شرفة ديونيزوس

شرفة ديونيزوس

فسيفساء تصور ديونيزوس (Getty)

بعد أن نفدَ محصول العنب قرر النزول من فوق والبحث عن مكان يسكنه، فَاكترى شقة في الطابق الخامس من بناية تعود لعهد الاستعمار الفرنسي، أسقفها عالية ذات نقوش لولبية وأزهار توليب تزين الشرفات التي تطل على حي ببنايات لا تتجاوز الطابق الواحد. اشترى محصول سنة كاملة من العنب الأسود من فلاح في الشمال الغربي للبلاد هناك الكروم مذاقها ألذ. في الأعلى حُوِّل العنب كله إلى أنهار من الخمر؛ فالطلب في ازدياد كبير، لذلك قاموا بعصر كل المحصول وحُرِم هو من لذة قطف حبات العنب وأكلها الواحدة تلوى الأخرى.

كل صباح يأتيه شابّ حاملًا صندوقين كبيرين يصعد بهما الدرج لاهثًا، فيصل الطابق الخامس مزرقَّ الوجه متيبس الذراعين، يضع الصناديق أمام الباب ثم يطرقه مرتين ويغادر، لا يحب الساكن الجديد أن يتعرف إلى أحد، أو بالأحرى يخاف التواجد بين البشر فهو لم يعرف طباعهم بعد ولا يرغب في التواصل معهم حاليًا على الأقل.

يجلس على الكرسي الخشبي الوحيد في الغرفة، لم يَشترِ أي قطعة أثاث فهو لا يعلم ماذا يفعل بكل تلك الأشياء التي يحتاجها البشر، بينما هو لا يحتاج إلا لشيء يجلس عليه أما النوم فبإمكانه فعل ذلك حتى واقفًا. أجهز على الصندوق الأول في أقل من ساعتين، حلاوة العنب هنا تختلف عن تلك التي فوق، لم يستطع التوقف عن الأكل إلا عندما رأى الصندوقين فارغين.

امتلأت مثانته لدرجة شعر فيها بضيق شديد، وقف في الشرفة وترك لآلته مهمة التخلص من السوائل التي تقلقه، فأطلقها على الغارب هكذا كما يفعل الجميع هناك في الأعلى.

تفاجأ سكان الحي السفلى بالمطر الذي نزل فجأة فالسماء كانت صافية، ولم تكن هناك علامات لتقلب الطقس وتغيره، انهمر عليهم غيث برائحة زكية تذهب العقل وتبعث النشوة في القلوب، استبشر السكان خيرًا ورفعوا رؤوسهم شاكرين الرب. لم ينقطع نزول المطر لعدة أشهر باعثًا المتعة في سكان المدينة جاعلًا الاحتفالات تستمر لليال في الساحات والمنازل وغرف النوم والأسرة.

لم يكن يملك اسمًا بعينه. الكثير يعرفه بديونيزوس والقليل بباخوس، عندما كان فوق الكل يناديه باسمه الأول، هناك يملك قصرًا كبيرًا به صالة، على حائطها الأيمن مرآة عملاقة ينتشي الزائرون بالنظر لوجوههم فيها وقد احمرت من شدة السكر. اختص ديونيزوس في صناعة الخمر والتفنن فيه عبر إضافة نكهات مختلفة، لكن المنافسة واحتكار العنب الأسود اضطرته للنزول والاعتكاف في شقته ذات الطابع الفرنسي.

إفانا بيضاء كقطة جبن بعينين عسليتين وشعر مجعد مثل آلهة إغريقية. اعتادت الجلوس على التلة التي تطل على الحي السفلي بحثًا عن بعض الهواء المنعش، ذات يوم مع بداية اقتراب الخريف وفي آخر أيام الصيف الملتهبة اكتشفت سر الأمطار التي كانت تنزل دون إنذار. عادت يومها إلى البيت منبهرة عاجزة عن الكلام فما رأته من الشرفة يعجز إنسي عن إتيانه. ليلتها لم تفارقها رائحة التراب المبلل بالأمطار، رائحة مثيرة أشعلت حمى الرغبة فيها فلم تهدأ شهوتها إلا بعد أن سقت بمائها الفراش.

قررت أن تدخل الشقة والتعرف إلى ذلك الشخص، لعبت دور فتى الصناديق وطرقت الباب ثم لبثت تنتظر، فُتح الباب بعد قرابة عشر دقائق. وقفا متسرنمين كلاهما متفاجئ برؤية الأخر، هي بسبب المشهد الذي أمامها، لم تصدق أنه من الممكن أن يكون هناك بشر بهذه النضارة، بشرة مصقولة كالرخام جسم بعضلات بارزة وطول يقارب المترين أو أقل بقليل، ذقن طويلة مرتبة بعناية وشعر طويل يبلغ أسفل الرقبة. أما هو فهول المفاجأة كان أقوى لأنها كانت ثاني إنسي يلتقيه منذ أن نزل من فوق، تذكره بالتمثال الذي يتوسط غرفة المرايا في قصره، لفت انتباهه شعرها المجعد الذي رفعته عاليا فبدا كأنه عناقيد عنب أسود.

 لم يتحدثا تلامسا فقط ثم تعانقا فأسكرتها الرائحة المنبعثة من جلده المرمريّ، أما هو فقد غاص بوجهه في شعرها مستنشقًا رائحته بقوة مالئًا رئتيه بالعطر الذي ينبعث منه، أحس بالدم يجري في عروقها وبنبضها عندما أمسك معصميها، لم يعتد هذا الشعور مع بني جنسه. استلقت على الأرض قائلة أنا إفانا آلهة الأرض فاحرث أرضك واسقها مثلما سقيت الحي السفلى، كانت تصرخ جاحظة "احرث أرض الرب" كلما دفع بآلته فيها، التحمت الأرجل والأذرع والشفاه وانصهرت ثم بدأت في الارتفاع عن الأرض إلى أن قاربت السقف، عندها بلغت النشوة ذروتها بعدها ارتخت الأجساد وهدأت إلى أن لامست الأرض من جديد.

هبت أول نسائم الخريف من الشرفة، داعبت جسميهما المستلقيين على الأرض، لم يعتد أبدا ديونيزوس على الفراش فما زال يحب النوم واقفًا، والمضاجعة أرضًا أو معلقًا في الفضاء وأكل العنب الأسود حبة حبة. فجأة سمعا بكاء طفل صغير في المهد فسارعا إليه، طفلة صغيرة لم تتجاوز السنة وكأنها غادرت توًا إحدى اللوحات التي اعتدنا رؤيتها في الكنائس مصورة ملائكة بأجنحة بيضاء. عندما وقف بها في الشرفة كفّت عن البكاء وابتسمت فانقشعت السُّحب، وسطعت الشمس.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أنا الماضي وهي

من الريفِ البعيدِ إلى قلبِ المدينةِ الصاخبة