شعب وعسكر وحرامية

شعب وعسكر وحرامية

فسيفساء رومانية في تونس (أ.ف.ب)

في إحدى أيام الشتاء الباردة قام رياضي بممارسة تمارين الصباح المعتادة في الغابة القريبة من بيته، هكذا تبدأ الحكاية، صديقنا الرياضي وبينما كان يقوم بحركات الإحماء ترأى لنظره عصفورا يرتعش لدرجة الاحتضار، نظر صديقنا لملابسه فلم يجد إلا تبانا قصيرا وقميصا خفيفا، ولم يكن عقله أكبر من عقل العصفور، فاستنتج أنّ ملابسه التي لم تدفئه لا يمكن أن تدفئ العصفور، في تلك اللحظة دارت معدته فتغوط فوق العصفور أملا في إنقاذه من البرد، زقزق العصفور وأثناء احتفاله بالحياة مرّ كلب هرم وجائع لم يأكل منذ أيام، سمع الزقزقة  فذهب إلى العصفور وانتشله من البراز وأكله.

أتت هبّة الشعب التونسيّ في كانون الثاني/ يناير2011 لتعيد الأمل لأمّة نسيت اسمها لعقود

للقصّة عبرتان، أن توضع في البراز ليس دلالة على إرادة الشرّ بك، وأن تنتشل منه ليس دلالة على حبّ الخير لك.

لعلّ هذه الحكمة تناسب الشعوب العربية، التي كانت تحتضر وتخرج من التاريخ شيئا فشيئا فلا تقدّم علمي ولا تكنولوجي ولا نظام صحيّ ولا أمن غذائي ولا جيوش تحميها من الغزاة، فقط هو الفقر والجوع وآلاف القتلى واللاجئين الحالمين برغد العيش بين مزابل أوروبا، هكذا كانت حالتنا كشعوب نعيش خارج حركة التاريخ وتمحى خارطتنا شيئا فشيئا من الجغرافيا، فتارة نبكي من المحتلّ الصهيوني وأخرى نصفق للدكتاتوريات خوفا. إلى أن أتت هبّة الشعب التونسيّ في كانون الثاني/ يناير2011 لتعيد الأمل لأمّة نسيت اسمها لعقود.

لم تكن هذه الثورات إلاّ ذاك البراز المذكور في حكمتنا الذي أنتجته نخبتنا السياسية الثورية التي لعبت دور الرياضيّ، وذلك لما أفرزته هذه الثورات من الصراعات الأيديولوجية والطائفية وجماعات التكفير والتطرّف لكلا الاتجاهين، فلم تلبث حالة السعادة طويلا في تونس ومصر وليبيا وسوريا لتنقلب إلى غمّ وهمّ ونحيب وبكاء على الرؤوس المقطوعة والأجساد المحترقة بالقنابل والصواريخ والبراميل المتفجرة وعلى المعابد والمتاحف المهدمة، وعن عودة تتار العصر في هيئة تنظيم دموي أطلق عليه تنظيم الدولة، فصار داعش فزاعة الحكام الجدد لإخافة الجماهير وإلهائها عن إكمال مسار حريتها وتحررّها بالكامل من أوثان الدكتاتورية والجهل والتخلف والتحاقها بركب العالم الحرّ، وابتدع بعض الإعلامين والمفكرين مصطلحات تسوّق لنوع جديد من الدكتاتورية المستنيرة أو الوطنية التي لا تهتم بحال الحرية في محاولة منها لاستنساخ عبد الناصر في مصر والحبيب بورقيبة تونسيا.

فرحت شعوبنا بعودة الحياة كطائرنا المذكور في القصة، وبدأت تحرّك أجنحتها لتتخلص من البراز الذي حرّك فيها الحياة، وتنطلق كغيرها من الأمم لتحلّق في سماء الكون، لكنّ صوتها العالي الذي لم تتعود به أجهزة القمع والنهب ولم يرق لأجهزة العسكر والبوليس ولوبيات الفساد المالي، الذين كانوا بمثابة ذاك الكلب الهرم الذي تخلى عنه أصحابه من قوى الإمبريالية العالمية، ولم يبق لهم إلا شعوبهم ليلتهموها في حفلة العشاء الأخير، قبل أن يطلق عليهم أسيادهم رصاصة الرحمة، ولتعود القوى الأجنبية غزاة من جديد إلى أوطان عملوا على تخريبها من الداخل على مدى أجيال.

فهل يكون مصير شعوبنا كمصير الطائر في القصة لتأكله كلاب العسكر والبوليس وتتقاسم جثته لوبيات الفساد المرتهنة للأجنبي، أو ما يصطلح عليه بالكمبرادور، أو تكون أسطورة طائر جديد تسقط أسطورة الفنيق وتنتصر على الأعداء في الداخل والخارج؟