شروق يشبه الغروب كثيرًا

شروق يشبه الغروب كثيرًا

عمل فني لـ كريستو وجان كلود

في المقعد الخلفي من السيارة كانت إلى جواري نائمة، أتأمل وجهها الخالي من مساحيق التجميل ومن النوم لعدة أيام، بدت مرهقة وجميلة وممتلئة بالحزن، وفي الوقت ذاته أكاد أسمع صوت ضحكتها، تلك الضحكة الجميلة العالية التي تخترق الظلام في داخلي وتمد لي يدا تمنحني الألفة وبعض الأمان، أرى شعرها الغزير وخصلات الكيرلي تحيطها من كل اتجاه، وأتذكر كيف كانت تحول دون أن يجمعنا كادر واحد في كل الصور التي اخذناها معًا، إذ كان شعرها يخفي ثلث وجهي دائمًا، لعلني اختبأت داخله كثيرًا.

أنظر إليها والطريق طويل، تفتح عينيها وتراني محدقا بها، فتسأل.. ما بك؟ أومئ برأسي أن لا شيء، وأذهب بعيني بعيدًا عبر النافذة، بعيدًا بعيدًا.. نحو السماء، تسألني إن كنت أرى الشروق، كانت السادسة صباحًا، أبتسم لها أن أرى وأفهم ما تعنيه، فقد كان من أمنياتها أن نقضي الليل نجوب الشوارع ونتنقل بين المقاهي حتى نرى الشروق. لكني كنت بعيدًا، أتذكر عندما سألتها في اليوم السابق إن كان لقاؤنا اليوم هو الأخير فلا داعي له، لا أطيق الوداع يا عزيزتي.. على عكس ما يبدو، لست قويًا كما أدعي، لست بتلك الصلابة التي أتحدث بها عند رحيل أحدهم، بينما السماء تأخذني بعيدًا، تتركني قرب الواحات، عندما كنت جنديًا، وعندما كان مشروعنا هو الحرب، هناك.. حيث شعرت لأول مرة بأقصى درجات الوحدة، بالخروج من العالم كليًا، كنا نستيقظ قبيل الرابعة صباحا لنشقى، نشقى ونتألم ونعاني وحسب، دون أن يرانا أحد أو يشعر بنا أحد، وننام منتصف الليل بالضبط، نفترش الأرض في يناير ونلتحف السماء، وأرى بعض النجوم من ثقب في الخيمة، بينما يخترق ظهري وقفاي هواء شديد البرودة من ثقب آخر، أو من واجهة الخيمة، لم أكن أشعر بأقدامي حينها، نذهب للنوم بينما أتمنى توقف الزمن، ليس نهائيًا، ولكن على الأقل لستة أشهر، لن يلاحظنا أحد، نحن هنا نعبث خارج العالم، فلا بأس ببعض الراحة، لا ضرورة لتكرار المأساة اليومية بعد أربع ساعات، تأخذني السماء لذلك المكان ولتلك اللحظة، فأشعر بالشيء ذاته، لو توقف الزمان هنا، بقينا في السيارة.. يقودها سائقها وتنامين، وأتأمل وجهك طويلًا وأرى ذلك الشروق وفقط، أحتاج لبعض الراحة يا عزيزتي.. لست سيئًا، ولست قويًا ولست شيء سوى ذلك الشاب المدرب على الخذلان، حتى الزمان يخذلني ولا يقف بي أبدا لبعض الراحة.

أذكر ما قالته لي عن ألا أكون دراميًا، لن يحدث شيء من هذا كله، لا وداع ولا فراق ولا أي شيء، فقط لتضمني مرة أخيرة، ولنحاول إعادة ترتيب أوراقنا بعد ذلك، هذا كل شيء يا عزيزي، وكل شيء يا عزيزتي يخيفني.. كل شيء.

يحيلني الخوف طفلًا يصدق أمه عندما تخبره أنها سترحل عنه وتتركه، يبكي ويركل الأبواب والجدران، يحتضنها باكيًا بينما يضربها، فأقضي الطريق مفتعلًا شجارات تمنحني بعض الطمأنينة، إذ تخبرني أننا ما زلنا معا، ومازال بإمكاننا الشجار.

نقترب من نهاية الطريق، منهكين تمامًا، وكلانا لديه ما يفزعه ويحزنه، نعرف أنها ليست ذنوبنا، اقتربنا أكثر مما ينبغي، وقع أحدنا في الحب بينما الآخر يصارع أشباحًا أخرى يراها وحده، تهاجمه نهارًا ولا ترحمه وقت نومه، لم نخطئ أبدًا، والحياة تحدث هكذا.. وبالرغم من تطابقها مع حقول الألغام ليس بها من شرف يجعلها تمنحنا لافتة تحذيرية واحدة!

ربما لم نكن لنتبعها على أي حال، لكن ما يهمني الآن أن تسامحيني.. فلم أكن أنا من يفتعل تلك الشجارات، إنما الطفل المذعور في داخلي يا عزيزتي.

انتهى الطريق عند البوابة الكبيرة اللعينة، التي تفتح على كل الاحتمالات، والتي غالبًا ما تنتهي بالتيه يا عزيزتي.. وهذا كل شيء.

 

اقرأ/ي أيضًا:

بيورنستيرن بيورنسون: الأب

على هيئة صخور صماء

:دلالات