غرافيتي في برلين

عملت في سنوات طفولتي لدى أكثر من ورشة أو محل أو دكّان، وفي كل عملٍ امتهنته أخذني الحُلم بعيدًا.. بعيدًا أكثر.. وصولًا إلى شيخ الكار.

في الحقيقة لم يعد هناك، في السنوات الـ100 الأخيرة، ما يُسمّى بشيخ الكار، كما كان سابقًا، حسبت تاريخنا الشعبي.

وشيخ الكار هو مصطلح شعبي قديم، كان يطلق في مدن دمشق القديمة وحلب القديمة، على عميد أصحاب مهنة أو حرفة واحدة، هو كبيرهم، وأكثرهم خبرة، والذي يمثلهم أمام المهن الأخرى وأمام الدولة وأمام شيخ مشايخ الكار.

أذكر أنني في عطلة صيف سنة 1996، عملت لدى أحد الحلاقين، في الحي الذي كنت أسكن فيه، كان صيفًا لطيفًا حسب ما أذكر، تعلمت فيه أوليات فن الحلاقة، وتدربت على رؤوس الكثير من الزبائن، وارتكبت الكثير من الأخطاء الصعبة، كالحلاقة على درجة الصفر، لأحد الزبائن الكبار في السن، والذي أوصى سابقًا بأن أقوم فقط بتخفيف القليل من سماكة الشعر، باستخدام درجة 2 أو 3 كأقل تقدير.

كان الوقت ممتعًا، والحلاق الذي عملت عنده رجلًا طيبًا، وصبورًا عليّ، لكنّني لم أشعر في الصيف التالي بالرغبة للعودة إلى العمل في نفس المهنة، وقررت العمل لدى جارنا الذي كان لديه أشهر محل لتصليح البسكليتات في المنطقة، وكان يدعى أبو سمير.

وبالفعل هذا ما كان، حيث كنت أقضي جلّ وقتي في فك وتركيب وشد البراغي، وملء الإطارات بالهواء، أو معالجة الثقوب التي تصيب جلد الإطارات، والغوص في الكثير من رائحة الشحم والزيت، التي كنت أجهد مساء للتخلص منها.

لكن.. وكما في سابق عهدي في الحلاقة، شعرت بالملل، سريعًا هذه المرّة، وبرغبة للتخلص من رائحة الشحم، ومذاق الشحم، وكل ماله علاقة بالدراجات الهوائية.

صحيحٌ أنّني حلمت بالوصول إلى شيخ الكار، حين كنت حلاقًا، أو بسكليتاتيًّا خبيرًا في رائحة الشحم، لكنها كانت أحلام صغيرة، وعيت على حجمها، حين قررت لاحقًا الارتقاء في أحلامي "الشيخكاريّة"، كالعمل مثلًا لدى أحد إخوتي، وتعلم أصول بيع مستحضرات التجميل النسائية، والعطورات والإكسسوارات، وكل لوازم المرأة، إضاقةً طبعاً للحُلم المرافق، وهو بلوغ شيخ كار مهنة  مستحضرات التجميل.

نعم لقد أحببت هذه المهنة، أكثر من اي مهنةٍ أخرى، وواظبت على العمل فيها، وتعلّم كلما يخصّ مستحضرات التجميل، وصولًا إلى تركيب أو صنع أصناف جديدة من الشادو أو حُمرة الخدود، إضافة إلى ابتكار الكثير من أصناف العطور، عبر خلط أكثر من نوع من العطورات في زجاجة واحدة، وحسب تقدير معين، ليكون لدي لاحقًا الكثير من الطلبات على هذه المركّبات الجديدة من العطر، والكثير من الزبونات الجميلات، اللواتي كُنَّ أهم ما في مهنة الماكياج.

الزبونات الجميلات الكثيرات اللواتي تبادلت معهنَّ نظرات الإعجاب وخضت في محاولات تطبيقهنَّ، التي غالبًا لم تكن صعبة، حيث كان يكفي كمقدمة أن أخفّض في ثمن البضاعة قليلًا، إضافة إلى بعض النصائح المبتكرة، التي تناسب الجو العام، والتي غالبًا ما كان لها الأثر الأكبر، في جرّ الحديث من حديث زبونة مع صاحب محل، إلى الحديث بين شاب أحمق وفتاة حمقاء، في أحد محلات الماكياج.

ولم يعد شيخ الكار مصدرًا للحلم، ولا طموحًا أريد بلوغه، وتلاشت كل الأحلام المتكررة عن سقف الخبرة، وما إلى ذلك من كيفية ختم المهنة لدى عميد هذه المهنة. وعُدت إلى الواقع، وأدركت عدم وجود ما يُسمّى بشيخ الكار، بل هنالك ما يُسمّى بالزبونات الجميلات، وليحترق كل مشايخ الكار، ولتحلق كل ذقونهم البيضاء الطويلة.

الآن.. أنا عاطل عن العمل، ولَم أصل لشيخ الكار يومًا، فقط هنّ النساء الجميلات من أصبحن مادةً الحُلم الوحيدة، ولا زلت أحلم بالوصول لشيْخَة الكار.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أن تسمع أبا بكر سالم في أعالي السّماء

في منفى أحلامك