شرفةُ الحياة.. بوابةُ الموت

شرفةُ الحياة.. بوابةُ الموت

بوابة رفح، لعنة تلاحق الفلسطيني في حله وترحاله(أحمد حجازي/Getty)

أستيقظُ باكرًا على رنين منبهِي الذي أعددته جيدًا قبل أن أهم بالنوم، وكأنه سيوقظني فعلاً! تشيرُ الساعةُ إلى الرابعة والنصف فجرًا أتوضأ استعدادًا للصلاة، متجهًا إلى غرفة والدي. أفكر قبل مهمةِ إيقاظه ألفَ مرّة لماذا لا أدعه من كل هذا الشقاء، فلعله يكون بالجنة وأسرقه بفعلتي لدنياه البائسة، ولماذا أتركهم يقتلون الإنسان فيه في كل مرة نذهب فيها هناك؟

بوابة رفح، لعنة تلاحق الفلسطيني في حله وترحاله، الدخول والخروج منها أشدُ ألمًا من مخاض الأم قبيل الولادة

أحدث نفسي بأننا مقبلون على قطعة العذاب تلك، حيث يفصلنا عن الموت والحياة شعرة. أنين وحشرجة تسيطر على أجواء غرفته، أحيانًا يصمت، لا أدري هل هو ميت أم أنه وُهِب الحياة، لا يدلنِي على ذلك إلا إنصاتي لدقات قلبه الندّية، فما تلبث إلا أن تعلق بدقات قلبي، لترزقني بدورها الحياة.

أحنو بالقرب منه، أناديه بأحب الأسماء إليه، أداعب روحه ليستيقظ مبتسمًا، نؤدي الصلاة جماعةً ثم أخرجه لفناء البيت، فهو يحرص منذ مرضه أن يتابع ميلاد الحياة فأجده شاهدًاعلى باكورة أطيافِ الشمسِ، شاكرًا لها ما تغزله فوقَ وجنتيه من تحياتٍ وابتسامات.

أتجه لغرفته مسرعًا، لمراجعة الأوراق الرسمية، الشهادات الطبية، التي تصِف حالته بشكل جيد، وجوازات السفر. أجري مكالمة للسائق مؤكدًا موعدنا، الطريق من مخيم المغازي إلى معبر رفح لا يحتاج إلى أكثر من ثلاثين دقيقة، ولكن نوهم أنفسنا إذا حضرنا باكرًا أن قد يكون لنا نصيب من السبق، فحالي كحال الكثيرين الذين لا يملكون تنسيقًا للدخول.

بوابة رفح، لعنة تلاحق الفلسطيني في حله وترحاله، الدخول والخروج منها أشدُ ألمًا من مخاض الأم قبيل الولادة، ها أنا أصل البوابةَ الخارجيةَ للمعبرِ بصعوبة، نظرًا لتكدس المواطنين المحتاجين للسفر، وكأنه يوم الحشر.

أقضي ووالدي الذي يرقد فوق كرسيه المتحرك خمس ساعات متواصلة، على البوابة الخارجية للمعبر، من الجانب الفلسطيني، يسمح لنا بالدخول بعد أن تدهورت حالته الصحية أكثر، يبدو أن الحظ وقفَ هذه المرة في صفي، حتى اللحظة. نستقل سيارة من البوابة الخارجية حتى الداخلية، لقطع مسافة لا تتجاوز 400 متر تقريبًا، ندفع خلالها للسائق 10-15 شيقل أي ما يعادل 2 دولار للراكب الواحد.

أدخل الصالة الفلسطينية، أسلم جوازات السفر للجهات المختصة، للتأكد من صلاحيتها وختمها، ثم وبعدَ جهدٍ جهيد، نفسيٍ أكثر من أن يكون جسديًا، يُحدد لي رقم الحافلة الذي سأتجه بها من البوابة الفلسطينية إلى المصرية، في مرحلة الانتظار التي حاولت جاهدًا أن أستجمع الأذكار فيها، أرهقتني قصصٌ شتى، خوف وترقب وكثير من الدعاء.

يتحكم الجانب المصري في هذه النقطة، نصعد الحافلة وأتعمدُ أن أُلفتَ انتباه والدي عن سيارات التنسيق التي تدخل إلى الجانب المصري دون عناء يذكر، ألفت انتباهه بالنكات أحيانًا وبروح الدعاء التي يحب، أو بالحديث عن أمر ما يجذبه، فاستقرار حالته الصحية هو هدفي رغم كل الذي نمرّ به من ألم الانتظار.

تتوقف الحافلة رقم 10، التي تسبقنا نصف ساعة، أمام البوابة المصرية، دون السماح له بالدخول، تنفرج أساريرنا فورَ فتح البوابة، حركةُ الحافلات منها وإليها، تشبه مدينة الملاهِي تمامًا كيف كلما مرت حافلة ما استقرت قلوبنا، وكيف يقرع النبض أفئدتنا كلما شعرنا بخيالٍ يعود أدراجه القهقرة!

أذكر وقتها أن الجانب المصري أعاد ستين مسافرًا. تحتك عجلات البوابة المصرية فتهيم لها أرواحنا طربًا، تدور عجلات الحافلة دورتين كاملتين فقط، ليوقفنا جندي مصري يطالع الجوازات بشكل رتيب، يحاول أن يقضى أطول فترة ممكنة في ذلك، وكأنه يتلذذ في جلدِ أرواحنا، يحاولُ أن يضيف جوًا من المرح الثقيل، موجهًا سؤاله لنا: "عفين العزم إن شاء الله؟!"

لو نطق الأموات وقتها لنطقنا، لكن لا يجرؤ أحدنا حتى على الابتسام فربما لا تعجبه ابتسامة أحدنا، فيأمر بعودة الحافلة من حيث أتت! يتابع متمتمًا حتى تتضح نبرته موجهًا حديثه للسائق: "بص حضرتك كده انت تدخل جوا وترجع تلف تاني".

اصفرت الوجوه، كأن الدم تبخر من عروقنا فجأة، تعالت الشهقات زمرةً واحدة، لحظات كقرون من الزمن مرت، ليقاطعها هو بضحكته المتلونة، سامحًا لنا بدخول الجانب المصري.

تفتيش سريعٌ، وإهانات جارحة، نقابلها بصمت كئيب، رغبةً في الخروج من عنق الزجاجة هنا، شعورنا بأن لا شيء يستحق التفكير فيه، بل لم يعد لكرامتنا أي ثمن، مقابلَ أن نجتاز البوابة المصرية، لم يكن هنالك شيء أهم من ذلك البتة، طمعًا في العلاج، أو في مستقبل لا تُظهرُ ملامح وجهه البشرى أبدًا.

كعلبة السردين حالنا، نفسي نفسي. أنّات المرضى، سخط المتأخرين، بكاء المعذّبين، بلادة الميتين، والتلذذ في إهانتك وتأخيرك عمدًا، ألم انتظارٍ، وقلة تهوية، وسوء المعاملة الذي زاد من تدهور صحة والدي، أحاول تصبيره وبث الروح فيه ما استطعت لذلك سبيلًا، أشد معصمه، لتتسلل إليّ من مسامات جلده، ذكرى أعادتني ثلاثة أشهر إلى الوراء، عندما شخصت حالتَه بسرطانِ القولون بمستويات متقدمة، ليحوّل بشكل سريع لإسرائيل، فيمنع أمنيًا هكذا دون أسباب تذكر.

لتكون وجهتنا بوابة الموت رفح. ينادى عليّ بضرورة التوجه لمكتب المخابرات لبحث سبب دخولي إلى مصر، أقدم كل ما بجعبتي من أوراقٍ ذبل عودها أكثر مني مما تعرضت له من ذل، أحاول أن أحظى بعطف القبول بفتات ما لدي من أمل، يطلب مني الخروج والتحلي بالصبر، أفكر كثيرًا بما يعنيه الصبر هنا، وكم تجاوزناه.

كدهرٍ مرّت الساعات، تجمّدت أطرافي وازرقَ وجهِي، سمعتُ نداء كل الصلوات ولم أبرح مكاني، لا شيء متغير، إلا الوقت الثقيل، وقلة الباقين، والتدهور المستمر في صحة والدي، تشير الساعة إلى التاسعة مساءً، يتقدم نحوي شخص بلباسٍ مدني يخبرني أن الحظ لم يحالفني وطلب مني تكرار الأمر غدًا أو بعد غد، إذ أخبرني أن المعبر سيظل مفتوحًا للحالات الإنسانية ليومين آخرين.

لقد أصابنِي في المقتل، لم أسمع حينها صوته، لم أسمع شيئًا، ضاقت الدنيا في بؤبؤ عيني ولم أعد أرى شيئًا، لم أعد أرى إلا رمادَ أملي متناثرًا في السماء، صرختُ بشكل هستيريٍ ولم أسمع صوتي!

انفجرت باكيًا، مترجيًا، مستجديًا، كدت أن أقبل قدمه، والدي، نعم إنّه والدي، اسمح لنا بذلك، اسمح لنا بالخروج فما عادت صحة والدي قادرة على الصمود أكثر، كدت أحمل والدي بين يدي وأنصبه أمام عينيه لعل ذلك يشفع لي.

أستمر كمجنونٍ، أنظر لقد هده ألمه وما عاد يتحمل شيئًا، فقط أنظر إليه، يتابع والدي ذلك المشهد، يشير إلي ببصره أن كفى، يبتسم ابتسامة لم أر لها مثيلًا، يسقط مغشيًا عليه، نعود بشكل سريع إلى الجانب الفلسطيني، أستقل وإياه سيارة إسعاف طارئة، يحاول المسعفون خلال ذلك الوقت إسعافه، يسابق السائق الريح لندخل قسم الاستقبال في مستشفى أبو يوسف النجار هناك يستجمع ما بقي له من قوة، يتمم لأقترب منه فيهمس بروحي ما لن أنساه ما حييت:

"الموت أهون عليّ ألف مرة من أن أراك باكيًا مترجيًا". تشرق ابتسامته كما كانت تفعل الشمس كل صباح، ثم يسلم الروح لباريها.

اقرأ/ي أيضًا:

معبّر رفح والبحيرة الجليدية والخط المقطوع

غزة.. 4 أمهات ينتظرن أبناءهن المختطفين