08-أغسطس-2021

فوتوغرافيا لـ غطفان غنوم/ سوريا

كنت أسير في شوارع القصرين الموازية للنُزل أبحث عن أي مكان يقدم طعامًا، وإذا بي أمام صالون للتجميل.

لطالما أحببت صالونات التجميل القائمة في الاحياء الداخلية. أحببت أجواءها الضاجة بالنميمة وديكوراتها المبتكرة والغريبة، لكن هذا الصالون، صالون نعيمة، كان مختلفا تمامًا.

صالون نعيمة هو "كاراج "ملحق بمنزل والديها، عار تمامًا من أي ديكور، وفيه كرسي وحيد وطاولة صغيرة ومرآة مكسورة الحرف.

بكرسي ومرآة مكسورة وسيشوار قديم قررت نعيمة أن تواجه الحياة.

لم تقل مرحبًا لم تبتسم لي، وسألتني بنظرة مرتابة:

- شعرك نظيف وإلا مسخ؟ كانو مسخ منجمش نغسلو.

هكذا ببساطة وثقة أعلنت قواعدها ولم يكن أمامي إلا الرضوخ:

- نظيف غسلته الأسبوع الماضي.

لم تتوقف عند المزحة الثقيلة، لم تعلق، لم تعتذر، أزاحت الكرسي وأشارت لي أن أجلس.

نعيمة جميلة، هذا أول ما انتبهت إليه وهي تنحني فوقي بوجه أسمر كحلوى الكراميل وملامح مرسومة بانضباط ودقة حادة.

يداها تتحركان في شعري بعجلة وثبات. لست واثقة من مهارتها، لكنني لم أجرؤ على التشكيك بها أمام وهي تبدي لي كل تلك الثقة الصلبة الباترة.

فتاة أخرى يفضح الشبه بينهما أخوتهما، جاءت لتساعدها. لم أعرف بماذا أو كيف. ولكنها وقفت بجانبنا تحاول أن تختلق أي حديث معي، كما لو أنها تريد باهتمامها المفتعل أن تعتذر عن صمت أختها وصلافتها.

ضجيج الأخت جعل صمت نعيمة أنيقًا وساحرًا. الصمت ذاته الذي كان ثقيلًا مربكًا منذ لحظة واحدة.

حاجباها اللذان يعلوان عينيها الصائدتين، هدأا ولانا، وبدت على وجهها نعومة غامضة لا تفصح.

يداها فوق شعري تتحركان بعجلة وثبات وعصبية، وتتوقفان كل حين لتمرير لمسة خاطفة تكاد تكون حنونة.

الأخت الضاجة كانت متدفقة اللطف والفُضول، ذلك اللطف الذي يكاد يكون مزعجًا لوفرته ومجانيته وحميميته..

ذلك اللطف الذي يقرصك من ركبتك عنوة ويشتمك معلنًا: اخجل من نفسك وكن لطيفًا! امنحها حبًا، ابتسم: تفوه عليك!

اللطف المزعج الذي يجبر أي إنسان أن يتخلى عن عدائيته المريحة الفضفاضة ويتأنق مرتديًا حلة تهذيب زائفة.

الأخت الضاجة جعلتني أحب نعيمة أكثر، وأهرب إلى جمالها الوقور اللامبالي، الذي لا يطلب مني شيئًا.

هذه المرأة قاتلة، هكذا فكرت وهي تقتلع الشعيرات من حاجبي بقسوة سادية فصيحة:

ـ أركح!

وجهها انقض على وجهي ليلبث على بعد سنتيمتر واحد من أنفي، وبعينين قانصتين تأملت حاجبي، لتمسك بشعرة وتجذبها بعنف قبل أن تتراجع إلى الخلف.

ببرودها العجيب جذبت شفرة جديدة ومررت حافتها الباردة على طرف جبيني...

فكرت أن بإمكانها أن تنتزع عيني من مكانها دون أن يرف لها جفن.

لمحت شبحًا يركض. لم أميزه بينما سكين نعيمة يواصل رحلته على جبيني بثبات مخيف:

-يكفي أنه رجل كي لا يستأذن، بالكاد سمعت كلماتها التي تنز حقدًا.

بينما أختها تتضاحك:

ـ استني في بيت الراحة..

بطرف عيني لمحت الولد وهو يغلق سحابة سرواله أمام الباب، فيما حقد نعيمة يلفح جبهتي :

ـ انشالله أقصوهولك.

ارتجفت تمنيت أن أدفعها هي وحقدها بعيدا عني..

-لا تأخذيها على محمل الجد، قالت الأخت الضاجة ضاحكة: هي دومًا هكذا..

زاد من حنقي شعوري بأني مضطرة لرسم ابتسامة على شفتي. كان يجب أن أبتسم.

انتهت نعيمة من عملها وأولتني ظهرها مغمغة: عشرة آلاف..

لم تنتبه ليدي الممدودة التي شرعان ما تلقفتها أختها قبل أن تشيعني، بابتسامة طيبة ومحرجة، إلى الباب:

ـ عودي مجددًا..

بينما كانت تغلق الباب ضحك الولد في وجهي ساخرًا:

ـ قد تموت قبل عودتك، عندها "كانسر"!

وغاب فجأة في عتم الداخل.. سمعتني أتمتم:

ـ انشالله أقصوهولك..

 

اقرأ/ي أيضًا:

أنت ترحل والريح تمحو دروبك

مشهدان لوجعٍ يدعى الحبّ