شيخة حليوى.. تحرير الباطن من همومه

شيخة حليوى.. تحرير الباطن من همومه

شيخة حليوى

"تأخّرت نصوصي فعلًا". هكذا تفتتح الكاتبة الفلسطينيّة شيخة حليوى أحد نصوصها وتظهير مؤلفها الثاني "خارج الفصول تعلمت الطيران" (دار الأهلية، 2016). لعلّ التأخّر في كتابة هذه النّصوص سمة لا بدّ منها لقراءة مثل هذه النّصوص التي تعيد صياغة الكَون والمفاهيم والأفكار وتقيم وزنًا للكتابة الشائخة مثل حكمة حكيم صينيّ، بعيدة عن إطلاق الشعارات المثاليّة لجوهر الأفكار وجوهر اليوميّ، وجوهر العلاقات مع الموجودات، حيث تصبح السرياليّة الملاذ الأخير للتعبير.

تُقيم شيخة حليوى داخل لغتها ونصوصها، تسكن منطقها الدّاخليّ بعيدًا عن رؤى العالَم المتكررة

تُقيم شيخة حليوى داخل لغتها ونصوصها، تسكن منطقها الدّاخليّ بعيدًا عن رؤى العالَم المتكررة، ممتحنةً أنوثتها وذكورتها وكتابتها وماضيها وراهن عالمها، بأسلوب شديد الخصوصيّة، شديد الرقّة، شديد الانكسار. شيخة حليوى، كاتبة يافيّة فلسطينيّة، صدر لها حتى الآن مؤلّفان من العيار السرديّ المدوّي، وإن كان الخفوت سمتهما الرئيسيّة. تمشي في كتابتها النثريّة-الشعريّة بدقّة وبحذر وبشراسة بدائيّة في ذات الآن. إنّها الكتابة الخلاسيّة التي ترفضُ تصنيف هويّة الكتابة وجنسها، وتسعى نحو الكولاج السرياليّ الذي يغازل الأجناس الأدبيّة جميعًا ويتملّص منها جميعًا على حد سواء. هكذا تكتب حليوى نصوصًا طال انتظارها وهي تتقلب على نار هادئة، فجاءت ناضجة، بل شائخة في رؤاها السرياليّة المتعدّدة للوجود وللذات وفي تعاملها الواعي والفطري والحزين والمنكسر مع الذّات وهمومها. 

اقرأ/ي أيضًا: قتلتُ لأنني أردتُ أن أحيا

أفكار كثيرة في هذه النصوص توحّدها سمات قليلة منثورة كالخرزات هنا وهناك، تكشف عن باطن الكلام وعن منطق ميتافيزيقيّ له دلالاته وشعريّته وانفتاحه وانغلاقه في ذات الآن. ثمّة إحساس بالخسارة، بالهزيمة التي تقطع نفس المتلقّي، يأتيه محمّلًا بالاستعارات الفائضة والشعريّة "المعقلنة"، ولا أجمل من الخسارة "المعقلنة" الملفوفة بالحسّ الشعريّ السرياليّ لدى الكاتبة، الواردة في نصّ كنصّ الافتتاحيّة الموسوم بـ"وطن" والذي يكشف عن مرارة الإحباط من وطن تستبدله الشاعرة بوطن بديل مفاجىء، حيث تقول: "كنت صغيرة جدًا. لم يجتهد أحد من حولي كي يحدّثني عن الوطن. اعتقدت لشتاءين متتاليين أن الوطن هو كيس النايلون المتين الذي يصمد حول أحذيتنا يومًا كاملًا دون أن ينفذ منه وحل الطريق. الشتاء كان الغربة في الوطن. الحذاء المتين كان الوطن البديل".

تلعب الكاتبة بألوان اللغة ومجازاتها، وتصبح هذه اللغة رافعة الهزيمة ورافعة الحبّ ورافعة الحكمة ورافعة التيه، تمتصّ رؤى العالَم وتعيد تشكيلها على نحو مختلف، منكسر، مزدوج، مؤسطر، مبهم، سوريالي، تحمل موقفًا من العالم دون أن تقدم حلولًا لشيء. تشيع هذه الهزيمة العذبة في كافة نصوص الكتاب: المكان، النساء، الكتابة، الذات، العائلة، حيث تشكّل هذه تمارين سرديّة-شعريّة تعيدُ صياغة الداخل والخارج، تقوّض بشموليّة تجريبيّة منطلقات وطموحات هذا الكَون (من الفرد، إلى الجماعة، إلى المجتمع، وما بينها من وحدات صغيرة ترتبط وتتشظى) في التعريف الثابت للأشياء، بدءا من علاقة الفرد بذاته، مرورا بعلاقة المرأة بالمرأة، وعلاقة الإنسان بالكائنات والموجودات، وعلاقة الكائنات بتاريخها وراهنها، بهزيمتها وانتصاراتها على المستوى اليوميّ وفوق-اليوميّ.

في نصوص الوطن، تكسر حليوى الصّمت بحركيّة اللغة، وتعمّق الإحساس بالغربة داخل لغة سورياليّة مهشّمة تهشّم الواقع أكثر، تارة: "هذا الوطن يا سيّدي يحتاج قدحًا من حليب أم فاسد وهي فاضلة جدًا". وعذبة تتعالى على الواقع أحيانا أخرى "منذ سقطت قريتي التي كنت أمقتها كسائقي الشاحنات الصباحية لم يعد يخيفني سقوط المدن". يغدو الوطن أفكارًا مهشمة مثل قطع خزف مكسّرة ملصقة ببعضها البعض عنوة لتتكون لوحة غرائبية الطابع تشبه الوطن السرياليّ الذي ترسمه الكاتبة وتراه في شكل واقعيّة مبتذلة، وميتافيزيقا حالمة.

يغدو الوطن، عند شيخة حليوى، أفكارًا مهشمة مثل قطع خزف مكسّرة ملصقة ببعضها البعض عنوة

في نصوص النساء، تنفتح اللغة لتصير عصا سحرية تنطلق باتجاه الذات وتردها بمراهقة وبرشد، تتقدم في مدى أنوثة مبلبلة محيرة من ألفها إلى يائها. ومن هذه الحيرة تفتحنا الكاتبة على أشكال الوعي السرياليّ المتعدد، بقديمه وجديده. إنه عالم النساء الذي يعج بالتوترات والحزن والانكسار والظلال التي تختلط فيها الذكورة بالأنوثة فتفقد هذه المفاهيم شيئًا من واقعيتها باتجاه صياغة تجريدية تُكسب هذه المفاهيم بُعدًا جديدًا وتعبر عن الموقف الاستفزازي للكاتبة حيالها، فتقول: "تعلمنا من نساء العائلة ونحن نقطع طريق الزواج المحتمل أن القسمة والنصيب ليستا مترادفتين. وأن العطف بينهما من باب التأكيد على النقيض وكلّ نقيض هو بالأساس باب من أبواب الشيطان. تعلّمنا دون حرج كيف نحتسي العلقم ونصعد رويدًا رويدًا في سلم طبقات النساء الكبرى". تفتح الكاتبة عالم النساء، الزوجات، الفتيات، العاشقات، المهمشات، الأمهات، الجدات، الخالات، العمات، نساء شاعرات بالروح تستنطقهن الكاتبة وتحولهن، بسرد القسوة، إلى بطلات هذا الكون بماضيه وراهنه.

أما في نصوص الكتابة، فتجنح الكاتبة نحو كرنفالية الكلام والأسئلة التي لا تروم "إجابات معلّبة". هذه النصوص، التي تحاول الانفلات من قبضة التعريف، ليست بالشعر ولا بالقصة ولا بالأقصوصة ولا بالمشاهد المسرحية. إنها نصوص دافئة تأتي على شكل لوحات حوارية، وعلى شكل اعترافات سريعة تخلق عبرها الكاتبة قوانين إبداع خاصة بها. تعود حليوى من جديد لتلعب بنفس الأصابع ونفس الصّوت، على تخوم الأفكار، لعبة التوازن على حبل هشّ وتمشي بلغتها إلى أقصى درجات الإقناع السرياليّ الذي يعمّق موقفا متأخرا من العالَم ولا يأبه بالتصنيف وإن جاءت هذه النصوص متأخرة: "وأنا أكتب لا يساندني جيش من النساء وإن صفقن لي عند النقطة. ورائي امرأة مكسورة وأخرى خائفة وأربع أخريات يتناوبن في دور عمود وهمي يصل مباشرة إلى الجنة. أنا من حظي أنني أعرفهن. من حظهن أنهن لا يتذكرن وجهي".

اقرأ/ي أيضًا: تحت السلّم.. هناك صلّيتُ وبكيت

من هنا تدخل الكاتبة إلى نصوص الذات والاعترافات بدون قناع، الذات السرياليّة التي ترى العالَم من جدليّة داخليّة، ومن أشكال الوعي المختلفة المصبوبة داخل نصوص متأخرة: "لا شيء يثير الدهشة. لا شيء. ربما قطار أحمق متأخر وتجارب ميتة وأنا حينما كنت غبية. غير ذلك لا شيء ممكن أن يستدعي دهشتي. إلا إذا وصل القطار الأحمق المتأخر".

"الطّيران خارج الفصول..." نصوص دافئة تأتي على شكل لوحات حوارية

تتفق الكاتبة مع ذاتها، بإيجابياتها وسلبياتها، وتصير الشعرية السرياليّة الحبل السريّ الذي يربط القارئ بعوالم الكاتبة الداخليّة والخارجيّة. الكتابة عند تخوم المكان، وحدود الجنسي، وتخوم الذات، وتخوم الأنوثة، وتخوم الكتابة نفسها، هي ميزات الكتابة عند الفلسطينيّة شيخة حليوى. هي كتابة متأخرة تمشي بِنَزَقٍ حَذِر وتلعب داخل العشّ السرديّ بدلال ورفق تارة، وبعنف وشراسة تارة أخرى. 

هذه النّصوص المتأخرة، ما هي إلا توثيق ما تمّ توثيقه مرّات في الذاكرة، يأتي في هيئة احتفال شرس بالذات منطلقًا نحو دلالات أكثر رحابة للغة ولمحاورة الذات والكَون والموجودات. بعيدًا عن أدب المرأة، قريبة من أدب المرأة على حدّ سواء، لا تأبه الكاتبة تمامًا بالتّصنيف بقدر ما يعنيها توثيق الروح بأدوات لغوية خافتة لها خصوصيتها في أشكال تجسيد الهزيمة والحزن والمصالحة.

اقرأ/ي أيضًا:

موديانو والنافذة التي تشبه المقصلة

تشارلز بوكوفسكي.. الكتابة بالجسد