شعر العراق (1- 2).. القذيفة التي ترفض الهبوط

شعر العراق (1- 2).. القذيفة التي ترفض الهبوط

ضياء العزاوي/ العراق

ما يحدث على أرض الواقع من دمار وخراب كبير في شكل ومعنى الحياة العراقية، يستدعي نوعًا من الكتابة تتناسق معه وتفسره أي الخراب أو الموت، فالموت هو الصبغة الرئيسية التي تهيمن على النماذج المختارة التي نقدمها هنا. معاني الحب والحياة التي نراها هنا وهناك هي رد فعل على ما يحدث.

14 تجربة بين مهاجر ومقيم، بين منكسر ومنعزل، بين قاتل ومقتول، بين رافض ومرفوض... بحيث يكون الشعر هو الخلاص أو المُخدر الذي يحوي هذه التجارب، وهي تعبر عن حالاتها ودمارها النفسي والاجتماعي. إنّه شعر الأزمات الكبيرة ، والتحدي الكبير.

أنا وقلبي 

ﺘﻜﺎﺛﺮ.. 
ﺗﺘﻜﺎﺛﺮ ﺍﻟﺸﻮﺍﺭﻉُ ﺧلف ﺍﻟزﺟﺎﺝ
ﻭﻻ ﺗﺄﺗﻴن! 

ﻭحيدﻳْن ﻛﻨّﺎ..
ﻧﺮﻗﻊِ ﺍﻟﺸﺒّﺎﻙَ ﺑﺎﻟرﻳﺢ
ﻧﻨﺎﺩيكِ ﻣن ﻗلب ﻏﺎﺑﺔٍ ﻣن ﺣَﺠَر
 
"ﺷﺒﻌﺎﺩ" ﻳﺎ ﺣﺒﻴﺒﺘﻲ
ﻧﻨﺎﺩيكِ ﺑاﺳم ﺍﻟﻤﻨﺘﺤرﻳن ﻓﻲ ﺍﻟﻐُرﻑِ ﺍﻟﺤزﻳﻨﺔِ
ﻭﺍﻟﺤﻘوﻝِ ﺍﻟطﻠﻘﺔ
ﻧﺴﺄﻟُكِ..
ﻭﻧرﺳلُ "ﺍﻟﻔﺮﺍﺕ" ﻓﻲ ﺳﺎﻕِ ﻳﻤﺎﻣﺔ
ﻭﻻ ﺗﺄﺗﻴن!

ﻧﻨﺎﺩيكِ..
ﻓﺘرﺟﻊ ﺍﻟظﻼﻝُ ﻭﻳطﻴر ﺍﻟﻔﺠرُ ﻣن ﺍلأعشاش 
نكبر ﻋﻨد ﺍﻟطرﻗﺎﺕِ ﻣﺄﺧوﺫﻳن بخطواتِ ﺻوتكِ ﻳﺄﺗﻲ ﻣﺘﻌﺜرًا ﺑﺎﻷﺩﻏﺎﻝ
ﻣﺎ اﻟذﻱ ﻏﻴرﻩ؟
ﻳﺸﺒﻪُ ﻏَﺒش ﺍﻟزﻗوﺭﺍﺕ
ﻣﺎ ﺍﻟذي ﻏﻴر
ﻋﻠﻰ ﺗﻼﻝٍ ﻣن ﺍﻟﺠرﺍﺭِ ﻧﺠﻠس
ﻭﻧﺠﻤﻊُ ﺍﻟﻐﺎﺑﺔَ ﻟِﻌُرﻱ ﺯﻏﺎﺭيده ﺍلأوﻟﻰ
ﻓﻼ ﺗأﺗﻴن! 
***

ﻭﺣيدﻳْن ﻛﻨُّﺎ
ﻓﻲ ﻟﻴلِ ﺍﻻﻏﺎﻧﻲ ﺍﻟﺴّوﻣرﻳّﺔ
نعدُّ ﺍﻟﺴّﻤﺎﻭﺍﺕ الأنبياء
ﻭﻧﺴﻘﻲ ﺟﻨّﺎﺕ عدﻥ!

* إبراهيم الماس

أحاديث الأمهات

لم يسمحوا لي بلملمة ما تبقى من روائح صغيري، لترتيبها وضمها في خزانات أنفي، حيث وبعودته من الجبهة، كان مستعجلًا، وناسيًا كعادته، العديد من الأشياء، هذه المرة نسي يده اليمنى، وروحه كذلك، كان مكتفيًا برصاصة، في جيب رئته مع كيس ممزق لموت مستعمل، لكني ودون نتيجة، توسلتهم، وذهبوا به إلى متحف المقبرة، دون أن أراه، وهكذا لعدة أشهر، من التفريط بالبكاء بلا فائدة. اقترحتُ أن يقطفوا عيني، ويطعموها لفم القبر، عسى أن تطمئن على ابني، هناك، إذا ما كان بحاجة لسقيه بالنحيب. عسى أن تنمو يده أو يبلل جفاف قلبه بكائي، لكني تفاجأت وأنا أجد نوافذ القبر مفتوحة. فيما المكان خاليًا، كانت أصوات القصف والرصاص، تنبعث من ثقب يؤدي إلى الجبهة.

* آية منصور

نصّ الرحلة

عندما تهجرُ الحياة صورتها 
والجرحُ الشاسع في روح الله
يحبسُ آمالها التي تهاجر 
تكون أدنى كلمةٍ تتسببُ في جرحي. 
كنتُ أرقب وجهي وهو يمضي 
نحو بيت الفلاسفة الكبير 
في الغابة المريضة 
كلماتٌ كثيرة قفزت خارج العقل 
عندما كنا نيامًا في الضفة 
حتى أنني إذا غادرتُ الحواس
شعرتُ برأسي يتفرع شجرة 
يتجمعٰ من حولها الناس.. 
فأهذي أمامهم: الحقيقة أكثر ما يشغل الفلاسفة 
الحقيقة تحتشد. 
أو: صوتٌ يشبهُ صوتي، لعوالم متخيلة يتدحرج. 
أرتجفُ وأنا أهذي 
وحياتي انزلقت كقارب.. لمصير مجهول،
فنقلني شخص يدعى ألبير كامو 
إلى بيت الفلاسفة الكبير
وساعدني بكتابة رواية فلسفية عظيمة 
كرواية المحاكمة!! 
عندما كنتُ عائدًا من رحلة 
وانقلبتْ بنا عربة الحياة 
على طريق ترابي قديم 
لم أشعر بشيء وقتها، كنتُ ميتًا.. 
ووجدتُ بعد لحظةٍ (ربما كانت عامًا) 
الحياة على شجرة ميتة 
تحترق أمامي
ثم نقلتنا سيارة بلايزر إلى بغداد
وكان السائق يجتازُ الموانع والجنود 
والحافلات والمرايا
الذين قدّروا جرحنا إزاء الحياة 
سمحوا لنا بالمرور. 
وهكذا.. 
أدهشتني حياتي وهي تئّنُ
كمليون جرح لا يطيب..
وأحببتُ أن أكتب كلمة
لا معنى لها بارتقاب الحياة..
كلمة أخيرة... 
أغلق بها باب الرحلة.

* حسين البندر

جسدي ليسَ عنوانًا

جسدي ليسَ عنوانًا ثابتًا
أحيانًا أخرجُ منه
مثلَ عصفورٍ
ملَّ قفصَهُ الكئيب
وبلهفةٍ بالغة
أحلّقُ بعيدًا
ناسيًا كلَّ آلامهِ الشاسعة
ناسيًا اسمي
اسمي الذي يدلُّ عليّ
مثلَ لافتةٍ صغيرة
يعلقُها صاحبُ محلّ
كي يبيعَ بضاعتَه
يكتبُ لدينا فروعٌ أخرى
أنا أيضًا لديّ فروع
تنتظرُ عودتي إلى جسدي
جسدي أصبحَ ثوبًا باليًا
وكلما رتقتُهُ من جانب
تمزقَ من جانبٍ آخر
وصرتُ أستحي كثيرًا
حين أخرجُ من البيت
صرتُ ألوذُ بالجدران
مثلَ صورةٍ نسيَها الأهل
عندَ بيتٍ مهجور.
اسمي يشيرُ إليّ
ولا أشيرُ إليه
وهذا مايحدثُ دائمًا
حينَ يناديني صديقٌ
فلا أردّ عليه..

* حمدان طاهر المالكي 

في الجحيم، في غرفتي

في هذه الساعة المتأخرة من الليل، أقول: مرحبًا! أنا هنا. في ساعة متأخرة من الليل أكتبُ؛ لقد قضيتُ نهاري نائمة في الجحيم؛ ولم أجد رسالة على الهاتف. بريدي الإلكتروني لم يتلق منذ زمن إشعارًا ولو كان شيئًا أحرقه في صندوق المحروقات. وأزعم مع هذا بأنني موجودة في الحياة! غيرت الرقم السري، ولم أجد شيئًا آخر، لقد استيقظتُ، ولا أعرف لساعات ما الذي أفعله، أو مالذي تفعله امرأةٌ كلَّ مرة تصحو؟ لم يغير الزبانيةُ مكاني، حتى أنني طلبتُ جحيمًا آخر، ثم مُرر لي من خلف فتحة شباك المراجعات إيميل مكتوب تحته: "قدم طلبك هناك"، أرسلت للآن ألف إيميل لكنها جميعًا عادت إلي بإشعار عدم التوصيل. حاولتُ أن لا يتملكني اليأس بدلًا من هذا حاولتُ أن ألعب "كراش"، لكنني في كلِّ دور أتحطم. هل على امرأة تصحو كلَّ مرة أن تفعل الأشياء نفسها؟ حتى إن اكتُشفَ مؤخرًا أن ما عاشته قبل يوم لم يكن هو يوم الأحد، عاشته هكذا لأنه يوم السبت فقط؟ في النهار القادم سأشعر ببطء تام بضرورة أن تكون إنسانًا حقيرًا، عندما أملك القدرة على تجبير هذه الرضوض وتعلم إعداد طلب اللجوء. 

في الجحيم لا يسألونك عن الوحدة، ولا عن تهديدات القتل، أو عن حقوق المرأة وعدد المرات التي تعرضت فيها لتحرش جنسي. إنهم يدفعون بأيديهم كل يوم حصتك من الطعام الفاسد، ويضعون علامة جانبًا باسمك ورقم جحيمك. بإمكان كلّ فرد أن يعبر عن حرية يده، بأن يضغط واحدة على الأخرى بقوة وكأنه يشد على زناد، بمستطاعك أن تصرخ: إنه نهار رائع! إنهم لا يحكمون الأبواب ولا يضعون أحدًا في السجن، يتركون لك حرية فعل ما تشاء، تحك رأسك، تلطم صدرك، تفكر في الانتحار، تقرأ عن الجنس والروايات الممنوعة، تسب الرؤوساء والمثقفين، تأكل البطيخ وتنظف الحمام، تكفر بالدِّين أو تصبح إرهابيًا، تفخخ السجناء الآخرين أو تكتب لهم مقالة عن الحرب، يمكنك أن تفعل أي شيء فهذه ليست سجون الرأي، ما يتشابه بين النوافذ المفتوحة والسجون هي قضبان الحديد الصدئة، يمكنك أن تفتح أي باب للوصول إلى آخر، يمكن أن أفتح أي نافذة وأدخل أي باب، لكنني ضجرة ضجرة جدًا فصعب أن أعيش دون بريد إلكتروني وأنام وأصحو دون أن أجد رسالة واحدة على الهاتف.

أتصور أننا بعد أيام، سنتضخم، الأرض ستكون فكرة وطئناها وتطاولت علينا بحجم المسافة والطائرات، ومواقيت السفر، والعودة، والنوم، والغضب، ثم أتخمتنا بالصيف والجدب، مزجتنا بالكبرياء، والهشاشة، وفرت لنا الطين والصخر، ثم سقتنا بماء واحد، ثم فصلتنا في حجوم وآماد، نحسب أن اليوم أغنية، وهبتنا الأغاني والملل، والتكرار، الحياة والموت كثيرًا في أغنية، سجعتنا بالبلاغة بالفساتين، بموائد وطقوس، بأصابع وحواسّ طرية، ألجمتنا بشقوق مشؤومة نتجنبها -بين الأصابع عادة- ونقع في فتنتها، بعد ذلك.

ألهبتنا لذة الأسماء، وحين غضبنا حدّ أن لا ننام مثل طائر البوم، نرطم رؤوسنا بالهواء الثابت، بعد أيام سنتضخم بكل هذا الغضب، نقلب الأقفال، كمصاب بمرض التوحد، نحتسي ونضحك أننا وقفنا طويلًا على دكة بكاء خفيضة لنحبّ.

* صابرين كاظم
 

موووووووووووت 

(1)
ذاكرتي 
تمتلىء بالموتى،
لذا هي تصلح أن تكون ثلاجة لحفظ الموتى.

(1)
القتلة ، أخذوا من عزرائيل متعة الموت.

(1)
الشارع 
الذي رفض سيرنا عليه،
كان يدرك أننا ولدنا من الرصاص.

(1)
رأيته يأكل البارود 
سألته: ماذا تفعل؟
قال: أرغب بالعيش مثل رصاصة، ليطلقوني أنى شاؤوا.

(1)
نسيت رأسي 
بيد الذباح، 
وجئت أتدحرج مثل كرة زجاجية 
نحو فتحة فاتنة في جيب الأرض 
توهمتها مهبلًا يلدني مرة أخرى.

(1)
قتلانا 
يملؤون الشوارع 
مثل أعقاب السجائر، 
بانتظار من ينتشلهم إلى قبر نظيف.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ملاحظة: الرقم واحد، لأن الموت واحد لا يشبه أحدًا.

* صفاء سالم اسكندر

 

الطاولة 20

لا طاولة هناك 
في المطعم 
سوى الطاولة 20
أرتشف همومي 
بالتناوب 
أدخن ما تبقى من أصابع 
أصدقائي التي
ادخرتها بعد التفجير الأول 
في المطعم..
على تلك الطاولة 
لا شيء إلّا بعض الزهور 
والملاعق والشوكات
نفسها تلك الشوكات التي انغمست
في أجسادهم
بعد التفجير 
كل شيء للحياة
أصبح أداة موت 
على الطاولة 20
أضحك 
وأرقص
وأغني 
ويموتون 
على الطاولة 20
قلة حياة
وجثث أصدقائي.
 
* علي أصلان

 

اقرأ/ي أيضًا:

ثمة حربٌ هناك

ليس لي شأن في ذلك