شخصيات نبيل المالح.. مرآة الجماعة

شخصيات نبيل المالح.. مرآة الجماعة

تعبر الشخصية في أعمال نبيل المالح عن روح الجماعة (فيسبوك)

للدخول إلى عالم المخرج السينمائي الراحل نبيل المالح (1936-2016) لا بدّ من التوقّف مطوّلًا عند طريقته في بناء شخصياته أوّلًا، والأسلوب الذي اتّبعه في بناء الظروف التي تُحيط بشخوصه ثانيًا. فالشخصية عند المالح تكتسب أهميتها من كونها الوسيلة التي يُخبرنا عبرها أنّه يودّ العيش بصوتٍ عالٍ قد نسمعهُ إن أجدنا الإنصات إلى الأشياء التي لا تقولها شخوصه، وإنّما تُشير إليها فقط.

تبدو الحكاية في مُجمل أفلام المالح واضحة، بيد أن أسلوب سردها يبدو مُراوغًا، وهذه الصفة إن دلّت على شيء، فإنّها تدلّ تعلى فرادة واختلاف في طريقة التفكير والسرد

تبدو الحكاية في مُجمل أفلام المخرج السوريّ واضحة، بيد أن أسلوب سردها يبدو مُراوغًا، وهذه الصفة إن دلّت على شيء، فإنّها تدلّ تعلى فرادة واختلاف في طريقة التفكير والسرد، وكذا في البحث في السؤال التالي: كيف أروي؟ وممّا لا شكّ فيه أنّ هذه الفرادة والاختلاف انعكست بالضرورة على طريقته في بناء مُجمل شخوصه التي باتت تضع نصب عينيها ما يضعه هو نصب عينيه، أي حرّية الفرد وكرامة النفس. ذلك أنّ السينمائي في النهاية، وكما علّمنا المالح، هو مرآة حاله.

اقرأ/ي أيضًا: رحيل نبيل المالح.. العين التي رأت الكابوس

إنّ الطريقة التي يتوسّلها المالح لبناء شخصياته، لا سيما في شريط "الفهد" (1972)، و"الكومبارس" (1992)، هي الطريقة التي تجعل الشخصية المبنية مرآةً لحال جماعة بعينها، بمعنى أنّ الذي نراه داخل أفلامه فردًا، هو في الحقيقة، ضمنيًا، ملّة جسّد أحلامها، وفعل ما تودّ فعلهُ في الخفاء، علانيةً وعلى الملأ.

ينطبق ذلك، حرفيًا، على شخصية أبو علي شاهين، بطل شريط (الفهد) الذي يروي حكاية فلّاح قرّر أن يتمرّد على الاستبداد وتحالف السلطة والإقطاع. فالشخصية في هذا الشريط بُنيت في ظروف جعلتها حمّالة أفكار وفلسفة أيضًا، كما يتبدّى في سلوكها وتصرّفاتها، عدا عن أنّها بدت خريطة تؤطّر الزمن الراهن بكامل تفاصيله داخل الشريط. ولهذا السبب ربّما رأيناها تعود، في أكثر من مشهد، إلى درجة الصفر بهدف بناء نفسها من جديد، أو بغية أن تتطوّر وتأخذ أشكالًا وصفات جديدة أدخلتها سباقًا ضائعًا ضدّ الزمن.

المُلفت في عملية بناء نبيل المالح لشخصية "أبو علي" هو الجزء المتعلّق بسباقه ضدّ الزمن الذي بدا، وإن كان ضائعًا، الطريقة الوحيدة التي يستطيع من خلالها الانتباه إلى نفسه وإدراك وجوده في محيط قوامه سحق الفرد ومحوه أيضًا. بمعنى أنّ التمرّد هنا ليس احتجاجًا بقدر ما هو مساحة أخيرة يستدلّ بها الفرد إلى نفسه وينتبه عبرها إلى وجوده الذي يثّبتهُ راهنًا ومستقبلًا بغضّ النظر عن حضوره أو غيابه، باعتبار أنّ التمرّد ومعه مسابقة الزمن الذي ينطوي على معانٍ شتّى، أضافا مسحة أسطورية إلى هذه الشخصية.

بنى صاحب "بقايا صور" شخصية أبو علي في ظروف قوامها محو الفرد وسحقه من خلال الامعان في إفقاره من قبل تحالف السلطة والإقطاع آنذاك، والهدف من هذه الممارسات تغييب الأشياء التي يُمكن للفرد أن ينتبه عبرها إلى وجوده، أي الأشياء التي تكون ممكنة وفي متناول اليد أيضًا، كالحرّية مثلًا. بيد أنّ غيابها يدفع الفرد للجوء إلى أشياء عديدة منها التمرّد الذي اختاره "أبو علي"، والذي كان ممكنًا آنذاك لمن يريده ويطلبه، أي في حقبة الأربعينات.

ولكنّه في شريط "الكومبارس" الذي يروي حكاية قوامها الاشتباك مع أسئلة مضمرة عن الحرية الفردية والقمع في مكان يُحيل بشره إلى مجرّد كومبارس؛ لم يكن ممكنًا، بل وبدا ضربًا من المستحيل، ما معناه أنّ الفرد في زمن الشريط، وهو زمن عنوانه "البعث" وتسلّطه، لم يعد قادرًا على الانتباه إلى وجوده بعد أن بات ممحيًا بالكامل. وهنا إشارة صريحة إلى تطوّر الدكتاتورية وأساليبها في تدمير الفرد وتغييبه مقارنةً بما رأيناه في "الفهد"، إذ يبدو الاستبداد قد قطع مسافاتٍ بعيدة تتجاوز تحالف الإقطاع والسلطة وسياسات التجويع والإفقار إلى ما هو أشدّ بؤسًا.

يعرف نبيل المالح جيدًا أنّ شخصياتٍ شتّى يُمكن جمعها مع بعضها البعض في شخصية واحدة انطلاقًا من كونها تشترك، كلّها، في العلاقة المُهلِكة عمومًا مع الحياة والواقع والحقيقة. ويبني المالح شخصياته عند هذا الحد بحيث تكون قادرة على إدراكها، أي الحقيقة التي تبدو في الظروف التي تُنبى فيها الشخوص والحكاية في آنٍ معًا، تُهمة لا يُمكن للمرء أن يتفاداها إلّا بإنكارها، وهو ما يفعلهُ "سالم" في شريط "الكومبارس" حرفيًا، بينما يفعل "أبو علي" العكس تمامًا. بمعنى أنّ الذنب الأوّل الذي اقترفه لم يكن التمرّد وإنّما إدراك حقيقة لا تريد السلطة القائمة أن يُدركها أحد.

والحقيقة هنا ليست إلّا تفشّي الدكتاتورية والتسلّط والقسوة والاستبداد وغياب العدالة. وهي حقيقة ينكرها من يمارس التسلّط ويمتهن العنف ويُجبر الآخرين على إنكارها بهدف أن يبدو كلّ شيء طبيعيًا. رغم أنّه ليس كذلك. وفي هذه الأجواء غير الطبيعية تمامًا، يبني المالح شخصية أبو علي الذي يرفض الحالة القائمة انطلاقًا من إدراكه للحقيقة وتمرّده على رغبة السلطة بإنكارها.

ولا بدّ هنا من الإشارة إلى أنّ عملية تكوين الشخصية الرئيسية في أوّل أفلام المالح، أي "الفهد"، تُضيء على مسعى السلطة في فرض واقع يُلغي الحقيقة من خلال إنكار كلّ ما هو طبيعي أوّلًا، وتدمير الحرّيات الفردية، وحذف التاريخ، متوسلّة لفعل ذلك، ولا سيما في الجزء المتعلّق بتدمير الحرّيات، العلاقة القائمة على مبدأ الطاعة بين الفلّاح والإقطاع، باعتبار أنّ الأخير يستطيع وضع الفلّاح تحت المراقبة الدائمة وإجباره كذلك على إنكار الحقيقة من خلال تجويعه وإفقاره باعتباره مُتحكِّمًا بلقمة عيشه.

يُمكن وصف ما ذكرناه أعلاه بأنّه بلورة لنوع جديد من الدكتاتورية بهدف تطبيقها على حقبة الأربعينات. وهذه الدكتاتورية التي يُشير إليها نبيل المالح، باطنًا، تضع الفرد في مواجهة التاريخ. أو بمعنى أدق، تضع ذاكرته في مواجهة تاريخ ليس بالضرورة أن يكون صحيحًا، وإنّما قد يكون مكتوبًا على أنقاض التاريخ الأصيل الممحي. وقد جسّد المالح الصراع المذكور في مشهد إلقاء القبض على أبو علي وسحله في شوارع قريته قبل إعدامه بهدف أن يكون عبرةً للآخرين.

فالمشهد يُحيلنا إلى تاريخ رسمي زائف سُجِّل أبو علي في صفحاته مُجرمُا، وهو التاريخ التي تسعى السلطة إلى فرضه، وإجبار الفرد كذلك على الاعتراف به دون غيره. كما يُحلينا إلى ذاكرة الفرد التي تعرف بأنّ أبو علي ليس مجرمًا، وإنّما بطلًا، وهي الذاكرة التي ستُصارع التاريخ السلطويّ باعتباره مُصطنعًا وقابلًا للكتابة والمحو مرارًا وتكرارًا.

على هذا النحو، تدعونا طريقة السينمائي السوريّ صاحب "السيّد التقدمي" في بناء الشخصية والظروف التي تُحيط بها إلى التفكير بالسياسة من وجهة نظر تحرّرية تحمل في متنها أسئلة عديدة حول ماهية الفرد والتاريخ والوضع الإنساني أيضًا. وعليه، يكون نبيل المالح في عملية بنائه للشخصية يُفكِّر بالماضي ويستحضر الحاضر ويستشرف المستقبل. وتبدو طريقة تفكيره بالماضي محكومة بنمط معيّن من السرد فرضه المالح عليه بحيث يجعله قابعًا خلف الصورة، بينما يبدو المستقبل معتمًا.

الشخصيات التي بناها المالح تمرّدت على فكرة أن تكون مجرّد أعداد زائدة في جمهورية الأخ الأكبر بنسخته العربية، قبل البعث وبعده أيضًا، مع مراعاة الاختلاف بين حال الشخصيات وواقعها في الفيلمين أي "الفهد" و"الكومبارس". فبينما كانت عملية تدمير الحرية تحدث من خلال العبودية القائمة في علاقة الفلّاح بالإقطاع، تأخذ في الشريط الثاني منحىً أشدّ رعبًا، تصير عملية تدمير الحرية عنده ممثّلة بضمان المراقبة الدائمة والدقيقة للفرد، وإزالة الشعور بالوحدة، وتوحيد الرأي بين الجميع. وهذه العملية بحاجة إلى مقوّمات ودعائم عديدة تضمن نجاحها، منها نشر الكراهية، وإعادة كتابة التاريخ، وإعادة إنتاج الواقع أيضًا.

يُحيل ما ذكرناه أعلاه إلى فاجعة تنطوي على معانٍ شتّى، وهي فاجعة جاءت على عكس الفاجعة التي اُختتم بها "الفهد"، أي الفاجعة المادية والملموسة التي تجسّدت في التنكيل بأبو علي وإعدامه. فالفاجعة في شريط "الكومبارس" لم تكن ملموسة بقدر ما هي محسوسة ومعاشة أيضًا، تتشكّل تدريجيًا داخل الشريط وتنشغل بأثر ما كان قبل أن يطوله التلاشي ويتوزّع بين النسيان والتذكّر، كالحقيقة والتاريخ والذاكرة وحرّية الفرد وحميميته.