"شكرًا" عزيزي الدكتاتور!

جرائم الأسد ألهت اللاعبين الخارجين عن الشأن العراقي (رويترز)

بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، كان الحاكم العسكري للعراق المحتل، جي غارنر، يمهد في أقل من شهر الطريق لحاكم العراق المدني بول بريمر، الذي تولى مهمة تشكيل مجلس الحكم العراقي والإشراف على كتابة الدستور الجديد. ثم شهد العراق حتى يومنا هذا أربع انتخابات نيابية منحت العراق 4 رؤساء وزراء من حزب الدعوة هم ابراهيم الجعفري، ونوري المالكي لدورتين، ثم حيدر العبادي.

إيران المتمددة في الأراضي السورية، صارت تشكل صداعًا كبيرًا للولايات المتحدة، وإغراءً أكبر لإسرائيل باستغلال الفوضى هناك

خلال الأعوام الـ15 الماضية، اعتادت الأذن العراقية على سماع هذه العبارة: "شخصية تحظى بمقبولية الولايات المتحدة وإيران"، الأمر الذي جعل تأثير نتيجة الانتخابات غير مشروط على اختيار رئيس السلطة التنفيذية في البلاد، وبمساعدة من قانون الانتخابات الذي يحلو للعراقيين تلخيصه بـ"تريد أرنب خذ أرنب، تريد غزال خذ أرنب!".

اقرأ/ي أيضًا: غزو العراق.. تفتيت الهوية وإفقار الشعب في رحلة الكذب الأمريكي

لكن الأمر مختلف بعض الشيء هذه المرة، فالدكتاتور الذي حرق جارتنا العزيزة سوريا، لفت الأنظار خلال السنوات الأربع الأخيرة إليه أكثر من أي وقت مضى خلال حربه الضروس للحفاظ على كرسيه، فإيران المتمددة في الأراضي السورية، صارت تشكل صداعًا كبيرًا للولايات المتحدة، وإغراءً أكبر لإسرائيل باستغلال الفوضى هناك.

هذه الفوضى التي أشعلت خلال الشهور الأخيرة عاصفة من الشد والجذب والضربات الجوية المعلنة ومجهولة المصدر، وتدفق المال السياسي، لتتداخل فيها نيران تنفذها خمسة أفواه رئيسية على الشام، السعودية وإيران وتركيا والولايات المتحدة وإسرائيل. هذه الأفواه فصلت العراق عن محيطه الإقليمي، الذي يدس أنفه أكثر مما يجب في سياسات العراق الداخلية، بجدار هائل من الغبار والدخان الذي خلفه الصراع، ففي الوقت الذي ستجري فيه الانتخابات، هناك من ينظر إلى القدس وسيناريو نقل السفارة الأمريكية، وهناك من ينظر إلى إيران ما بعد انسحاب ترامب من الاتفاق النووي، وهناك من ينظر إلى الجولان والحدود السورية الإسرائيلية.

ثمة أمر جعل العراقيين ساسة وناخبين ومقاطعين للانتخابات، في حيرة كبيرة، هناك خمسة قوائم شيعية رئيسية: "النصر والفتح وسائرون والقانون والحكمة" وثلاث سنية رئيسية: "التضامن والقرار وبغداد" وقائمة إياد علاوي الشيعي المحسوب على السنة "الوطنية". وأغلب هذه القوائم احتسبت بشكل مباشر أو غير مباشر على الولايات المتحدة أو السعودية أو تركيا أو إيران، لكن هؤلاء الأربعة منشغلون الآن في الساحة السورية، وفي ساحة الحرب التي يراقبها الدكتاتور غير عابئ بشيء سوى البقاء في منصبه.

الحيرة الانتخابية قد تحيل رئاسة الوزراء في نهاية المطاف إلى ما يقرره الناخب العراقي رغمًا عن أنف قانون الانتخابات، والحديث هنا عن كتلة تفوز بحصة الأسد ترشح رئيس وزرائها وفق هوى العراقيين وباقي الفائزين الذين ستحتاج لتصويتهم خلال دورة البرلمان المقبلة، ليصبح رئيس الوزراء القادم عاريَ الظهر من أي سند سوى العراق والعراقيين.

الحيرة الانتخابية في العراق وسببها الانشغال بما يحدث بسوريا، قد تحيل رئاسة الوزراء في النهاية لما يقرره الناخب فعلًا!

لأجل هذه الخدمة العظيمة غير المقصودة حتمًا، ورغم أنك دمرت بلادك وقتلت شعبك ومزقت سيادتك وفتحت أبواب عاصمتك لكل من هب ودب عربيًا كان أم أجنبيًا، أقول لك بينما يقبع الآن كلانا في حصاره، أنا خلف عوازل إسمنتية مزينة بالأشرطة احتفالًا بالانتخابات، وأنت بجدار غير مرئي من الكآبة يحبسك في دمشق التي لم تعد تملك منها غير حرسك الخاص وبضعة قصور زائلة.. أقول لك ممتعضًا: شكرًا عزيزي الدكتاتور!

 

اقرأ/ي أيضًا:

في 2000 كلمة.. ماذا يحدث في الانتخابات العراقية؟

صورة الدكتاتور