شقق لندن تكشف شبكة إبستين.. ضحايا ونقل عبر الحدود رغم تحذيرات الشرطة
24 ابريل 2026
كشف تحقيق أجرته شبكة "بي بي سي" أن الممول المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين أسكن نساء اعتدى عليهن في عدة شقق بلندن، خلال السنوات التي تلت قرار الشرطة البريطانية عدم التحقيق معه.
وعثر التحقيق على أدلة بشأن أربع شقق استُؤجرت في حي كينسينغتون وتشيلسي الراقي، من خلال إيصالات ورسائل بريد إلكتروني وسجلات مصرفية واردة ضمن "ملفات إبستين".
وقد تقدمت ست نساء ممن أقمن في هذه الشقق لاحقًا شهادات تفيد بأنهن كنّ ضحايا لاعتداءاته.
وكان العديد من هؤلاء النساء، من روسيا وأوروبا الشرقية ومناطق أخرى، قد نُقلن إلى المملكة المتحدة بعد أن قررت شرطة العاصمة عدم التحقيق في ادعاء عام 2015 الذي تقدمت به فيرجينيا جوفري، والتي قالت إنها كانت ضحية اتجار دولي بالبشر إلى لندن.
وقالت شرطة لندن إنها اتبعت "مسارات تحقيق معقولة" آنذاك، إذ أجرت مقابلات عدة مع جوفري عقب شكواها، وتعاونت مع محققين أميركيين.
وأظهرت رسائل بريد إلكتروني ضمن الملفات أن بعض النساء اللواتي أقمن في الشقق اللندنية تعرضن لضغوط من إبستين لتجنيد أخريات ضمن شبكة الاتجار الجنسي، كما كنّ يُنقلن بانتظام إلى باريس عبر قطار "يوروستار" لزيارته.
هذه الشبكة توسعت بشكل أكبر مما كان معروفًا سابقًا، مع زيادة عدد الضحايا، ووجود بنية تحتية منظمة مثل توفير السكن، إلى جانب تنقل النساء بشكل متكرر عبر الحدود، واستمر ذلك حتى وفاة إبستين، رغم التحذيرات التي وُجهت إلى الشرطة البريطانية.
فتح الادعاء في باريس تحقيقين بشأن أنشطة إبستين في فرنسا، يركزان على الاتجار بالبشر وغسل الأموال، مشيرًا إلى أن ثلاث نساء تقدمن بشكاوى ضد أشخاص من دائرته
إبستين والعائلة الملكية البريطانية
واتيح للشرطة البريطانية فرص أخرى لفتح تحقيق في أنشطة إبستين داخل المملكة المتحدة، إلى جانب شكوى جوفري التي قالت إنها تعرضت للاتجار وأُجبرت على ممارسة الجنس مع الأمير أندرو ماونتباتن- ويندسور عام 2001، وهو ما نفاه الأخير دائمًا.
وكانت السلطات البريطانية قد اعتقلت ويندسور، شقيق الملك تشارلز الثالث، لمدة 11 ساعة، قبل الإفراج عنه مع إبقائه قيد التحقيق.
ويُعد الأمير شخصية ملكية بارزة، سبق أن شغل منصب المبعوث البريطاني للتجارة الدولية. وجاء اعتقاله للاشتباه في إساءة استخدام المنصب العام، فيما نفى جميع الاتهامات الموجهة إليه.
وترتبط القضية بشبهات حول علاقته بإبستين، بما في ذلك مزاعم تتعلق بتبادل معلومات خلال توليه منصبًا رسميًا، وهو ما فجّر أزمة تُعد من الأكبر التي تواجه العائلة المالكة البريطانية منذ عقود.
تقرؤون في: اعتقال أندرو ماونتباتن-ويندسور يضع الملكية البريطانية أمام أكبر اختبار منذ 1936
وبحلول أوائل عام 2020، تقدمت امرأة ثانية بشكوى إلى شرطة لندن تفيد بأنها تعرضت للاعتداء من قبل إبستين داخل المملكة المتحدة، وفق ما توصل إليه التحقيق، دون وضوح ما إذا تم اتخاذ إجراء بشأن هذه الشكوى.
كما كانت السلطات البريطانية على علم في عام 2020، بعد وقت قصير من وفاة إبستين في السجن أثناء انتظاره المحاكمة، بأن الممول استأجر شقة واحدة على الأقل من الشقق التي حددها التحقيق، وفق وثيقة واردة في الملفات.
وقالت المحامية في مجال حقوق الإنسان تيسا غريغوري، من شركة "لي داي"، لـ"بي بي سي" إنها "مصدومة" من عدم فتح أي تحقيق من قبل الشرطة البريطانية، بعد الاطلاع على نتائج التحقيق.
وأضافت: "عندما تكون هناك ادعاءات موثوقة بالاتجار بالبشر، فإن الدولة في المملكة المتحدة، حتى في حال عدم تقدم الضحايا، ملزمة قانونيًا بإجراء تحقيق سريع وفعّال ومستقل".
من جهتها، قالت شرطة لندن: "ندرك واجباتنا بموجب المادة الرابعة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، ونحن واثقون من أننا أوفينا بها"، مشيرة إلى أن هذه المادة تكفل الحق في التحرر من العبودية والعمل القسري.
جيفري إبستين... مالك الشقق
وقبل أشهر قليلة من اعتقاله بتهم الاتجار بالأطفال لأغراض جنسية، ووفاته لاحقًا في السجن أثناء انتظار المحاكمة، كشف التحقيق أن إبستين كان يتبادل الرسائل عبر "سكايب" مع امرأة روسية شابة كانت تقيم في إحدى الشقق اللندنية التي كان يدفع إيجارها.
وأرسل لها صورة غير مدرجة ضمن الملفات، يُرجح أنها كانت له شخصيًا، لتسأله مازحة عن هوية الرجل الوسيم في الصورة.
فأجابها إبستين بأنه مالك الشقة، لكنه أشار إلى أنه، على عكس معظم المالكين، هو من يدفع الإيجار بدلًا من تحصيله.
وفي وقت لاحق، طلبت المرأة من إبستين أموالًا لدفع تكاليف دروس اللغة الإنجليزية في لندن، والمساعدة في شراء أدوات المطبخ والأثاث للشقة، كما طلبت نصائح بشأن تأشيرة لامرأة روسية أخرى كانت تنوي القدوم للإقامة.
ويكشف هذا التبادل الذي جرى عام 2019 أن إبستين ظل على تواصل مع النساء اللواتي أسكنهن في لندن حتى لحظة اعتقاله ووفاته، كما يظهر مدى تدخله في تفاصيل حياتهن اليومية.
وعلى خلاف الصور المنشورة ضمن "ملفات إبستين"، والتي يعود بعضها إلى عقود، عثر التحقيق على صور للنساء اللواتي أسكنهن في لندن منشورة عبر "إنستغرام" ووسائل التواصل الروسية، إضافة إلى مشاركتهن في جلسات تصوير لعلامات أزياء فاخرة.
وأظهرت إحدى الصور واجهة الشقة التي ذُكرت في محادثة "سكايب"، حيث ظهر في الخلفية جرس يحمل اسم المبنى، ما أتاح تحديد عقد الإيجار ضمن "ملفات إبستين".
كما قادت شحنة هدايا مسجلة في الملفات إلى شقة أخرى، بينما فقدت تفاصيل شقة ثالثة، استُؤجرت بين عامي 2018 و2019، ضمن كشف حساب بطاقة ائتمان مكوّن من 10 آلاف صفحة.
ووثّق هذا الكشف أيضًا نفقات المعيشة اليومية للمرأة التي كانت تقيم فيها، والتي كانت تمتلك بطاقة خاصة مرتبطة بحساب جيفري إبستين، مع مخصص شهري قدره 2000 دولار.
أما الشقة الرابعة، فقد ورد ذكرها في رسائل بريد إلكتروني متبادلة بين إبستين وإحدى النساء ووكلاء التأجير.
ورغم أن هذه الشقق تقع في مواقع مرغوبة، فإنها كانت أحيانًا مكتظة، حيث اضطرت بعض النساء للنوم على الأرائك. وأظهرت الرسائل أن إبستين كان يرد بغضب في بعض الأحيان على شكاوى النساء بشأن ظروف المعيشة.
وفي إحدى الحالات، قال إبستين إنه سيدفع إيجار إحدى النساء "كهدية" إذا عملت لديه لمدة ستة أشهر، وإلا فسيُعتبر المبلغ قرضًا يجب سداده. وفي رسالة أخرى، وجّه لها شتائم، واصفًا إياها بأنها "وقحة" وتتصرف بـ"سلوك مقرف"، وقال إنها "مدللة ولم تتحمل المسؤولية بعد".
وكشف التحقيق أن نساء أخريات كنّ يُجبرن على "العمل" لصالحه عبر استقطاب نساء أخريات لتعزيز شبكة الاتجار الجنسي.
وأرسلت إحدى النساء إلى إبستين صورًا لعارضات أزياء "جميلات" التقت بهن في لندن، حيث أبدى إعجابه بمظهرهن، فيما قالت إنها ستتحقق مما إذا كنّ مناسبات له. ولم يتضح ما إذا كانت أي من هؤلاء العارضات قد قُدّمت إليه بالفعل.
كما دفع إبستين تكاليف دراسة ما لا يقل عن خمس نساء في لندن، كثير منهن كنّ في المملكة المتحدة بتأشيرات طلابية.
نقل عبر "يوروستار"
استخدم إبستين قطار "يوروستار" لنقل بعض هؤلاء النساء وغيرهن من وإلى المملكة المتحدة دون انقطاع حتى اعتقاله من قبل السلطات الأميركية في تموز/يوليو 2019، حيث ازداد عدد التذاكر التي اشتراها لنساء شابات تدريجيًا في السنوات الأخيرة من حياته.
ويربط قطار "يوروستار" فائق السرعة بين المملكة المتحدة وعدة دول أوروبية، أبرزها فرنسا وبلجيكا، عبر نفق المانش تحت البحر.
وتبيّن أنه اشترى ما لا يقل عن 53 تذكرة لنقل نساء بين فرنسا وإنجلترا بين عامي 2011 و2019، مستفيدًا أحيانًا من أسعار "الشباب" المخفّضة لمن هم دون 25 عامًا.
وأظهرت الإيصالات أن 33 من هذه التذاكر جرى شراؤها بعد شكوى الاتجار التي تقدمت بها فيرجينيا جوفري عام 2015.
وخلال الأشهر الستة الأخيرة من حياته، نقل إبستين نساء من وإلى لندن عبر "يوروستار" 10 مرات، بينها حالة نقل قبل 16 يومًا فقط من اعتقاله.
وفي شباط/فبراير، فتح الادعاء في باريس تحقيقين بشأن أنشطة إبستين في فرنسا، يركزان على الاتجار بالبشر وغسل الأموال، مشيرًا إلى أن ثلاث نساء تقدمن بشكاوى ضد أشخاص من دائرته.
وبالإضافة إلى عمليات النقل عبر القطار، كشفت بي بي سي عن المزيد من الرحلات الجوية الخاصة والتجارية المرتبطة بإبستين من وإلى المملكة المتحدة، ليتجاوز العدد الإجمالي 120 رحلة. وكانت قد أفادت العام الماضي بأنها رصدت نحو 90 رحلة، كان على متن بعضها ضحايا بريطانيات.
تقرؤون المزيد في: من ترامب إلى ماسك.. ما الذي تكشفه الوثائق الجديدة في قضية إبستين؟