صحف أوروبا تبكي بندقية الصهيوني

صحف أوروبا تبكي بندقية الصهيوني

ماخمود ايشونكولف/ أوزبكستان

ما الذي تقوله الصحافة الأوروبية بخصوص اشتعال الأراضي الفلسطينية؟ هل للتضامن الشعبي الهائل مع غزة، في السنة الماضية، أيّ ملامح اليوم؟ هل تأخذ هذه الصحف أي اعتبار لتلك الحشود التي خرجت في العديد من مدن أوروبا لتقول إنها إلى صف الفلسطينيين؟

حسب الصحافة الأوروبية، من يتحدون "إسرائيل" إما شباب يائسون أو متطرفون إسلاميون

الإجابة الوحيدة المتاحة والممكنة هي "لا"، فتقريبًا كل شيء كما هو، لا تزال الرواية الإسرائيلية هي الأكثر حضورًا لدى الجميع، مع استثناءات طبعًا. الصحف الأوروبية، حتى اليساري منها، لا تزال تنظر إلى الانتفاضة الشبابية الفلسطينية بوصفها حركة تمرد داخل دولة طبيعية. أو يتم وضع الصراع في إطار ديني بين مسلمين ويهود، من دون أن تحضر الفكرة الجوهرية أنها قضية احتلال.

في هذا السياق، ترد تعبيرات عمومية عن يأس الشباب الفلسطيني من واقعهم وانسداد آفاقه، بمقابل حديث تفصيليّ عن "المجتمع الإسرائيلي". الشباب الفلسطيني يحضرون في نظرة تبسيطية، بينما تصبح إسرائيل دولةً ومجتمعًا هناك من يريد تقويضها عبر العنف. هكذا يصبح من يتحدون "إسرائيل"، في الصحافة الأوروبية، إما شباب يائسون أو متطرفون إسلاميون.

وصفت جريدة "لوفيجارو" الفرنسية أحد الاشتباكات مع الشباب المنتفضين بأن "الشرطة الإسرائيلية قتلت بالرصاص على الأقل ثمانية مهاجمين محتملين". حسب توصيف الجريدة يمكن استعارة مفهوم الحرب الاستباقية وتحويله إلى قتلٍ استباقي، ما دام يؤدي الغرض نفسه، ويصدر عن العقلية نفسها التي دمرت أفغانستان والعراق. الأحداث المطروحة في "لوفيجارو" هي هجمات فلسطينيين على إسرائيليين وادعين، أما السؤال عن الأسباب والدوافع فهو غائب، ولا أهمية له.

صحيفة "لوموند" أرجعت أسباب "العنف" إلى الصراع على المسجد الأقصى، الذي يرفض المسلمون مشاركته مع اليهود، ويعتبرون زيارة المستوطنين للمكان استفزازًا مباشرًا. في حين أن ما يجري على الأرض هو تراكمات تعود إلى تاريخ طويل من الانتهاكات الإسرائيلية، ربما كان أقربها حرق عائلة دوابشة، في دوما قضاء نابلس، وقبلها حرق محمد أبو خضير في القدس. غير ذلك اكتفت الجريدة بتعداد الاعتداءت وأماكنها ومصير المنفذين، بالإضافة إلى ذكر مواقع المواجهات في الضفة والقطاع.

أما صحيفة "ليبراسيون" اليسارية التي تبنت وجهة نظر اليسار الإسرائيلي فقد أشارت للفلسطينين بوصفهم شعبًا مقهورًا، لكنها أبقت تركيزها على حالة الهلع في المجتمع الإسرائيلي وتخوفه من انتفاضة ثالثة، مع الإشارة إلى دور فلسطينيي الداخل المحتل المتعاظم مقارنةً مع دورهم إبان الانتفاضة الثانية. 

 تنقل الصحف الألمانية أخبارها عن مصادر إسرائيلية، دون أي حضور للصوت الفلسطيني

لم يختلف الأمر في بريطانيا، باستثناء جريدة "الغارديان" التي ركزت مقالاتها على شرح السبب الحقيقي، كما نقلت رأي مروان البرغوثي من خلال مقال نشرته تحت عنوان "الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين هو السبب الرئيسي للصراع الحاصل". كما نشرت مقالًا بعنوان "لن يكون هناك سلام حتى ينتهي الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين"، ومقال آخر بعنوان "هيمنة إسرائيل على الفلسطينيين تجعل العنف أمرًا لا مفرّ منه". وصفت "الغارديان" الأحداث بالمروعة، ولكنها اعتبرت ذلك طبيعيًا للغاية عندما يعيش أحد أطراف النزاع بلا حقوق، وبدون أي مخرج أو دعم من قبل المجتمع الدولي. كما عمدت إلى نقل الاعتداءات الإسرائيلية التي حصلت مؤخرًا، مثل عمليات هدم منازل المهاجمين الفلسطينيين بعد تصاعد الاشتباكات.

في ألمانيا، حيث الحساسية العالية تجاه كل ما يخص إسرائيل، سوف يصعب أن تجد صوتًا مناصرًا، ولعل ذلك لا يمرّ دون تذكير بما قالته جولدا مائير، حين كانت وزيرة خارجية إسرائيل، في مؤتمر للاشتراكية، حيث صرخت في وجه سياسي ألماني انتقد إسرائيل: "بعد الهولوكست وما فعلتموه بنا عليكم أن تصمتوا".

كثير من الصحف الألمانية تنقل أخبارها عن مصادر إسرائيلية مثل "هآرتس" و"جيروزاليم بوست".. وسواهما، دون أي حضور للصوت الآخر، وربما تكون مجلة "دير شبيغل"، ذات الطابع الشعبي، خير مثال على تغطية الحدث، حيث يتم التركيز فيها على "خوف الناس من انتفاضة جديدة"، من دون تحديد لهوية هؤلاء الناس، وطبعًا الهدف منها هو تخطيئ وتأثيم الانتفاضة والمنتفضين قبل أن تحقق التفافًا عالميًا حولها. كذلك اعتبار أن الهجمات "تهدّد المجتمع الإسرائيلي"، أي أنه لا وجود لمجتمع فلسطيني، ولا لروايته. الأهم من هذا وذاك أن التركيز شديدٌ على السكاكين الفلسطينية أكثر من البنادق والقنابل الإسرائيلية.

وسط ذلك كله، تبرز الحاجة إلى وجود رواية فلسطينية للخبر، تعمل على تحقيق اختراق في الصحافة الدولية. صحيح أن ذلك صعب في ظل سيطرة اللوبي الصهيوني على المنابر في العالم، إلا أن ذلك ممكن في ظل تعاظم حركة المقاطعة عالميًا، وفي ظل وجود عربي يزداد اتساعًا في أوروبا. ولنا أن نتذكر أن قارئ هذه الصحف وقف مع غزة السنة الماضية، وشكّل كتلة رأي عالمية غير مسبوقة في تاريخ التضامن مع القضية الفلسطينية.

هذا يعني أن الدور مناطٌ بفلسطينيي الخارج لكسر الصورة التي باتت نمطية، عبر العلاقات الشخصية ومواقع التواصل الاجتماعي، من أجل إعادة حركة التضامن إلى وهجها، فمن غير المعقول أن التضامن لا تحركه إلا مذبحة؟ هل سننتظر المذبحة؟

اقرأ/ي للكاتب:

القارئ في اللانهاية

دشداشة أول العمر