"شكوى رقم 713317".. حين تتحوّل ثلاجة معطلة إلى فضاء للعلاقات الأسرية المتشابكة
25 نوفمبر 2025
"الشكوى لغير الله مذلّة".. مثل مصري شهير يعبّر عن نتيجة الشكوى بوجهٍ عام؛ سواء كانت مجرّد فضفضة لمن لا يستحق وتعريّة لروحنا أمامه، أو شكوى لاستعادة حقٍ والجري خلفه. ورغم أن الأمر قد يكون ضروريًا ومن حقنا الإنساني، إلا أن رحلة السعي خلف الشكوى قد تجلب بالفعل شيئًا من المذلة ناهيك عن المجهود النفسي الكبير، ومن هنا جاءت فكرة فيلم "شكوى رقم 713317" والذي فاز الفيلم بجائزة آفاق السينما العربية للسيناريو في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الأخيرة 46.
قبل عرض الفيلم تكوّنت لدى الجمهور انطباعات لازمته طوال مدة مشاهدته، قبل أن يستثمرها الجمهور في مناقشاتٍ متواصلةٍ بعد العرض. ففيلم المخرج والسيناريست ياسر شفيعي أعطى الجمهور انطباعًا من خلال الملصق (البوستر) الرسمي أنه يشبه فيلم "فوتو كوبي" الذي قام ببطولته الفنان محمود حميدة، للسيناريست هيثم دبور والمخرج تامر عشري وقد عُرض عام 2017. ويبدو أن قدر تشابه الأسماء رافق العملين، ففيلم "فوتوكوبي" الذي قام ببطولته حميدة كانت ترافقه الفنانة شيرين رضا، بينما فيلم "شكوى 713317" رافقه البطولة الفنانة شيرين وسيناريو وإخراج ياسر شفيعي. كما أن العملين يدوران حول علاقات الزواج بعد سن الستين.
سعدت جدًا بأن قصة ياسر شفيعي مختلفة تمامًا عن قصة "فوتو كوبي" على عكس ما توقّعه بعض الجمهور. ربما وُجد تماس في بعض المشاهد بين حالتي الحب في الفيلمين، خصوصًا لكونهما يتعرضان للحب في الفئة العمرية نفسها، لكن القصة هنا مختلفة بشكل كبير، وهو ما أثار إعجاب الجمهور.
أما أنا، فأنجذب إلى نوعية الأفلام التي تنتمي لسينما المؤلف والتي يتبنّى فيها المخرج عملًا من كتابته برؤية واضحة ومميّزة. وقد أراد ياسر شفيعي - في اعتقادي - أن يؤسس عالمًا يشبهه بعناصر مستمدة من زمن انقضى مع لمسة نوستالجيا يتمسّك بها الكثير من المبدعين.
الثلاجة.. جزء من الماضي والحاضر
لم يكن فريزر الثلاجة وحده الذي غلبه الزمن في شقة مجدي؛ فكل ديكورات البيت وأثاثه بدت من طراز قديم، حتى ورق الحائط وطاولة المطبخ وسيراميك الحمام كلها عناصر وظّفت لإعطاء طابع خاص لشخصية مجدي الذي لا يتنازل عن هوية بيته بسهولة، وليس فقط عن جهاز أصابه التلف، فقط يحتفظ هو وسما بنظافة هذا البيت وترتيبه طوال الوقت.
لم تعبِّر الثلاجة عن الماضي والحاضر فحسب، بل عبّرت أيضًا عن عجز مجدي أمام إصلاحها، وتعنت خدمة العملاء تجاه أصحاب الحق، وهي أزمة يواجهها كثيرون
ومع هذه التفاصيل القديمة بالمنزل جاءت فساتين شخصية سما بألوان الباستيل وتفاصيل ملابسها أقرب لعالم السبعينيات، وهكذا جمع شفيعي بين الماضي ممثّلًا في الثلاجة القديمة والأثاث والملابس، والحاضر ممثّلًا في مشكلات مجدي مع خدمة العملاء وغلاء الأسعار واهتزاز الطبقة المتوسطة التي أصبحت مضطرة لإعادة التفكير كثيرًا قبل شراء أي جهاز أصبح الإنسان المعاصر في حاجة أساسية إليه.
أكثر من مجرد ثلّاجة
لم تعبِّر الثلاجة عن الماضي والحاضر فحسب، بل عبّرت أيضًا عن عجز مجدي أمام إصلاحها، وتعنت خدمة العملاء تجاه أصحاب الحق، وهي أزمة يواجهها كثيرون. كما عكست الثلاجة أزمة الرجل الشرقي في التعامل مع مال زوجته واعتبار المسألة تخص كرامته.
وجاء السيناريو الذي فاز بجائزة مهرجان القاهرة السينمائي متماسكًا في بناء شخصية مجدي والاهتمام بالخطوط الفرعية: علاقته هو وسما بجارته (هنا شيحة) وعلاقتهما بابنهما، والتي عرفنا تفاصيلها عبر حوار إلكتروني موجز دون إطالة، بنمط يناسب الحبكة الرئيسية التي تدور حول علاقة مجدي وسما والثلاجة.
ولم يتوقف دور الثلاجة عند المشكلات، بل أصبحت فردًا من أفراد القصة؛ تُخفي أشخاصًا في أحد المشاهد داخلها لخلق كوميديا الموقف، وتظهر كشاهدةٍ على أحداث بين الشخصيات بتعليقات بسيطة وذكية.
ولأن الأزمات تستدعي التراجيديا، لجأ شفيعي إلى كوميديا الموقف والإفيه، واختار ضيوف شرف بارعين أبرزهم الفنانة إنعام سالوسة التي صفق لها الجمهور فور ظهورها على الشاشة، إذ أدت في البداية دورًا صوتيًا كوميديًا، ثم ظهرت لاحقًا بأداء قوي.
كما قدّم الفنان محمد رضوان أداءً لافتًا بدور عامل الصيانة الذي يتباهى بخبراتٍ يعرفها وأخرى لا يعرفها، وهو نموذج واقعي للغاية.
أما الفنان محمد عبده فظهر كسُلطة قانونية تحكم بين الطرفين فيما يخصّ الثلاجة، ليكشف الفيلم عن أزمات يومية نعيشها، وتورّطنا في البحث عن حكيم يحل المشكلة بعد أن زدنا الطين بلة.
والثلاجة سحبت في يدها بقية أجهزة المطبخ، مثل أجهزة المطبخ التي نقلتها سما لغرفتها وصورها شفيعي على السرير في إظهار فوضى ما بعد تفاقم أزمة الثلاجة وتوتر العلاقة بينها وبين مجدي.
الإضاءة وشريط الصوت… عزفٌ متناسق
استخدم ياسر شفيعي الإضاءة بذكاء؛ فاستعان بإضاءة الثلاجة ذاتها وزوايا تصوير تُظهرها من الداخل أثناء الكشف على عطلها. كما استخدم الإضاءة بأشكالٍ مختلفة للتعبير عن الزمن ودلالاته: مكالمة مجدي لخدمة العملاء نهارًا، وتكرار المكالمات في تسلسل مع انتقال الإضاءة إلى إضاءة خافتة مصدرها الأباجورة في غرفة النوم والذي أظهر تكرار الشكوى في كل وقت مما يبرر انفجار مجدي غاضبًا في النهاية.
أما شريط الصوت، فقد وُظِّف ببراعة؛ من الموسيقى المتصاعدة مع محاولات إصلاح الفريزر وسرعة إيقاع الموسيقى بالتوازي مع مشهد عيد ميلاد سما والتي مهدت للمفاجأة الدرامية التي حرّكت الأحداث، وهو ما قاد إلى تصاعد الانفعالات لاحقًا.
ولم يغفل شفيعي استخدام أصوات البيئة المحيطة والطبيعة: صوت القطار في الخلفية كمؤشر على التوتر المتصاعد، تصاعد صوت القطار بعنف في لحظة مواجهة مجدي وسما، ثم صوت المطر في النهاية كرمزٍ لصفاء الروح بعد التعبير عن الغضب واستعادة مجدي لحق طالما بحث عنه طوال حياته.
كما استعان شفيعي بصوت إغلاق قنوات التلفزيون المشوّشة قديمًا، كإسقاط على تشوش عقل مجدي المتردد. وكذلك تكرار صوت فتاة الإعلانات التي تناديه لاتخاذ القرار، مع جرعة من الخيال في كل ظهور إعلاني مما خلق عنصرًا جذابًا يُدخلنا إلى عقل هذا الرجل المُسن الذي تمنعه كرامته وذكوريته من شراء ثلاجة جديدة.
الفيلم مكتمل العناصر بالنسبة لي وملاحظتي الوحيدة عليه هي شخصية سما التي كان يمكن أن تظهر بشكل أفضل من ذلك، فكنت أحب أن أعرف المزيد عن سما وتفاصيلها؛ فقد بدا بناء شخصية مجدي أقوى وأكثر تماسكًا بالنسبة لي. كما كان أداء الفنان محمود حميدة أكثر تميزًا من أداء الفنانة شيرين رغم تألقها مؤخرًا في الدراما التلفزيونية. وربما كانت إصابتها بكسر كبير في الركبة أثناء التحضير للفيلم وعودتها بعد فترة طويلة للتصوير سببًا في هذا الأمر، على كل تبقى الإجابة على هذا الأمر في جعبة الفنانة شيرين وحدها.
"شكوى رقم 713317" فيلم جيد يستحق المشاهدة فتحية لصناعه.







