صحفيو فرنسا.. ضحايا

صحفيو فرنسا.. ضحايا "بزنس" ماكرون ومخاوفه

صعدت السلطات الفرنسية ضد الصحفيين في الفترة الماضية (تويتر)

بعد أن استدعى جهاز الأمن الداخلي الفرنسي ثمانية صحفيين، على خلفية نشرهم لمعطيات استخباراتية سرية عن تصدير فرنسا للسلاح للمملكة العربية السعودية والإمارات، لاستخدامها في حرب اليمن، من خلال معلومات سرية من داخل الاستخبارات العسكرية، استدعت الشرطة الفرنسية مؤخرًا إحدى الصحفيات المخضرمات داخل صحيفة لوموند الفرنسية وهي أريان شامان.

بعد الكشف عن مبيعات الأسلحة الفرنسية إلى السعودية والإمارات العربية المتحدة، أصبح موقع Disclose  بعد تقريره الأخير، تحت مجهر الأجهزة الأمنية في فرنسا، فيما تم استدعاء من الصحفيين

استجوبت الإدارة العامة للأمن الداخلي الفرنسي شامان لمدة 45 دقيقة بحضور محاميها، بغية الاستدلال عن مصادرها التي استعانت بها حول ضابط سلاح الجو السابق شكري واكريم، شريك ماري إلودي بويتوت، رئيسة الأمن السابقة في مكتب رئيس الوزراء. المشكلة كانت في الكشف عن هوية  هذا الضابط، وذلك أثناء كتابتها لسلسلة من مقالات كانت تتحدث عن الكسندر بينالا، الحارس الشخصي السابق للرئيس إيمانويل ماكرون.

اقرأ/ي أيضًا: منظمة فرنسية تنشر تسريبات استخبارية عن سلاح باريس في حرب اليمن

كانت شامان في وقت سابق وتحديدًا في تموز/يوليو السابق، قد كتبت سلسلة من المقالات تكشف فيها عن تورط بينالا  في ضرب أحد المتظاهرين، وهو يرتدي خوذة شرطة، ما أدى إلى إقالته، في أكبر فضيحة زعزعت شعبية ماكرون إلى الآن، حسبما أوردت فرانس24.

تقول شامان عن الاستدعاء: "لقد سألوني الكثير من الأسئلة حول الكيفية التي اتبعتها لفحص معلوماتي، بطريقة غير مباشرة في محاولة لمعرفة مصادري"، ثم أضافت: "لقد كانوا يفعلون كل شيء لمحاولة إقناعي بأني ارتكبت خطًا خطيرًا".

استدعاءات مثيرة للقلق: حرية الصحافة في فرنسا على المحك؟

بعد الكشف عن مبيعات الأسلحة الفرنسية إلى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، أصبح موقع Disclose  بعد تقريره الأخير، تحت مجهر الأجهزة الأمنية في فرنسا، فيما تم استدعاء الصحفية فالنتاين أوبرتي من جريدة كوتيديان الفرنسية، وغيرها ثمانية صحفيين آخرين كانوا يعملون على قضية كشف صفقات الأسلحة الفرنسية للدولتين الخليجيتين، كما تم استدعاء المدير التنفيذي لصحيفة لوموند لويس دريفوس أيضًا.

"أنا المتلقي الأساسي لهذه المعطيات بخلاف الآخرين الذين حصلوا عليها والذين لا يتعين عليهم بأي حال من الأحوال امتلاكها، في انتهاك صارخ لجميع قواعد وقوانين البلاد. عندما تكشف عن وثائق سرية فإنك تتعرض للعقوبة". هذا ما قالته وزيرة الدفاع الفرنسية فلورانس بارلي في حوار معBFMTV  في الثامن من أيار/مايو الجاري. صحيح أن بارلي لم توجه كلامها إلىDisclose  على وجه التحديد، إلا أنها قصدت وسائل الإعلام التي تضطلع بمهمة التحقيقات الصحفية التي أدت إلى الكشف عن مبيعات الأسلحة الفرنسية إلى السعودية والإمارات، واضعة السلطات الرسمية الفرنسية وتصريحاتها النافية للصفقات باستمرار في مأزق كبير ينال من مصداقيتها.

استندت شامان في دفاعها عن مصادرها إلى المادة الثانية من قانون يعود لعام 1881، يقضي بأن سرية مصادر الصحفيين محمية في أثناء ممارستهم لمهامهم. وفي تعليق رسمي على الاستدعاءات الصحفية قالت وزيرة العدل نيكول بيلوبت، إن استدعاء شامان "يدخل في إطار تحقيق أولي وُضع تحت سيطرة المدعي العام الفرنسي في باريس، تم فتحه نتيجة لإيداع شكوى من أحد أفراد القوات الخاصة التي كشفت هذه الصحيفة عن هويته". وأضافت في محاولة لحفظ ماء الوجه أنه "لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن يُنظر إلي هذه الاستدعاءات على أنها محاولة للتخويف أو التهديد".

من جهته، كان الاتحاد العام للصحفيين قد دعا إلى تنظيم وقفات احتجاجية أمام مقر الأمن العام الداخلي، الأسبوع الماضي، لدعم "جميع الصحفيين الذين استدعتهم الدولة الفرنسية في انتهاك لقانون حرية الصحافة". 

وفي وقت سابق وقع صحفيون كبار من 37 منصة صحفية فرنسية، بما في ذلك فرانس برس ولوفيجارو، وفرانس 2 تي في وميديا بارت، على بيان يدعم الصحفيين الذين تم استجوابهم بشأن الجدل حول حرب اليمن، قائلين إنهم "يقومون فقط بوظائفهم"، حسب ما نقلت فرانس 24.

التعديات على الصحفيين في فرنسا: عود على بدء!

في تطور كبير لتيار معاداة الصحافة في فرنسا، كان الصحفي المستقل غاسبارد غلانز قد تم حظره بواسطة السلطات من دخول باريس الشهر الماضي، حسبما ذكرت صحيفة لوموند الفرنسية، وهو ما يعني في ذلك الوقت حرمانه من تغطية المظاهرات في باريس في يوم العمال ولمدة ستة أشهر لاحقة. وكانت السلطات الفرنسية قد اعتقلت غلانز، بتهمة الاعتداء على السلطات العامة، وارتكاب أعمال عنف، وعلى الرغم من إسقاط المدعي العام لتلك التهمة الثانية، إلا أن محاميه اعتبر أن الدعاوى القضائية ضد موكله شكل من أشكال الضغط السياسي على حرية الصحافة.

اقرأ/ي أيضًا: لماذا رفض عمال إيطاليون تحميل باخرة سعودية في جنوة؟

غلانز مثله مثل العشرات من الصحفيين الذين تعرضوا لعنف الشرطة منذ بدء انتفاضة السترات الصفراء في فرنسا العام الماضي، وهي التي شهدت عنفًا شرطيًا غير مسبوق، أدانته تقارير حقوقية عديدة من بينها تقرير منظمة العفو الدولية، التي وثقت استخدام الشرطة "الأعيرة المطاطية، وقنابل ستينغ بول اليدوية اللاسعة، والغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين الذين كان أغلبهم مسالمين، ولم يقترفوا أي أفعال تهدد النظام العام؛ ووثَّقت المنظمة العديد من الحالات التي جنحت فيها الشرطة "لاستخدام القوة المفرطة".

استهدفت الشرطة الفرنسية الصحفيين عمدًا، حسبما أشار تقرير المنظمة، التي اطلعت على لقطات مصورة يظهر فيها صحفي يرتدي خوذة الصحفيين وهو "يصاب بإحدى هذه القنابل اليدوية اللاسعة في ظهره بينما كان يسير مبتعدًا عن خط الشرطة".

وقع صحفيون كبار من 37 منصة صحفية فرنسية، بما في ذلك فرانس برس ولوفيجارو، وفرانس 2 تي في وميديا بارت، على بيان يدعم الصحفيين الذين تم استجوابهم بشأن الجدل حول حرب اليمن

على مستوى أكبر، يبدو أن وثائقDisclose ، قد خلقت حالة كبرى من الارتباك في داخل السلطات الفرنسية، التي باتت مكشوفة أمام المجتمع المحلي، ومتهمة بالكذب وبتضليل الرأي العام، وأخيرًا بمحاولة تكميم الأفواه بغرض تمرير صفقات الأسلحة التي تنال من المدنيين اليمنيين، مع ملئها للخزانة المالية بمال مستوردي السلاح من السعودية والإمارات.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

ماكرون في القاهرة.. حقوق الإنسان غائبة أمام صفقات التسليح