة ثانية.

اقرأ/ي أيضًا: الحكواتي في تونس.. فن منسي يتجدد

جعلت هذه المناخات صدّيق ماحي يحلم مبكّرًا أن يكون في مكان الحكواتي، الذي يجلب العيون والآذان إليه، "فحكايته السّحرية وطريقته السّلسة في سرد أحداثها تمنحانه سلطة تفوق سلطة الأب والمعلّم والإمام والصّحفي والمحلّل السّياسي. بل إنه يصبح كلّ هؤلاء في الوقت نفسه. ذلك أن للحكاية الشّعبية أدوارًا تربوية وفنية وثقافية وسياسية واجتماعية تتجاوز الظّاهر منها".

الحكواتي الجزائري صدّيق ماحي (فيسبوك)

يمكننا أن نختصر كلّ مدينة جزائرية في ساحة من ساحاتها. تشكّل قلبها ونبضها الشّعبي في تجلّياته الاقتصادية والثقافية والفنّية المختلفة. وهو ما لعبته "ساحة الطّحطاحة" تاريخيًا في مدينة سيدي بلعبّاس.

"حيث الحكواتيون القادمون من الجهات الأربع للبلاد ومن المشهد المغربي، إلى جانب رواة قصائد الشّعر الشعبي. على بعد بضعة أمتار من بناية المسرح، التي استلهمت روح السّاحة في العديد من العروض، خاصّة في المرحلة التي سيّرها الرّوائي والمسرحي كاتب ياسين". يضيف صدّيق ماحي: "لقد منحتني الساحة المادّة الخام للحكاية، فيما منحتني بناية المسرح تقنيات عرضها بطرق حديثة".

سأله "الترا صوت" إن كان يسرد الحكاية كما وصلته أم يضيف إليها، فقال صديق ماحي: "الحكواتي مثل الطّبّاخ. يعتمد على وصفة جاهزة، لكنّه يضيف إليها توابلَ ولمساتٍ من اقتراحه، فتصبح أكلته مختلفة عن الأكلة نفسها على أيدي الطّبّاخين الآخرين". يتدارك: "ثمّ إنني أحبّ أن أجعل الجمهور شريكًا، من خلال الأسئلة، تمامًا كما كنت أفعل مع أمّي، فتأخذ الحكاية مجاري أخرى تعفيها من النّمطية والرتابة".

زحف العنف والإرهاب على الأحياء الجزائرية مطلع تسعينيات القرن العشرين، منها حي "غومبيطة" الشّعبي الشّهير في مدينة سيدي بلعبّاس، فانكمش النّاس على أنفسهم، خوفًا من الأذى الذي كان ممكنًا أن يلحق الواحد على يدي قريب أو صديق أو جار أو زميل عمل أو دراسة، فليس للفكر الإرهابي منطق، "وهو الوضع الذي أزعجني ووضعني في مواجهة مع هذا السّؤال: هل الموت بالنّسبة لي هو أن أفقد حياتي أم حكايتي؟ ولم أمكث طويلًا حتى خرجت إلى السّاحة لأروي حكاياتي، وأحارب بها الخوف في النّفوس والقلوب والعقول والأرواح".

الحكواتي صدّيق ماحي: "للحكاية الشّعبية أدوارًا تربوية وفنية وثقافية وسياسية واجتماعية تتجاوز الظّاهر منها وتتجاوز سلطة الأب والإمام والسياسي"

خاف علي الأهل والأصدقاء، يقول صدّيق ماحي، فحاولوا أن يثنوني عن مسعاي. لكنّ إيماني بالحياة كان متفوّقًا على خوفي من القتلة، وشهوة الحكاية زوّدتني بشجاعة جعلتني أفضّل أن أموت في ساحتها على أن أموت متخفّيًا". يشرح موقفه: "أنا سليل حكواتيين جزائريين واجهوا الاحتلال الفرنسي، منهم من سجن ومنهم من نفي ومنهم من مات، ورأيت من الخيانة ألّا أسخّر الحكاية في محاربة الإرهاب وقيمه المعادية للقيم الإنسانية التي وجدت الحكاية أصلًا لتكرّسها وتدافع عنها. لقد جعل نضالُ الفنّان الجزائري النّاسَ يطرحون سؤال "هل من جديد في الفن"، بدل سؤال: "من قتل اليوم؟".

اقرأ/ي أيضًا: كان يا ما كان.. حكايات شعبية ضد القهر والاستبداد

في عام 2000 قام صدّيق ماحي بترجمة قصص منظّر الثّقافة الأمازيغية مولود معمري (1917 ـ 1989)، أي سنة قبل الموجة الثّانية من الرّبيع الأمازيغي الدّاعي إلى الاعتراف بالهوّية الأمازيغية للجزائريين، "لأقول إنّ الحكاية أهمّ حقل يمكننا أن نعرف من خلاله الوشائج التّاريخية التي تربط الجزائريين على اختلاف عناصرهم الحضارية. فإذا كان القاموس العربي غذّى اللغة الأمازيغية بعشرات المفردات، فإن المخيال الأمازيغي غذّى عشرات الحكايات التي تحكى بالعربية، وهو مخيال يميل كثيرًا إلى قيم الحرية والتحرّر".

دفعتني هذه الخلفية، يقول صدّيق ماحي، إلى أن أشتغل على تحويل نصّ "القنديل الصّغير" للكاتب الفلسطيني غسّان كنفاني إلى حكاية. ذلك أن الحكاية شغوفة في طبيعتها بروح المقاومة ضدّ كل أشكال طمس الهوّيات.

سمحت الإدارة الفنّية التي تولّاها صدّيق ماحي لـ"مهرجان الحكاية" في وهران منذ عام 2007، والورشات التّكوينية التي أطّرها في الجزائر والخليج العربي وتونس وفرنسا ولبنان ومصر والمغرب والأردن، والمهرجانات التي شارك فيها، منها "مهرجان الجزائر الدّولي للمسرح" و"ليالي الحكاية الأفريقية" في فرنسا، والبرامج الإذاعية التي نشّطها، إلى جانب جهود حكواتيين آخرين، للحكاية الشّعبية الجزائرية بأن تعلن عن نفسها وأنفاسها العربية والأمازيغية والأفريقية والمتوسطية والإسلامية، وتستقطب جيلًا جديدًا يسمعها ويمارسها بدوره.

من هنا، يدعو صدّيق ماحي المؤسّات الثقافية الحكومية في الجزائر إلى أن تنتبه إلى دور الحكاية في التّربية والتّثقيف، وتسويق ملامح الهوّية الحضارية الوطنية، "فليس معقولًا أننا لا نتوفّر على منابر ومعاهد في هذا الباب، وكأننا شعب بلا تاريخ حكائي زاخر".

الحكواتي الجزائري صدّيق ماحي (فيسبوك)

 

اقرأ/ي أيضًا:

السامر الشعبي في مصر.. حكايات الناس والشوارع

قناديل ملك الجليل.. أصل الفلسطيني حصان