شمال شرق سوريا.. تنافس ثلاثي على ترسيم حدود السيطرة

شمال شرق سوريا.. تنافس ثلاثي على ترسيم حدود السيطرة

تحول شمال شرق سوريا إلى ساحة نزال أمريكي روسي (Getty)

بدأت القوات الروسية إقامة قاعدة عسكرية جديدة قرب الطريق المؤدية إلى مدينة تل أبيض بريف الرقة الشمالي، والتي تبعد عن مدينة الرقة الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة 10 كيلومترات. تمدد القوات الروسية في شمال شرق سوريا، يزعج الأمريكيين الذين قطعوا عدة مرات الطريق أمام روسيا، في رسالة إلى موسكو تفيد بأن القوات الأمريكية ما زالت قوة مسيطرة في المنطقة، رغم الانسحاب إلى المناطق النفطية بريف دير الزور. 

تمدد القوات الروسية في شمال شرق سوريا، يزعج الأمريكيين الذي قطعوا عدة مرات الطريق أمام روسيا، في رسالة إلى موسكو تفيد بأن القوات الأمريكية ما زالت قوة مسيطرة في المنطقة، رغم الانسحاب

روسيا أيضًا ردت بالمثل على المضايقات الأمريكية الأسبوع الماضي، وقام مسلحون موالون لنظام الأسد بإطلاق النار على دورية للجيش الأميركي في قرية خربة عمو جنوب شرقي مدينة القامشلي والخاضعة لسيطرة قوات موالية للأسد وذلك بوجود قوات روسية وقت الحادثة التي انتهت باستهداف المقاتلات الحربية الأمريكية للمنطقة، ما سمح بخروج الآليتين الأمريكيتين المحتجزتين من القرية، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان.

اقرأ/ي أيضًا: بعد الانسحاب الأمريكي.. هل ستدير روسيا الصراع شمال شرق سوريا؟

دعم أمريكي لأنقرة

تزامن الاحتكاك بين القوات الأمريكية والروسية مع زيارة المبعوث الرئاسي الأمريكي للملف السوري جيمس جيفري إلى أنقرة التي تشهد علاقتها توترًا مع روسيا في شمال غرب سوريا، بسبب الهجوم الروسي على إدلب، وأعلنت أنقرة سابقًا عن عدم رضاها من تنفيذ الاتفاقية مع موسكو بما يخص انسحاب قسد من المنطقة الشمالية الشرقية عقب عملية "نبع السلام"، وعلقت مشاركتها في الدوريات المشتركة مع روسيا قبل أن تعاود استئنافها.

حيث شهدت المنطقة اشتباكات وقصفًا مدفعيًا متبادلًا بين القوات التركية والجيش الوطني السوري من جهة وقسد من جهة أخرى في ريف تل تمر. في ظل تحركات للقوات التركية والجيش الوطني في منطقة رأس العين بريف الحسكة.

وقالت وزارة الدفاع التركية في بيان، إن الميليشيات الكردية تواصل انتشارها في المناطق الواقعة شرق وغرب منطقة عملية "نبع السلام"، رغم التفاهم المبرم مع روسيا حول انسحابهم.

جيفري الذي أجرى محادثات مع الجانب التركي،عبّر باللغة التركية عن دعم بلاده لتركيا العضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وعلق مراقبون على زيّ جيفري الذي ارتدى بنطالًا ترتديه قوات المارينز الأمريكية وسترة رسمية، واعتبروها رسالة إلى موسكو.

من جهته تبنى النظام السوري الهجوم على الدورية الأمريكية، وقالت وكالة أنباء النظام الرسمية (سانا) بأن "حاجز الجيش أوقف أربع عربات تابعة لقوات الاحتلال الأمريكي كانت تسير على طريق السويس – علايا – خربة عمو إلى الشرق من مدينة القامشلي، وعندها تجمع مئات الأشخاص عند الحاجز من قريتي خربة عمو وحامو لمنع عربات الاحتلال من المرور وإجبارهم على العودة من حيث أتوا".

واتخذت الدوريات العسكرية الأمريكية نقاطًا ثابتة على الطريق المؤدي إلى معبر سيمالكا، الحدودي بين سوريا والعراق، الذي يُستخدم لأغراض إنسانية ولإدخال المساعدات والمواد الإغاثية إلى مناطق شرق الفرات. وتعمل القوات الأمريكية على توسيع قاعدة تل بيدر في ريف القامشلي شمال محافظة الحسكة، بغية نقل قوات إليها من قواعدها المجاورة، بالتزامن مع نقلها لصواريخ من العراق إلى هذه القاعدة، بحسب صحيفة العربي الجديد.

ونقلت الصحيفة عن مصادر مقربة من "قسد"، أن القوات الأمريكية في ريف الحسكة بدأت بناء قاعدة عسكرية في منطقة تل براك. ومهمة القاعدة العسكرية الجديدة مراقبة الطرق الواصلة بين مطار القامشلي ومدينة الحسكة، وأهمها الطريق الدولي M4، الذي تحاول روسيا السيطرة عليه، ويشهد توترًا بين القوات الأمريكية والروسية.

في المقابل قالت وكالة سبوتنيك الروسية إن عناصر حاجز لقوات النظام المتمركزين في قرية تل اللبن (14 كم غربي بلدة تل تمر شمالي غربي الحسكة)، منعوا دورية للقوات  الأمريكية من العبور في الطريق الدولي M4، ورفضوا طلبهم بإنزال العلم الروسي عن هذه النقطة العسكرية.

تمتين الحلف الأمريكي التركي

تشير الأحداث الميدانية وتعمق الخلاف الروسي التركي مع فشل الاجتماع بين الوفدين على مستوى نواب الخارجية يوم الثلاثاء في موسكو، إلى أن الاتفاق بين البلدين حول شمال شرق سوريا قد يواجه مصيرًا مشابهًا لاتفاق خفض التصعيد في إدلب وهو يعني انتهاء دور تركيا كلاعب إقليمي في سوريا، خاصة مع وجود الميليشيات الكردية في المنطقة. وكان إلغاء القوات التركية دورية مشتركة مع الروس في المنطقة مؤشرًا على ذلك. إلا أن الدعم الأمريكي لقسد قد يضبط التحركات التركية التي تحتاج دعم واشنطن في المرحلة الحالية عقب أزمة الثقة بين أنقرة وموسكو.

بعد مقتل قاسم سليماني قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني في عملية أمريكية، قالت موسكو إن الولايات المتحدة قتلت سليماني لأنها خسرت في سوريا، حيث تضع روسيا عينها على منطقة شرق الفرات النفطية الخاضعة لسيطرة قسد المدعومة أمريكيًا، وتحاول روسيا التي تدعم النظام السوري، أن تكسر نفوذ طهران في المنطقة المتمثل بالميليشيات الأجنبية، من خلال تشكيل ميليشيات تابعة لها من أهالي المنطقة. ويرى مراقبون أن مقتل سليماني قد يمنح روسيا ميزة إضافية في سوريا، لكن الانعطاف المفاجئ في مجرى الأحداث ربما يسبب مشاكل أيضًا للرئيس الروسي فلاديمير بوتين. في ظل هذه الأحداث يزداد نفوذ النظام السوري الذي يحتمي بالقوات الروسية في المنطقة.

وتحاول روسيا جذب الميليشيات الكردية إلى طرفها، من خلال لعب دور الوساطة بين قسد والنظام السوري، حيث قالت إلهام أحمد رئيسة الهيئة التنفيذية لـ"مجلس سوريا الديمقراطي" (مسد)، إن النظام وافق على البدء بمفاوضات سياسية مع قسد بوساطة مِن روسيا، مشيرة إلى لقاء انتقل من قاعدة حميميم الروسية إلى دمشق للاجتماع مع علي مملوك رئيس مكتب الأمن الوطني التابع لنظام الأسد.

اقرأ/ي أيضًا: كيف غيّرت سوريا مقاربة إيران العسكرية؟

منطقة آمنة أم منطقة صراع؟

تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى تثبيت موطئ قدمها في سوريا كونها باتت أقل تأثيرًا من قبل في الملف السياسي، وخروجها من المنطقة يعني خروجها نهائيًا من الملف السوري، بعد كل ما دفعته خلال السنوات الماضية، إضافة لكون المنطقة خط مواجهة وردع في صراعها مع إيران.

يرى مراقبون أن مقتل سليماني قد يمنح روسيا ميزة إضافية في سوريا، لكن الانعطاف المفاجئ في مجرى الأحداث ربما يسبب مشاكل أيضًا للرئيس الروسي فلاديمير بوتين

ويلفت مراقبون إلى أن الفوضى على الأرض قد تسمح لتنظيم الدولة الإسلامية بالنهوض مجددًا في سوريا. فمنذ آذار/مارس الماضي زادت الهجمات التي شنّها التنظيم في محافظة دير الزور بنسبة 26 في المئة مقارنة بمعقله في العراق. ومما لا شكّ فيه أن حصر 600 جندي أمريكي في منطقة منكمشة في شمال شرق سوريا، سيحدّ من قدرة الولايات المتحدة على جمع المعلومات الاستخباراتية ومنع التنظيم من استعادة السيطرة على الأراضي، مرجحين تحول "المنطقة الآمنة" التي تسعى تركيا إلى إنشائها إلى منطقة خطرة، مع جولات جديدة من التفجيرات وأعمال الخطف والتعذيب والاغتيالات التي تستهدف الناشطين واللاجئين الذين فروا من مجازر النظام السوري منذ سنوات.