شهادة| بين الكرم وتفرد الموهبة.. ماذا قال فريد الأطرش عن شقيقه المطربة أسمهان؟
21 يوليو 2025
يحتفي المركز الثقافي الروسي بالتعاون مع جمعية محبي فريد الأطرش بذكرى المطربة الراحلة أسمهان. وذلك بمسرح تشايكوفسكي بالبيت الروسي في حي الدقي مساء اليوم الاثنين الموافق 21 تموز/يوليو 2025.
ومنذ رحيلها في 14 تموز/يوليو 1944، لم تنقطع الكتابات عنها سواء بأقلام من عاصروها أو من شغفوا بسيرتها ورحيلها الغامض. وأصبح واضحًا أن أغلب هذه الكتابات تركز على الدور السياسي الذي لعبته أسمهان ومحاولة استنتاج روابط وأواصر جمعتها بمخابرات الدول الكُبرى خلال فترة حساسة من تاريخ المنطقة العربية والعالم أثناء الحرب العالمية الثانية. وعلى الرغم من هذا الاهتمام الواضح بسيرة أسمهان ومحاولة ربطها بأمور سياسية من جهة وجندرية من جهة أُخرى، فإن الزمن أثبت أن ما تركته أسمهان من أغنيات وأعمالٍ فنية، ظلَّ صداه مؤثرًا ومُلهمًا إلى يومنا. أما سيرتها فقد كُتبت أكثر من مرة بأقلام من عاصروها سواء كان محمد التابعي أو فؤاد الأطرش أو أحمد سالم، قبل أن تصدر العديد من الدراسات والكتب حول سيرتها.
ما تركته أسمهان من أغنيات وأعمالٍ فنية، ظلَّ صداه مؤثرًا ومُلهمًا إلى يومنا
ولأن الصحافة الورقية الفنية، كانت ولا تزال معينًا لا ينضب لأخبار الفنانين وحياتهم فإن مجلة الكواكب (6 أيلول/سبتمبر 1955) قد احتفظت لنا بمقالةٍ نادرةٍ كتبها شقيقها فريد الأطرش عن شقيقته المطربة أسمهان؛ يضيء من خلالها جوانب فنية وشخصية متنوعة، جاء فيها:
كانت أسمهان فنانة في كل شيء حتى في أكلها وشربها وملبسها وكانت تمضي فترات تميل إلى العزلة فتهرب من الناس وتبالغ في الهرب منهم وتتجنب بقاءهم حتى اعتقد البعض أنها متكبرة متعجرفة.
وكانت في بعض الأحيان تحب الحياة المليئة بالصخب والضوضاء وهذا حال الفنانين، وقبل أن تعرف أسمهان الحياة الفنية، كانت تعيش في البيت حياة كلها هدوء وبساطة وكانت تميل إلى القراءة والاستماع إلى الموسيقى، وأستطيع أن أقول إن أسمهان كانت تحفظ عن ظهر قلب أكثر من 20 ديوانًا من الشعر العربي وعددًا كبيرًا من أبيات الشعر الفرنسي، وكانت أحب رياضة إليها في تلك الأيام السير على الأقدام لمسافات طويلة.
ولم تكن طفولة أسمهان تدل على أنها ستصبح مطربة، كانت تذهب إلى المدرسة لتتعلم كما تقضى تقاليد أسرتنا على كل فتاة، وكنا نلاحظ أنها تميل إلى الجلوس بجوار "فونوغراف" تستمتع إلى قصائد أم كلثوم وأغاني غيرها من المطربات والمطربين، ولم يخطر بذهن أحد أن أسمهان لها صوت جميل، إلى أن حدث ذات يوم أن دعتنا أسرة صديقة تقيم في حلوان إلى تناول طعام الغداء وذهبنا جميعًا إلى بيت هذه الأسرة وبعد تناول الغداء جلسنا نستمع إلى أغنية لأم كلثوم سجلتها على أسطوانة وهى أغنية "إن كنت أسامح وأنسى الأسية" وكان إعجابنا كبيرًا بهذه الأسطوانة الأمر الذى جعل صاحب البيت يعيد وضعها على الفونوغراف عدة مرات.
وبعد ساعات قررنا العودة إلى البيت وفى الطريق فوجئنا بأسمهان تغنى الأغنية بصوت رخيم أثار دهشتنا وإعجابنا في آن واحد.. وفى ذلك اليوم عرفنا لأول مرة أن أسمهان تتمتع بصوت جميل، وبدأ الصراع بيننا وبين تقاليد أسرتنا وانتهى بالنصر لنا، وأصبحت أسمهان مطربة رغم أنف هذه التقاليد.
وكانت أسمهان كريمة إلى حد الجنون، وقد سبب لنا كرمها متاعب ولكنها متاعب طريقة لا بأس من رواية بعضها هنا.
حدث أن كُنّا نقيم في حي جاردن سیتي، وكانت أسمهان في هذا الوقت في سن السادسة عشرة، وحدث في أول يوم من الشهر أن أعطيت أسمهان مبلغ عشرة جنيهات وهو قيمة إيجار الشقة التي تقيم فيها، وطلبت منها أن تعطيها لوکیل صاحب العمارة التي تسكنها وتأخذ منه إيصالًا.
وعندما اجتمعنا للغداء ظهرًا فوجئنا بزيارة وكيل العمارة يطلب الإيجار، وقلت لأسمهان اذهبي وأعطيه المبلغ... ولكن اسمهان ارتبكت وظهرت عليها مظاهر الاضطراب فلما استوضحتها الأمر قالت إن إحدى صديقات الأسرة ، وهي زوجة صيدلي معروف ، زارت بيننا في الصباح تسأل عن والدتنا فلما لم تجدها قالت لأسمهان إنها جاءت لتقترض مبلغ عشرة جنيهات لتنقذ بها سمعة زوجها المهدد ببيع صيدليته، وانهمرت الدموع من بين هذه الصديقة، فأخرجت أسمهان الجنيهات العشرة وأعطتها لهذه السيدة... وأضافت أسمهان أنه في إمكان صاحب البيت أن ينتظر ولكن ليس في إمكان زوح صديقتنا أن يُشهر إفلاسه بسبب عشرة جنيهات، واضطررت إلى إخراج جنيهات أُخرى وأنا أضحك من كرم أسمهان!
وكانت أسمهان تعطف على الفقراء عطفًا كبيرًا... وكانت الدموع تملأ عينيها كلَّما رأت متسولًا يسير في الطريق مادًا يده.
وحدث أن كانت تسير في الطريق وتقدم نحوها متسول يطلب إحسانًا، وفتحت أسمهان حقيبتها فلم تجد بها غير بضع أوراق مالية فئة الخمسة جنيهات، وأخرجت أسمهان ورقة منها وقالت للمتسول:
"خذ نصيبك".
أما أسمهان المُطربة فكانت ذات إحساس فني مُرهَف... ومقدرة قوية على فهم اللحن بعد سماعها له مرة واحدة... وأروع خصائصها كمطرية – وأنا اتحدث عنها كملحن – كانت تغني بإحساس، وكانت تحس بكل ما تقوله إحساسًا عميقًا صادقًا... وكانت كل قطرة في عروقها تهتز مع أحاسيسها، لهذا كانت أسمهان مطربة لن يجود الزمان بمثلها.
وقد لمعت أسمهان لمعانًا سريعًا بعد ظهورها في دنيا الطرب... ونجحت بسرعة شديدة واستطاعت أن تكتسب الإعجاب والتقدير إلى جانب الاحترام الكبير.
أسمهان المُطربة فكانت ذات إحساس فني مُرهَف... ومقدرة قوية على فهم اللحن بعد سماعها له مرة واحدة
إن اسمهان بموتها قد تركت – وأنا اقول هذا كمنتج سينمائي وفنان –فراغًا كبيرًا في دُنيا الموسيقى والغناء.