شهداء في غزة واستمرار الانتهاكات الإسرائيلية
16 يناير 2026
في لحظة يُفترض أن تفتح فيها التهدئة بابًا لالتقاط الأنفاس، يعود المشهد في قطاع غزة ليؤكد أن الاتفاقات المعلنة لا تزال معلّقة على إرادة القوة. فبين استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، وتعقيدات المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، وتصاعد الكارثة الإنسانية بفعل الحرب والمنخفض الجوي، يجد أكثر من مليوني فلسطيني أنفسهم عالقين بين وعود سياسية لا تُنفَّذ وواقع ميداني يزداد قسوة، فيما تتشابك الضغوط الإنسانية مع حسابات عسكرية ودبلوماسية تُبقي القطاع في دائرة الخطر المفتوح.
استمرار الاعتداءات رغم إعلان المرحلة الثانية
على الرغم من إعلان بدء المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، الذي جرى التوصل إليه بوساطة دولية بعد أشهر من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، تتواصل العمليات العسكرية في القطاع، مع سقوط شهداء وجرحى جراء غارات جوية ونيران إسرائيلية في مناطق متفرقة.
وتأتي هذه التطورات رغم اتفاق وقف إطلاق النار، في ظل رصد توغّل آليات إسرائيلية وإطلاق نار في عدد من المناطق، ما يعكس انتهاكات متكررة للاتفاق حتى بعد الانتقال إلى مرحلته الثانية.
وأوضح المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن الانتهاكات الممنهجة خلال المرحلة الأولى أسفرت عن استشهاد 449 مواطنًا وإصابة 1246 آخرين، إضافة إلى تسجيل 50 حالة اعتقال.
وأضاف أن قطاع غزة يواجه ما وصفه بـ"إبادة جماعية بطيئة"، في ظل مواصلة الاحتلال التنصّل من التزاماته الواردة في اتفاق وقف إطلاق النار والبروتوكول الإنساني الملحق به.
تُظهر البيانات المحلية وتوثيقات صحفية مفصّلة أن العديد من المدنيين الفلسطينيين لا يزالون عرضة للقتل والإصابة بنيران الاحتلال، سواء في سياق غارات مباشرة، أو أثناء محاولات الوصول إلى المساعدات الإنسانية، أو نتيجة تداعيات البنية التحتية المدمّرة في غزة
ولفت المكتب إلى أن الظروف الجوية القاسية أدت إلى انهيار أكثر من 50 منزلًا ومبنى كانت متضررة ومقصوفة سابقًا، ما أسفر عن استشهاد وإصابة عشرات المواطنين.
وختم بالتحذير من تفاقم الأزمة الإنسانية، مؤكدًا أن أكثر من 127 ألف خيمة خرجت عن الخدمة ولم تعد صالحة لتوفير الحد الأدنى من الحماية، الأمر الذي يطال أكثر من 1.5 مليون نازح في قطاع غزة.
إلى جانب الضربات العسكرية، تعيش غزة تبعات كارثية للظروف المناخية القاسية، إذ ضربت عواصف مطرية قوية القطاع خلال الأيام الماضية، ما أدى إلى استشهاد العشرات، ونزوح جماعي داخل المخيمات ومواقع الإيواء المؤقتة، نتيجة انهيار خيام وملاجئ متهالكة.
وحذّر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية من أن أكثر من 850 ألف شخص في 761 موقعًا من مواقع النزوح معرضون لخطر الفيضانات، في وقت يشكل فيه نقص الخيام، وعدم توفر الوقود، وضعف البنية التحتية المؤقتة، مؤشرات خطيرة على قدرة السكان على مواجهة فصل الشتاء القارس.
كما تواجه الكوادر الطبية تحديات كبيرة في توفير الرعاية الصحية، وفيما نشرت وسائل إعلام تسجيلات تُظهر عجز بلدية غزة عن الاستجابة للتحديات اليومية، فإن نقص الأدوية والمستلزمات الطبية يهدد حياة الأطفال والرضّع على وجه الخصوص.
الانتهاكات المدنية وارتفاع أعداد الضحايا
تُظهر البيانات المحلية وتوثيقات صحفية مفصّلة أن العديد من المدنيين الفلسطينيين لا يزالون عرضة للقتل والإصابة بنيران الاحتلال، سواء في سياق غارات مباشرة، أو أثناء محاولات الوصول إلى المساعدات الإنسانية، أو نتيجة تداعيات البنية التحتية المدمّرة في غزة، والتي أدّت إلى استشهاد 71.441 شخصًا منذ بدء العدوان وحتى اليوم.
كما رصدت وزارة الصحة الفلسطينية ارتفاعًا في وفيات الأمهات والمواليد الجدد بسبب الظروف المعيشية القاسية والعمليات العسكرية، فضلًا عن استهداف منازل ومنشآت مدنية في أحياء عديدة، ما يعكس استمرار الأزمة الإنسانية بالتوازي مع العدوان المستمرة على المدنيين.
اغتيالات مستمرة لمسؤولين فلسطينيين
كما لم تتوقف عمليات الاغتيال التي تستهدف قيادات من حركتي حماس والجهاد الإسلامي. فقد أُعلن، مساء أمس، عن استشهاد القيادي في كتائب القسام، أبو فؤاد الحولي، مسؤول "حماة الثغور" في قطاع غزة، إثر قصف استهدف منزله غرب دير البلح، ما أسفر عن استشهاد أربعة أشخاص وإصابة عدد آخر.
وعلّقت حركة حماس، معتبرةً أن "جريمة الاحتلال المجرم، مساء اليوم، بقصف منزل عائلة الحولي، إلى جانب الاستهدافات المتكررة بحق أبناء شعبنا، تُشكّل خرقًا فاضحًا ومتكررًا لاتفاق وقف إطلاق النار، وتؤكد مجددًا أن الاحتلال الفاشي لا يلتزم بالاتفاق، ويسعى ليل نهار إلى تعطيله".
كما أُعلن عن استشهاد القيادي في سرايا القدس، أشرف الخطيب، وزوجته وابنتهما، في قصف استهدف منزلهم في مخيم النصيرات مساء أمس.
تحركات سياسية ودبلوماسية وإقليمية
رغم الانتهاكات الميدانية المتواصلة، تشهد الساحة السياسية الفلسطينية - ومن خلفها جهود الوساطة الدولية - حراكًا مستمرًا. وتتواصل الاجتماعات بين وفود فلسطينية ومسؤولين دوليين في محاولة لترتيب الأوضاع الإدارية والاقتصادية في قطاع غزة، بما في ذلك اجتماعات لجنة إدارة غزة في العاصمة المصرية القاهرة، الهادفة إلى إدارة شؤون القطاع في ظل فراغ مؤسسي عميق خلّفته سنوات الحرب.
ويأتي هذا الحراك وسط ضغوط تمارسها فصائل فلسطينية لإبعاد شخصيات من لجنة إدارة غزة لا تعتبرها مناسبة، من بينها اللواء المتقاعد سامي نسمان من جهاز المخابرات العامة، على خلفية قضايا أمنية وتهم وأحكام غيابية صدرت بحقه سابقًا، إضافة إلى شخصيات أخرى، من بينها رامي حلّس المكلّف بملف الأوقاف الدينية. كما تعذّر سفر عدد من أعضاء اللجنة المتواجدين داخل قطاع غزة، ما قد يؤدي إلى تأجيل الاجتماع أو تقليص نطاقه.
في المقابل، يندرج موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضمن مسار سياسي يسعى إلى تفريغ مسار التهدئة من مضمونه العملي، إذ اعتبر أن الإعلان الأميركي عن الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق غزة لا يتجاوز كونه خطوة رمزية. ويعكس هذا التوصيف رغبة إسرائيلية في إبقاء هامش المناورة العسكرية والسياسية مفتوحًا، ورفضًا ضمنيًا للالتزامات التي قد تفرضها هذه المرحلة، ولا سيما ما يتعلق بالانسحاب من الخط الأصفر، وفتح معبر رفح، والالتزام بوقف شامل لإطلاق النار، أو الدخول في أي ترتيبات سياسية وإدارية طويلة الأمد في القطاع.
ويرافق هذا الحراك دعوات فلسطينية ودولية إلى احترام الهدنة، وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية، والبدء بعملية إعادة الإعمار، في حين تبقى المناقشات حول تنفيذ المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار محور جدل مستمر بين الفصائل الفلسطينية والدول الوسيطة.
الحياة اليومية في ظل الحرب والشتاء
وسط هذا التصعيد والمأساة الإنسانية الممتدة، يعيش سكان غزة حياتهم اليومية في حالة من القلق الدائم. فاللاجئون في المخيمات يقاومون البرد، وحالات النزوح الداخلي تتزايد مع تدهور الظروف السكنية والصحية، ما يجعل الحياة في غزة مزيجًا من القلق على البقاء والتحمّل فوق طاقة بشرية منهكة.
رغم ما سُمّي "المرحلة الثانية" من اتفاق وقف إطلاق النار، فإن الواقع على الأرض في غزة لا يعكس حتى احترامًا محدودًا للهدنة. فالعمليات العسكرية، والاغتيالات، والظروف المناخية القاسية تتفاعل مع أزمة إنسانية عميقة، تضع السكان في حالة بقاء دائم وسط ألغام سياسية وقتالية متشابكة. وبينما يستمر المجتمع الدولي في الدعوة إلى احترام الهدنة وتخفيف معاناة المدنيين، يبقى السؤال الأبرز: كيف يمكن التوصل إلى وقف شامل ومستدام لإطلاق النار يضمن حياة كريمة لسكان غزة، ويضع حدًّا لدوامة القتل والمعاناة؟






