شركات الذكاء الاصطناعي تشتري كتبًا قديمة ثم تتلفها
28 أغسطس 2026
بدأ باعة كتب نادرة ومستعملة في الولايات المتحدة يلاحظون خلال الأشهر الأخيرة نمطًا غريبًا في الطلب: جهات غير معروفة تشتري بكميات كبيرة كتبًا قديمة ومتخصصة، بعضها عناوين يصعب عادة بيعها، ومن دون مساومة تُذكر على السعر. من بين هذه العناوين كتب عن العلاج بالأكسجين المنزلي في إيطاليا، والتقاضي الزوجي في إنجلترا الوسيطة، والإجراءات المدنية في تكساس، والكوميديا السويدية في ستينيات القرن الماضي.
لم يكن الهدف، كما اتضح لاحقًا، جمع الكتب أو إعادة بيعها، بل تحويلها إلى بيانات تدريب لأنظمة الذكاء الاصطناعي.
تحقيق نشره موقع "404 Media" تتبع شحنة من الكتب النادرة باستخدام جهاز تتبع، وانتهى بها المطاف في منشأة تابعة لأمازون في لاس فيغاس.
وبحسب الموقع، تُستخدم المنشأة لمسح الكتب رقميًا من أجل إنتاج بيانات تدريب، فيما يقوم العاملون بقص تجليد الكتب وإزالة ظهورها لتسريع إدخال الصفحات إلى أجهزة المسح، ما يؤدي عمليًا إلى إتلاف النسخ الورقية بعد رقمنتها.
ولا تعني صفة "النادرة" هنا بالضرورة نسخًا أولى من أعمال أدبية شهيرة أو مخطوطات ثمينة. فكثير من الكتب المستهدفة عناوين محدودة التداول، أو أدلة قديمة، أو منشورات ذات جمهور ضيق. لكن قيمتها بالنسبة إلى شركات الذكاء الاصطناعي لا تتعلق بسوق الكتب بقدر ما تتعلق بشيء آخر، هو أنها تحتوي على نصوص كتبها البشر قبل الطفرة الحالية في المحتوى المولّد آليًا.
تشتري شركات الذكاء الاصطناعي الكتب القديمة، وتقصّها وتمسحها رقميًا، ثم تتلف النسخ الورقية بعد تحويلها إلى بيانات لتدريب نماذجها
هذه النقطة أصبحت أكثر أهمية مع اتساع استخدام النماذج اللغوية. فكلما امتلأ الإنترنت بنصوص مولّدة بالذكاء الاصطناعي، ازدادت حاجة الشركات إلى مصادر بشرية موثوقة لتدريب الأجيال التالية من النماذج. ويُنظر إلى الكتب المطبوعة القديمة بوصفها مخزونًا واسعًا من النصوص البشرية التي لم تتأثر بعد بانتشار المحتوى الاصطناعي.
ويرتبط ذلك أيضًا بمشكلة تعرف في أبحاث الذكاء الاصطناعي باسم "انهيار النموذج"، وهي تدهور محتمل في أداء النماذج عندما تُدرَّب بصورة متكررة على بيانات أنتجتها نماذج أخرى بدلًا من الاعتماد على مواد أصلية كتبها البشر. ولهذا أصبحت النصوص المطبوعة القديمة موردًا أكثر قيمة داخل سباق تدريب النماذج الجديدة.
وبحسب تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال، شهد بعض تجار الكتب النادرة طفرة في الطلبات الكبيرة من مشترين غامضين، وأثارت عمليات المسح الإتلافي مخاوف من ضياع كتب قد تكون محدودة النسخ أو غير قابلة للاستبدال.
وأشار التقرير إلى أن جهات مرتبطة بتطوير نماذج ذكاء اصطناعي، من بينها أمازون وأنثروبيك، ارتبط اسمها بعمليات جمع واسعة للكتب، مع اختلاف في أساليب الرقمنة والتعامل مع النسخ الأصلية.
القصة تكشف مفارقة لافتة في اقتصاد الذكاء الاصطناعي الحالي، فالأنظمة التي يُفترض أنها تمثل مستقبل المعرفة الرقمية أصبحت في حاجة متزايدة إلى كتب ورقية قديمة كي تحصل على نصوص بشرية "نظيفة".
وفي بعض الحالات، تمر هذه المعرفة من الورق إلى الخوادم عبر عملية نهائية وقاسية: يُشترى الكتاب، يُقصّ، يُمسح رقميًا، ثم لا يبقى منه سوى البيانات.