ultracheck
  1. قول

شكرًا بن غفير!

6 يونيو 2026
بن غفير
إيتمار بن غفير وهو يتهجّم على معتقلي "أسطول الصمود" (منصة إكس)
بسام بونني بسام بونني

يظهر إيتمار بن غفير في مشهد تمثيليّ وهو يحاول الخلود إلى النوم، لكن صوت الأذان يمنعه من ذلك. فيقف فجأة ملوّحًا بمنع "الضوضاء الصادرة من المساجد"، وهو ما يعتزم فعله بالمناسبة. معظم وسائل الإعلام الغربيّة لا تزال مُصرّة على تقديم وزير الأمن القوميّ الإسرائيليّ بوصفه "متطرّفًا".

في نهاية الشهر المنقضي، قامت الدنيا ولم تقعد، عقب نشر بن غفير تسجيلًا يظهر فيه وهو يستمتع، مع جنود إسرائيليين، بالتنكيل بنشطاء "أسطول الصمود" المتضامنين لكسر الحصار عن غزة في ميناء أسدود. إثر ذلك، وصفت الحكومة الإسرائيلية التسجيل بأنه "استعراض مخزٍ يضر بصورتها ولا يتوافق مع معاييرها". كما سارعت حكومات غربية، من بينها فرنسا وإيطاليا وهولندا وكندا، إلى استدعاء سفراء إسرائيل لديها "لتقديم تفسير".

عن أيّ معايير تتحدّث الحكومة الإسرائيليّة، وعدد من أعضائها مطلوبون دوليًّا على خلفيّة حرب الإبادة في غزّة، بدءًا برئيسها، بنيامين نتنياهو؟ ثُمّ، ما هو التّفسير الإسرائيليّ الّذي تنتظره حكومات غربيّة لأحداث أسدود؟ إنّ بن غفير يُخرج لسانه للعالم بأسره، وهو يقول: "هذه حقيقتنا!" لم يترك بن غفير جريمةً إلّا وارتكبها، خَطابيًّا على الأقلّ. فدعا إلى تجويع سكّان قطاع غزّة وسوّق لضرورة تصفية المقاومة ومؤيّديها، بما في ذلك أولئك الّذين "يُوزّعون الحلوى"، وعمِل على تسليح الإسرائيليّين، بمنح 100 ألف رُخصة حيازة سلاح ما بين تشرين الأوّل/أكتوبر 2023 وآذار/مارس 2024. 

بيد أنّ حالة الإنكار المستشرية في النّخب السّياسيّة والثّقافيّة والإعلاميّة الغربيّة لا يُمكن أن تحجب عنّا حقيقة أنّ "الهبّة الأخلاقيّة" الأخيرة ضدّ بن غفير مصدرها هو أنّ عددًا من ناشطي "أسطول الصّمود" كانوا يحملون جنسيّات تلك الدّول

كما تهجّم على المعتقلين الفلسطينيّين، وفي مقدّمتهم القياديّ في حركة "فتح"، مروان البرغوثيّ، وكشف صراحة على نيّات حكومة نتنياهو بفرض واقع ديمغرافيّ جديد، حين صرّح، بداية عام 2024، بأنّ حرب الإبادة يجب أن تتحوّل إلى فرصة "لتعزيز إعادة توطين سكّان غزّة". وحين دانت إدارة الرّئيس الأميركيّ السابق، جو بايدن، تلك التّصريحات، ردّ بن غفير بأنّه "بالرّغم من أنّ الولايات المتّحدة هي أفضل أصدقائنا، لكنّنا سنقوم قبل كلّ شيء بما هو لصالح دولة إسرائيل، فهجرة مئات الآلاف من غزّة سيسمح للسّكّان في الغلاف بالعودة إلى منازلهم والعيش بأمان"، وهو ما تبنّاه الرّئيس الأميركي، دونالد ترامب، بأشكال وصيغ مختلفة.

بيد أنّ حالة الإنكار المستشرية في النّخب السّياسيّة والثّقافيّة والإعلاميّة الغربيّة لا يُمكن أن تحجب عنّا حقيقة أنّ "الهبّة الأخلاقيّة" الأخيرة ضدّ بن غفير مصدرها هو أنّ عددًا من ناشطي "أسطول الصّمود" كانوا يحملون جنسيّات تلك الدّول، وهي "هبّة أخلاقيّة" لن تكون الأولى ولا الأخيرة.

لنعد، على سبيل الذّكر لا الحصر، إلى نيسان/أبريل 2024. قصفت إسرائيل، يومها، قافلة لمنظّمة "المطبخ العالميّ المركزيّ"، ليسقط سبعة ضحايا من أستراليا والمملكة المتّحدة وبولندا وفلسطينيّ يحمل الجنسيّتين الأميركيّة والكنديّة. انهالت مواقف الإدانة والشّجب على إسرائيل، وسط دعوات للتّحقيق، بل وكتبت "ذي إندبندنت" في افتتاحيّتها تقول: "هذه ليست قصّة دعائيّة لحماس (...) لقد أصبح عمّال الإغاثة السّبعة الّذين قُتلوا في غارة جوّيّة إسرائيليّة رمزًا للطّريقة المتهوّرة الخارجة عن القانون الّتي أدار بها بنيامين نتنياهو هذه الحرب".

لنتجاوز توصيف الصّحيفة البريطانيّة لما يجري في غزّة بالحرب، على خطورته من حيث التّضليل. لاحظوا جيّدًا استخدام المقال لعبارة "قصّة دعائيّة لحماس"، أي أنّ كلّ ما يُقدّم من أرقام - وللمفارقة، لم تنفه إسرائيل نفسها - هو مجرّد دعاية، مقابل التّركيز حصرًا على سبعة قتلى، والحال أنّه، في يوم صدور تلك الافتتاحيّة، كان عدد الشّهداء قد تجاوز ثلاثين ألفًا إلى جانب عشرات الآلاف من الجرحى والمفقودين، ناهيك عن الدّمار الهائل الّذي حلّ بقطاع غزّة.

لا يتعلّق الأمر، هنا، بازدواجيّة معايير أخلاقيّة، بل بشكل بدائيّ شديد التّطرّف لخطاب التّفوّق العرقيّ. فسبعة قتلى، من جنسيّات بعينها، أهمّ بكثير من ثلاثة ألفًا آخرين لكونهم فلسطينيّين. وهذا الخطاب، تحديدًا، نمط متّبع منذ عقود طويلة، أعقبت إنشاء إسرائيل.

ولسائل أن يسأل، هنا، ما هو الخطّ الفاصل بين بن غفير – ومعه وزيري الماليّة، بتسئليل سموتريتش، والتّراث، عميحاي إلياهو – وبقيّة أعضاء الحكومة الإسرائيليّة؟ قد نفهم التّوجّه التّصنيفيّ، في دوائر صنع القرار الغربيّ، لدرجة تطرّف المسؤولين الإسرائيليّين، بعيدًا عن الفِعل في حدّ ذاته، في مواضع سابقة أخرى.

ففي عام 2009، صدر كتاب مفزع بكلّ المقاييس، تحت عنوان "شريعة الملك"، للحاخامين، يستحاق شابيرا ويوسيف اليتسور، يعتبر صراحة أنّ "أفضل الأغيار هو الميّت"، ويُضفي شرعيّة على قتل الأطفال بالقول – والكلام موجّه لقوّات الاحتلال إنّ "من حقّكم أن تخشوا أن يُصبح الأبناء أشرارًا مثل آبائهم". ويضيف الحاخامان أنّ إسرائيل غيرُ معنيّة بقوانين الحرب، باعتبارها نصوصًا لا تنطبق سوى على الدّول غير اليهوديّة.

وبرّأ النّائب العامّ الإسرائيليّ، عام 2012، الكاتبين من تُهمة التّحريض، وهو ما أيّدته المحكمة العليا الإسرائيليّة، عام 2015. لكن، على أرض الواقع، شاهدنا كيف أنّ "شريعة الملك" هي الّتي سادت بالفعل، في حرب الإبادة في غزّة، سواء في استهداف الأطفال، أو في التّعامل مع القانون الدّوليّ.

ولا أخال أنّ الدّول الغربيّة الّتي لا تزال تُزوّد جيش الاحتلال بالعتاد الحربيّ والدّعم السّياسيّ تجهل أنّ "المبرّرات الشّرعيّة" لكلّ تحرّك إسرائيليّ هي في صميم عقيدة الكيان، بل وأنّ الأمر ضارب في القِدم. ولسنا بحاجة، هنا، إلى إعادة عقارب السّاعة إلى عقود خلت، بل إلى عام 2008 فحسب. ففي تلك السّنة، أصدرت "رابطة حاخامات أرض إسرائيل" نصًّا يُقرّ بوضوح بأنّ "الشّريعة اليهوديّة تُبيح قصف التّجمّعات السّكّانيّة المدنيّة الفلسطينيّة وأنّ التّوراة تُجيز إطلاق قذائف على مصدر النّيران حتّى لو وُجد بها مدنيّون"، وهو بالضّبط، ما شهدناه في غّزة – ولا نزال.

ولا أخال أنّ الدّول الغربيّة الّتي لا تزال تُزوّد جيش الاحتلال بالعتاد الحربيّ والدّعم السّياسيّ تجهل أنّ "المبرّرات الشّرعيّة" لكلّ تحرّك إسرائيليّ هي في صميم عقيدة الكيان، بل وأنّ الأمر ضارب في القِدم

وبالرّغم من أنّ مفاتيح إسرائيل كلّها بيد نتنياهو، فإنّ هناك إصرارًا غربيًّا يرقى حدّ الجريمة على أنّه مختلف عن بن غفير. ولهذا، لم يكن مفاجئًا أن تقتصر العقوبات المحتشمة الّتي صدرت بين الفينة والأخرى، على وزير الأمن القومي الإسرائيليّ ومعه وزير الماليّة، دون غيرهما، وكأنّهما طرفان مستقلّان عن المنفّذين الفعليّين للمحرقة الّتي تعيشها غزّة، وامتدّت إلى الضّفّة الغربيّة.

وبين نتنياهو والإرهاب عقود طويلة من التّلاحم والانصهار. ففي عام 2006، احتفل رئيس الوزراء الإسرائيليّ بالذّكرى السّتّين لتفجير تنظيم "إيرغون" الإرهابيّ لفندق الملك داود بالقدس المحتلّة. واكتفت السّفارة البريطانيّة، آنذاك، بالتّعبير عن اعتقادها بأنّه "من غير الصّائب إحياء ذكرى عمل إرهابيّ".

الإشكال أنّ الدّول الغربيّة الدّاعمة لإسرائيل تتوهّم أنّ بن غفير مجرّد هدف سهل، من اليسير فرض عقوبات عليه دون أن يمسّ ذلك من "واجبها الأخلاقيّ" إزاء الكيان، والحال أنّه يُمثّل تيّارًا يتّسع أكثر فأكثر ويفرض على معظم القوى السّياسيّة الإسرائيليّة التّعامل معه بجدّيّة، أي التّحالف معه، ببساطة، مع إقرار ضمنيّ بأنّه الوعي المُتكلّم باسم الطّبقة السّياسيّة الإسرائيليّة، بل والخُلاصة النّهائيّة والطّبيعيّة للفكر الصّهيونيّ.  

كلمات مفتاحية
عزمي بشارة

هجوم "معاريف" على عزمي بشارة: "صناعة عدو" وتغطية للفشل في معركة الدعم الأميركي

عندما تبدأ أقدم تحالفات إسرائيل وأكثرها موثوقية في منطقة الشرق الأوسط بالتآكل بشكل واضح، يُتاح أمام المعلقين والباحثين المهتمين بالشأن الإسرائيلي عادةً مسارٌ يستحيل انتهاجه

الحوار المهيكل

إعادة تشكيل السلطة التنفيذية في ليبيا بين منطق التسوية وإعادة إنتاج المرحلة الانتقالية

يقف المشهد السياسي الليبي أمام مفارقة مركّبة: من جهة، تبدو الحاجة إلى سلطة تنفيذية موحّدة شرطًا عمليًا لإنهاء الانقسام المؤسسي وتوفير بيئة انتخابية قابلة للإدارة

إيتمار بن غفير

من "العائلات الثكلى" إلى "المواطن الأمني": كيف تعيد إسرائيل توزيع العنف داخل المجتمع؟

أثار قرار وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير بتعيين أفراد من "العائلات الثكلى" كمراقبين على أوضاع الأسرى الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية جدلًا واسعًا

(Getty)
مجتمع

ماذا نعرف عن قانون "المساعدة على الموت" الذي أقرّه البرلمان الفرنسي؟

ينشئ القانون إطارًا قانونيًا جديدًا يسمح لبعض المرضى البالغين المصابين بمرض غير قابل للشفاء يهدد حياتهم بالحصول على مساعدة لإنهاء حياتهم

وزارة الثقافة المصرية
مجتمع

وزارة الثقافة المصرية تبحث عن وزير.. أبرز الأسماء ومعايير الاختيار

منذ أن تقدمت الدكتورة جيهان زكي باستقالتها من منصب وزيرة الثقافة، تصاعدت التكهنات داخل الأوساط الثقافية بشأن الشخصية التي يمكن أن تخلفها

كوليج دو فرانس
حقوق وحريات

القضاء الفرنسي ينتصر للحرية الأكاديمية.. إلغاء قرار منع ندوة المركز العربي في كوليج دو فرانس

ألغت المحكمة الإدارية في فرنسا قرار كوليج دو فرانس القاضي بإلغاء ندوة بعنوان "فلسطين وأوروبا: ثقل الماضي والديناميات المعاصرة"

كأس العالم 2026
رياضة

"خيانة التيكي تاكا".. كيف أنقذ أطفال الشوارع المنتخب الإسباني من فخ الاستحواذ السلبي؟

قطف المنتخب الإسباني ثمار بيئته، حيث اعتمدت صناعة المواهب في إسبانيا على الساحات والأرصفة الخرسانية المنتشرة في طول البلاد وعرضها