"صديق الجميع لكنه ليس مخلصًا لأحد".. وجوه آبي أحمد المتعددة
9 سبتمبر 2024
تناولت مجلة "فورين بوليسي" بعض التفاصيل التي تُكشف لأول مرة ـ ربما ـ عن رحلة صعود رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، إلى هرم السلطة، بالإضافة إلى معلومات عن شخصيته السياسية المركّبة من عناصر قد تبدو متنافرةً لكنها مهّدت له الطريق للحكم من جهة وتُفسّر سياسته الداخلية والخارجية في إثيوبيا من جهة أخرى.
واستندت المجلة في تقريرها المطوّل على كتابٍ جديد يصدر منتصف هذا الشهر بعنوان "مشروع آبي: الله والسلطة والحرب في إثيوبيا الجديدة"، لمؤلفه توم غاردنر، الذي أكّد أن لآبي أحمد وجوهًا متعددة، فهو مسيحاني وميكافيلي في الوقت نفسه، ولعلّ هذا ما يفسّر نسبيًا سرعة خفوت نجمه كصانع سلام حائز على جائزة نوبل، ،قد تجلت هذه الوجوه بعد حرب تيغراي الوحشية التي شوهت سمعته.
ففي عام 2018، كانت إثيوبيا والعالم في خضم "أبيمانيا" (Abiymania)، وهي موجة من الدعم الشعبي لرئيس الوزراء الجديد الشاب ذو الشخصية الجذابة في الدولة المنقسمة. وصل آبي أحمد، المسيحي الخمسيني، كما لو كان قد جاء من لا مكان، ووعد بالخلاص الديمقراطي والوحدة الوطنية. ولدوره في التوسط في سلام تاريخي مع إريتريا المجاورة، حصل على جائزة نوبل للسلام لعام 2019. وبناءً على هذه البداية القوية، تم الترحيب بآبي في الداخل كنبيٍ وفي الخارج كمصلحٍ ليبرالي، ومثّل كل شيء بالنسبة لجميع الرجال.
لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد وجوه متعددة فهو مسيحاني وميكيافيلي وشعبوي
لكن ثورته الديمقراطية تلك لم تكن تمامًا كما بدت. ففي غضون عامين، انزلقت إثيوبيا إلى حربٍ أهلية مدمرة، هددت بانهيار الدولة. وبحلول عام 2023، أدى القتال على نطاق مروع إلى مقتل مئات الآلاف في منطقة تيغراي الشمالية؛ وطاردت المجاعة السكان، وأصبح اقتصاد إثيوبيا الواعد ذات يوم في حالة يرثى لها. ومع ذلك، يبدو آبي أحمد أقوى من أي وقت مضى.
عودة للبدايات
كان آبي أحمد ضابطًا شابّا من الأورومو، وهي أكبر مجموعة إثنية أو عرقية في البلاد، لكنها ظلّت ممثلةً في الحكومات الإثيوبية بما لا يتناسب مع كونها أغلبيةً سكانية.
ومع ذلك، نجح آبي أحمد من خلال إجادته للغة الإنجليزية في التقرب من أحد كبار القادة العسكريين من التغراي (المجموعة المهيمنة على السلطة) آنذاك، وهو الجنرال تكليبرهان وولديريغاي الذي كان حينها رئيس قسم المعلومات التكنولوجية في الاستخبارات العسكرية.
أرسل آبي أحمد مع خمسة زملاء لدراسة التشفير في جنوب إفريقيا لمدة ستة أشهر بين عامي 2002 و2003، وعاد بعدها ليترأس قسم ضمان أمن المعلومات في وكالة أمن شبكات المعلومات الاستخباراتية.
وخلال السنوات الأربع الأولى من عمله في المعهد الوطني للأمن الإلكتروني، كانت المهمة الأساسية لآبي أحمد هي المساعدة في حماية الحكومة والوكالات العسكرية من القرصنة الإلكترونية.
كان آبي أحمد، بموقعه هذا، من بين مجموعةٍ صغيرة من الأورومو في قيادة الجيش، التي لا تزال تهيمن عليها بوضوح قبائل التيغراي وحزبهم، جبهة تحرير شعب تيغراي، التي شكلت العنصر الأكثر نفوذًا في الجبهة الثورية للشعب الإثيوبي. وبحسب أحد رؤسائه من التيغراي تميز آبي أحمد بكونه: "سريع التواصل، وبكونه شابًا وأوروموًا تم اختياره لهذا المنصب. وكانت موهبته الرئيسية هي التواصل مع الناس".
هذا العمل الاستخباري جعل آبي أحمد على اتصال أوثق بالمسؤولين الأميركيين، ما سمح له بقضاء بعض الوقت في برامج التدريب الأميركية وزراعة بعض الروابط الأجنبية القيمة في السنوات التي سبقت توليه منصب رئيس الوزراء. وفي هذا الصدد يقول آبي أحمد عن نفسه في حديث مع مجلة نيويوركر: "كنت الشخص الذي يرسل معلومات استخباراتية من هذا الجزء من العالم إلى وكالة الأمن القومي، حول السودان واليمن والصومال"، مضيفًا في لهجة لا تخلو من تفاخر وأشياء أخرى: "وكالة الأمن القومي تعرفني. سأقاتل وأموت من أجل أميركا".
هذه جميعُها متغيّرات تفسر إلى حدّ كبير وصول آبي أحمد إلى رئاسة الوزراء وقيادة إثيوبيا بعد 15 عامًا قضّاها في الدوائر الاستخبارية ونسج العلاقات داخليًا وخارجيًا.
شخصيات متنافرة بداخل رئيس الوزراء الإثيوبي
بداخل آبي أحمد العديد من الشخصيات المتنافرة. أحدها إمبراطور طموح يتوق إلى الماضي المجيد، حيث إنه في عام 2022 كان يبني قصرًا لنفسه في التلال فوق العاصمة، وكان فخمًا لدرجة أنه قيل إنه تكلف ما لا يقل عن 10 مليارات دولار، دفعت الإمارات قسطًا منه، ويغطي مساحة أكبر من وندسور والبيت الأبيض والكرملين.
أما الشخصية الأخرى بداخل آبي أحمد، فهي أنه واعظ ومبشّر يتطلع إلى المستقبل. ففي عام 2022، كان ينهي أيضًا أول متحف علمي على الإطلاق في إثيوبيا، وهو متحفٌ يقدم رؤيةً حديثة للغاية للتقدم الوطني مبنيةٌ على الاكتشاف العلمي والذكاء الاصطناعي. في محاولةٍ منه لتجسيد إثيوبيا الجديدة التي يسعى إلى بنائها، وهي دولة "المدن الذكية"، ورجال الشرطة الآليين، وبطاقات الهوية البيومترية، ومحاكاة الواقع الافتراضي، والمراقبة المتطورة. وفي هذا الصدد يشبه البعض آبي أحمد برجل التكنولوجيا في وادي السيليكون.
يجمع آبي أحمد بين شخصية المسيحي المتحمس والبراغماتي الميكيافيلي الذي يقضي بلا رحمة على أعدائه ويتفوق على منافسيه. وقد اعترف أحد زملائه في وقت لاحق بأن "كل شيء بالنسبة لآبي أحمد مؤامرة". وقال آخر: "لا أعتقد أن أي شخص في إثيوبيا يتمتع بمهارة لعب الشطرنج مثله. لكنه أيضًا مقامر، يرى أن الفوضى فرصة يمكن تحويلها إلى نعمة".
وتعلق "فورين بوليسي" بالقول إنه: "في عالم التاريخ الإثيوبي تعتبر شخصية آبي أحمد مألوفةً للغاية وجديدة تمامًا في الوقت نفسه. فهو قومي مسيحي على غرار الإمبراطور تيودروس الثاني في القرن التاسع عشر، لكن المختلف أنه يعتبر مثل الرئيس التنفيذي لشركة ويستخدم التفكير الإيجابي والمصطلحات الخاصة بمساعدة الذات لتعزيز إنتاجية موظفيه".
وتضيف المجلة الأميركية أنه في وقت الاضطرابات الدولية، ومع ظهور عالم دونالد ترامب، وشي جين بينغ، وفلاديمير بوتين، فإن آبي أحمد يطبق تقنيات القرن الحادي والعشرين للدعاية عبر الإنترنت والتضليل، تمامًا كما يحيي السياسة البلاطية لإثيوبيا الإمبراطورية. ومع انقسام النظام العالمي وتفكك التحالفات التقليدية، يريد آبي أحمد أن يكون: "صديقًا للجميع لكنه غير مخلص لأحد".
الخلفية الاستخبارية وتأثيراتها
إنّ صقْل نهج آبي أحمد في السياسة مرتبط ارتباطًا وثيقا بسنوات عمله داخل أجهزة الاستخبارات في إثيوبيا، حيث إنه من خلال الصعود السريع عبر صفوف وكالة الاستخبارات الوطنية الإثيوبية، بنى الشبكات الاجتماعية التي سهلت مسيرته السياسية واكتسب الأصدقاء الذين أصبحوا حلفاءه الأكثر ثقةً من كبار الجنرالات والسياسيين ورجال الأعمال.
وبحسب بعض المقربين منه استخدم آبي أحمد منصبه في الاستخبارات الوطنية لبناء قاعدة سياسية وتعزيز مصالحه الخاصة، رغم أنه اكتسب سمعةً سيئة في التنصت على المكالمات الهاتفية الخاصة. وذكر البعض أنه لكسب ولاء زملائه، كان معروفًا بتقديم وعود سخية، بما في ذلك، من بين أمور أخرى، الوظائف والامتيازات في المستقبل.
وتولى آبي أحمد قيادة معهد البحوث الوطنية الإثيوبية في عام 2009 بدلًا من مديره تكليبرهان الذي سافر لدراسة الماجيستير في بريطانيا. وزرع هذا العام بذور معارضة جبهة تحرير شعب تيغراي لرئاسته للوزراء، وساهم في نهاية المطاف في التداعيات الكارثية بين آبي والحزب المهيمن سابقًا والتي أدت إلى الحرب الأهلية في البلاد.
وكان جوهر الأمر، وفق قراءة "فورين بوليسي"، هو طموح آبي أحمد السياسي القوي ومحاولاته الواضحة بشكل متزايد للاستفادة من منصبه في معهد البحوث الوطنية الإثيوبية لتحقيق ميزة مهنية.
وقال أحد الأصدقاء في معهد البحوث الوطنية الإثيوبية للمجلة: "لقد أصبح مشهورًا للغاية وجعل طموحه إلى السلطة علنيًا للغاية. وفي تقليد الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي، كان هذا من المحرمات. لكن آبي أخبر الجميع أنه سيكون رئيسًا للوزراء، وأن الرب أخبره بذلك".
وفي عام 2010، عاد تكليبرهان من المملكة المتحدة وطرد آبي أحمد من معهد البحوث الوطنية الإثيوبية بعد اكتشافه ما حدث أثناء غيابه، بما في ذلك سوء إدارة المشاريع والفساد المزعوم. وعند رحيله، حذر آبي أحمد رئيس الوزراء المستقبلي زملاءه من أنه سيعود يومًا ما كرئيس لهم.
وبعد ثماني سنوات فقط، أثبت أنه على حق بعد توليه منصب رئيس الوزراء على خلفية الاحتجاجات الجماهيرية في منطقته الأصلية، أوروميا. وقد صور آبي أحمد نفسه على أنه "صليبي شعبوي" ضد الاستبداد والفساد والإحباط الاقتصادي. وبالفعل نجح في التفوق السياسي على زملائه من تيغراي داخل الائتلاف الحاكم، جبهة تحرير شعب تيغراي.
ووسط هتافات العديد من الإثيوبيين في الداخل والخارج، شرع رئيس الوزراء الجديد، آبي أحمد، بسرعة في العمل على تقليص وجودهم عبر مساحات واسعة من الدولة الإثيوبية. ولفترة من الوقت، أشاد الغرب بآبي باعتباره مصلحًا ليبراليًا.
وفي عام 2019، بعد عام من إبرامه اتفاق سلامٍ تاريخي مع إريتريا، جارة إثيوبيا الأصغر التي انفصلت في عام 1993، حصل على جائزة نوبل للسلام.
لكن بحلول تشرين الثاني/نوفمبر 2020، بعد عقد واحد فقط من رحيله المهين عن الجيش الوطني الإثيوبي، وبسبب عجرفته وخطابه الشعبوي، دخل آبي أحمد وجبهة تحرير تيغراي في حربٍ دموية تستمر آثارها حتى اليوم.
وتختتم فورين بوليسي قراءتها في تجربة آبي أحمد بالقول إنه: "إذا كان لابد من وصفه بمصطلحات مستوردة من الخارج، فإن الوصف المناسب له هو كونه رجلًا شعبويًا عكس ما كان يوصف به من أنه ديمقراطي ليبرالي".