صديقي اللدود

صديقي اللدود

فرانك أورباخ/ بريطانيا

صديقي اللدود: أنا

جلسنا على سطح المنزل نلوّح بأرجلنا لثلاثة أمتار من الفراغ المرعب تحتنا، لكنّ ذلك كان جزءًا إلزاميًا من طقوس لعبتنا المفضلة، بدأت بالعدّ مركّزًا عدم عدّ نفس السيارة مرتين، ومن جهة أخرى ألّا تمرّ سيّارة بدون عدّها، أنا أعدّ السيارات الصاعدة إلى التجويف بين جبلين الذي يوصل إلى جهة غير معلومة في الجنوب – وهي الجهة التي تصلّي إليها أمّي – وصديقي بجانبي يعدّ السيارات النازلة إلى التجويف المقابل الذي يوصل أيضًا إلى جهة غير معلومة في الشمال.

أعدّ بصوت عالٍ محاذرًا البلبلة بين الأرقام التي يململها صديقي وبين أرقامي، لقد اقتربت من العدد المنشود: مائة، وهو أكبر عدد نعرفه في هذا الكون، بعدها نصل إلى أعداد غير معرفة تقارب إلى ما لا نهاية – وما بعدها – حيث تقارب الأعداد أن تنتهي.

الفوز المنشود يلوح في الأفق:

- تسعين، واحد وتسعين.. ستة وتسعين.

- مِيّة..

فجأة تصدر من صديقي الجالس بجانبي، ويبتسم ابتسامة بلهاء تقسم شوقي للفوز إلى نصفين، وينهض كأنه لم يفز عليّ عشرات المرّات، لربما أحببت تلك الصّفة فيه حينها، عندما مرّر فوزه المتكرر مرور الكرام لننتقل بعدها إلى لعبة أخرى نلعبها وحدنا أو سويّة مع باقي أبناء الحارة.

أما أنا فكظمت غيظي وحين لمحت أخي الأكبر خارجًا من التجويف الجنوبي متقدمًا نحو البيت كمارد عملاق يملك وحده مفتاح دخول تلك الفراغات البعيدة والعودة منها سالمًا راجلًا، تركت كل شيء وأطلقت رجلي للريح حتى أصل إليها قبل أن ينهي قضم ما يحملة عادة في يديه دون أن أتبيّنه، فيصبح من نصيبي. قرأني أخي كما يقرأ كتبه المرصوصة في مكتبة البيت ويفهمها – فهو أذكى شخص في العالم – وسألني عن سبب الخيبة البادية على وجهي رغم أن الكيس في يدي كان ممتلئًا أكثر من النصف.

حكيت له عن خساراتي المتكررة وعن حظّي العاثر في لعبة عدّ السيارات. قطّب جبينه قليلًا ثم مال على أذني وقال لي:

- في المرة القادمة حين تلعبون، لا تعدّ سياراتك بل عدّ سياراته، وستعرف سبب خسارتك.

لم أستطع النوم ليلتها وأنا أفكر في ما يقول، وأخطط – عبثًا – كيف سأخالف قوانين اللعبة، وستمر السيارات بجهتي دون أن أعدّها، لقد بدا لي ذلك الأمر حينها أخطر من دخول ذلك أحد التجويفين المخفييّن في الأفق.

جلسنا نعدّ، لأول مرة في حياتي أشعر بالعرق يتصبب من كل الجهات وأنا جالس لا أفعل شيئًا سوى عدّ السيارات، سياراته هو.

أعدّ بصوتٍ عالٍ كما تنص قوانينها غير المكتوبة بيننا. أدرك كم أنا فاشل في مناورة الحقيقة، لا أسمع سوى دقات قلبي تطغى على كل صوت آخر.

- واحد وتسعين

أقول دون إن أنتبه أصلًا إلى قيمة العدد، مجرد ارتقاء طبيعي للأعداد الخارجة من فمي.

- مِيّة

لقد تأكدت الآن تمامًا، إنّه يغش. شعرت بالشلّل التام في جميع أطرافي، كأنّني والدتي قد ضبطتني متلبسًا مع ابنة الجيران نلعب عريس وعروس، لم يستطع لساني أن يتحرك، نظر إلي صديقي، وجهي يقرأ منه كالكتاب المفتوح:

- مالك؟

- موصلتش ميّة!

- شو عرّفك

- عدّيت سياراتك

- بتغش يعني!

في الحقيقة صعقت، لأنني حقًّا شعرت أنني من غش باللعبة، ذهب غير مودّع، لم نلتقِ أسبوعًا، ليعود بعدها لمحادثتي كأن شيئًا لم يكن، لكنّنا لم نعد لنلعب لعبة عدّ السيارات أبدًا!

لقد أدركت أخيرًا أن تلك الحادثة الصغيرة قد زرعت بذورها لأقطف ثمارها بعد خمسة وثلاثين دورة.

ترى هل اكتمل القمر؟

تخلخلت توازنات وجودي حتّى صارت رؤية القمر ليلًا خيالًا جامحًا.

صديقي اللدود: هو

كلهم سيغدرونك في النهاية.

أبنائي اختفوا، بالكاد يتصلون، زوجتي.. لقد طلقتها تلك القحبة، تنتقم مني في أموالي، التي تطالب بنصفها، وفي بيتي الذي أخرجتني منه بأمر المحكمة. لن أدعها تهنأ عيشًا، ستبقى تعيش في رعب دائم أن أصل إليها أو أبعث "رسولي" إليها، رسولٌ ما عليه إلا البلاغ.

أصدقائي اللذين لم يمانعوا أبدًا بأن أدفع الحساب، وأن يعتلوا سيارتي المرسيدس، وأن يطلبوا مني أن أسايرهم في تسعيرتي عندما يفدون إليّ في قضاياهم، وهاهم يتساقطون كالذباب على جانبي الطريق، فليذهبوا إلى الجحيم كلّهم.

كلّهم أنذال، يتهامسون من وراء ظهري، أنا أعرف كلّ هذا، ولكنّني ألعب لعبتهم، أرد لهم ابتسامتهم، وأكيل لهم بمكيالهم، سيـأتونني عاجلًا أم آجلًا في قضاياهم، وسآخذ تسعيرتي كاملة وأقضم منها ما تيسّر من ثغرات. سأحافظ على شعرة معاوية بيني وبينهم، فقضاياهم هي مصدر رزقي. وما في جيوبهم سآخذ حصتي منه عاجلًا أم آجلًا.

هنالك أمور لا نفهمها، تمامًا كعلاقتي به "هو" قديمة جدًا قدم آدم:

- الأصدقاء الحقيقيون لا تختارهم لخصالهم ولا تلفظهم لعيوبهم، إنهم فقط هناك قطعة واحدة، داخلك يعبون من روحك.

إنه يراني، لا أحتاج أن أتكلم كي يراني، وربما عدم وجد تلك الغلالة التي تسترني أمامه هي ما ردمت تبايناتنا الكثيرة وصنعت جسرًا يجعلنا نرى بعضنا البعض.

كانت دائرة كبيرة من المعارف والأصدقاء، تساقطوا على حواف الطريق لتصغر الدائرة أكثر وأكثر حتى بقي "هو" وحده هناك، يصرخ بوجهي عندما نكون وحدنا على حقارتي مع باقي الأصدقاء، لكنه يدافع عني وراء ظهري ويطالبهم برأب الصدع وإعادة المياه إلى مجاريها.

وفي تلك المرحلة الحرجة تحديدًا قرّرت أن أترشّح لرئاسة المجلس، العائلة تدعم ابنها، والنقود تشتري المتذبذبين. وأنا ألمع اسمي، فكما قيل لا توجد هنالك دعاية سلبية.

لكني لم آخذه بالحسبان، لم أستشره لأنني كنت متأكدًا من رده الإيجابي، لكنه فعلها وبيّن لي بشكل واضح أنّه لن يدعمني، وأنه احترامًا لي سيتنحى جانبًا ولن يدعم ابن عائلته، وأن مشكلته معي حسب رأيه أنني لا أصلح لهذه الوظيفة. ذلك الحقير لقد صار كمسمار جحا يتذرع به الـ"خاري والقاري" كي يناكفني، وأنا أرتدي رباطة جأشي كي لا أبدأ بصفع تلك العالم الساقطه بالصنادل المهترئة.

لقد استغرقه الأمر أربعة عقود قبل أن تسقط ورقة التين عن وسط "آدم" ذاك، سيجد حتمًا مكانه في المزبلة، عندما أراه سيسمع مني رأيي الدقيق به.

صديقي اللدود: أنا مرّة أخرى

لو فرضنا أن آدم حقيقي وهو مصدر الجينات البشرية، فمن المؤكد لي أن الرب قد استغرقه الأمر بضع آلاف من السنين قبل أن ينزل ويوزع المشاعر والنوازع، ليقسم بينهما الطيبة والحب والكذب والجشع والطمع وغيرها، فمن غير الممكن أن تكون قد اجتمعت كلها بهذه الحدّة في بشري واحد دون أن يصلب نفسه.

لكن مما شك فيه أن صديقي اللدود ذاك قد حاز على حصة كبيرة ومبعثرة جدًا من ثلّة المشاعر مجتمعة فيه بطريقة تجعلك تستغرب كيف لم يتحول إلى آلة للتدمير الذاتي منذ خمسة وثلاثين عامًا، منذ "يوم السيارات" ذاك.

في هذا العالم تلملم الصداقات بالجثث البشرية بشكل عشوائي وغير مبرر بتاتًا، لا توجد بأي حال من الأحوال وصفة سرية أو تراتبية خوارزمية ترسم لك منطق تطور الصداقات، أو الصفات المحدّدة لصداقة مؤكدة، بل لربما على العكس من ذلك تجد الصداقات كالعشب الذي ينمو بين الأزقّة وفراغات الحجارة، يعاكس كل الظروف ويرفض أن يتّبع رغبة الطبيعة في النمو على أرض خصبة.

وهكذا كانت صداقتي به تشوبها كل الشوائب، لكنها تنمو وتكبر وتثقف الأسقف التي تحاول كبح جماحها، لتقف يومًا فجأة وتجد نفسك واقفًا في الطابق العاشر الذي بُني على فراغ، فراغ كبير وشاهق ينتظر السقوط عليه، متريثًا لا يعد الثواني لما سيحدث عاجلًا أو آجلًا.

لقد انتبهت لذلك مرّة حينما دون انتباه منه حدثني عن نوعية عمله، وبما أني تعودت على كذباته الصغيرة، كنت متأكدًا من أمر واحد، أن لا فكرة لدي أذا ما كانت جملته صدقًا أم كذبًا، تمامًا كلاعب النرد يرمي الحجر ولم يرَ النتيجة بعد، فيكون حدسه مبنيًا على عدد الثواني تدحرج بها النرد داخل يده وعلى عدد التمائم والمعوذات التي قرأها عليه في سرّه. كانت تلك ربّما النقطة المفصلية الثانية في علاقتنا بعد يوم السيارات المشهود، لكي أفهم أن ما كان لن يكون.

*

ملكة النحل هي مجرد نحلة عادية حصلت على امتيازات لتصبح أم الطائفة، وحالما تصبح الملكة العذراء جاهزة للتزاوج، فإنها تطير خارج الخليّة ويلحق خلفها الذكور، يسقط الذكور الضعفاء على حواشي الطريق غير قادرين على اللحاق بالملكة، فقط الذكور القوية تستطيع التحليق حتى تصل إلى هدفها، وحالما يجتمع بها ذكر فإنها تقطع عضوه ليبقى في داخلها أطول فترة ممكنة لتلقيح أكبر عدد ممكن من البيض، بل وعادة ما يتم التزاوج مع عدة ذكور قد يصل عددهم إلى عشرة، أما إذا فشلت في التلقيح فإنها ستلد الذكور الذين هم عالة على ممكلة النحل، ويتم القضاء عليهم حالما ينتهي موسم التزاوج. فالذكور كسالى ومبذرين لموارد المملكة.

البقاء للأقوى، هذا هو القانون الأوحد، وقوّة البشر تقاس بحسابهم البنكي، أما الضعفاء والكسالى فلا مكان لهم في لعبة التكاثر هذه، يسقطون كالنحل على قارعة الطريق. كانت تلك عباراته التي تسللت إليّ وأنا جالس أنتظر على قارعة الزمان أنتظر أيلول.. كآبتي المفضلة، رائحة التراب الندي، وبرد أيلول المتدثر بسحاب الصيف.

فأنا أسوةً بالنساء أحيض شهريًا، هو شعور أقرب للمستذئبين عند اكتمال القمر، تسيل حينها الكآبة شلالًا عبر أطراف الشفاه.

وفي أيلول تحديدًا يتسلل الخريف في يوم التوازن كما يتسلل ذلك العجل الذهبي من البلادة إلى الأفق ليصبح قبلتي، لقد عرفت السرّ الحقيقي وراء هذه الكآبة السعيدة في أيلول، إنها رائحة الموت، الموت المشتهى.

يهمس في أحشائي أن الوقت قد حان. جاء ذلك اليوم ليرسم لي خط سيري حتى ألتقي به.

صديقي اللدود: هو فقط

الأوادم هم زعران مع وقف التنفيذ، هذه هي خلاصة معرفتي به، كان يسمح لنفسه أن يكشف كينونته الحقيقية أمامي، وأنا جالس أحتسي الويسكي المعتّق، كأنّ نشوة الخمر الذي آل على نفسه ألّا يشربه أسوةً بالعادات والتقاليد والدين، كان يتسامى عبر الأثير ليفرغ كل الكوابح في عقله الباطن ويكشف عن ذاته الحقيقية.

هل هو حقًا هذا الشخص الطيب الذي يُحب أن يكونه؟ أم هو مجرد فشل ذريع في القفز إلى مستنقع التجربة سببه نقص كبير في الشجاعة أكبر بكثير من الضوابط الضميرية التي يحب أن يلوّح بها أمام الآخرين؟ تمامًا كما يحب أن يدخل معرفته عن عالم النحل كي يخلق تشبيهات بالبشر تبدو عميقة لأول وهلة، لأكتشف أنه هو نفسه غير مقتنع بها تمامًا، البشر هم حالة خاصة، مستعصية على الفهم.

ينظر بطرف عينه إلى كأسي ويزدرد لعابه كي لا يقع في المعصية، وهو جالس يسترسل في أعراض البشر يحكي لي ما لا يحكيه لبشر، ويكشف أسراره العميقة في رغباته المكبوتة، التي عندما لا يجد لها منفذًا يخلو بنفسه في حقله مع النحلات كي يخففّ من وطأ تلك الرغبات التي تقرع بابه بكرة وعشيّا.

بماذا نختلف إذًا؟ أنا الذي توغل في المعاصي، وقمت بكل ما أشتهي، أم هو الجالس بجانبي يلتقط الأخبار مغمض العينين متخيلًا نفسه البطل، ليعود إلى بيته مرتديًا رباطة جأشه ووقاره الذي خدع الجميع ما عداي!

يمر بجانب التجربة فينكفئ على ذاته، لا هو حقًا مسرور بخياراته التي أتعسته، ولا هو يجرؤ على أن يقوم بفعل مقاوم للحظيرة الاجتماعية التي نعيش بها أسرى بسياج وهمي قمنا بحياكته حول أنفسنا.

فليذهب إلى الجحيم، فليذهب الجميع إلى الجحيم، الويل لنا حين نعيش حياتنا فرجة للآخرين، خائفين أن نتسلل إلى ذواتنا وأن نسير دربها نحو أن نكون نحن.

صديقي اللدود، أنا مرّة أخيرة

- خنزير

قالها دون إن يلتفت، بصوت يقصد أن أسمعه، كان ذلك كل ما احتاجته ذاتي المستذئبة حتى كنت خلال جزء من الثانية جالسًا فوقه ألكمه – وفي يدي حجر – ذات اليمين وذات اليسار بكل ما أعطاني إياه البدر من جموح.

*

أمقت الرتابة في كل شيء، العمل، ساعة المنبه، مائدة العشاء المنزلية، وقت إطفاء النور، أغاني الأعراس، تكات ساعة الحائط، بينما لا يزعجني مثلًا عويل السيارات المسرعة التي تمر بمحاذاة الشباك وتبث ضوءها فحيحًا بصريًا على حائط البيت حين يمر ظلها عبر الشباك بتسارع يؤشر إلى بعد السيارة عن المنزل... الرتابة كانت عقوبتي الكبرى.

*

اليوم هو يوم الإفراج بعد أن سجنت بتهمة التسبب بضرر جسدي خطير، حيث ما زال قابعًا في غيبوبة بالمستشفى حيث تسبب الحجر بنقطة دم على المخ – الحجارة تقتل – وصلت إلى قناعة أنني يجب أن أقترض خمس دقائق مسروقة من زمن الكون أعود بها لأبرح صديقي الذي يغش في عد سيارات ضربًا. خمس دقائق كانت لتكفي لتعيد التوازن لهذا الكوكب.

أما في هذه اللحظة وهذه المشاهدة من تدحرجات الزمن، أقف في مراحيض السجن للمرّة الأخيرة، أنظر إلى المرآة فأرى مجرد شخص تهكّمي، مرّت الحياة بجانبه وهو خائف حتّى أن يلتفت إليها. أحاول أن أربط جأشي لألحظ عضلات ألأذنين تتقلص لترفع الأذنين طلوعًا ونزولًا... أذنا الملك... أذنا حمار.

 

أقرأ/ي أيضًا:

من حجر إلى حجر

وجوه غائمة