شجرة الصّنوبر

شجرة الصّنوبر

موريس دي فلامنك/ فرنسا

ما زلتُ أتذكّر لحظة مفارقة جدّي للحياة. تركتُه قبلها بأسبوع في أحسنِ حال. كان يلازم جدّتي المُقعدة والتي أَحبّها كحُبّه لرائحة المطر عند ملامسة أوراق شجرة العنب التي تأخذ حيّزًا من ركن البيت الريفيّ ذي السقف الخشبيّ.

عُمُر تلك الأعمدةِ الممدّدةِ في السّقف يُناهز الثمانين عامًا، ولكنّها لا تزال ثابتةً مثله يوم تركتُه.

يُحبّها لدرجة أنّه لم يرضَ لبناته بأخذها عندهنّ فهو زوجها وأخوها وابنها الذي لم تنجبه، واسته في مِحنه ووقفت معه في أشدّها أيام كان يسافر لليبيا باحثًا عن لقمة العيش، ولم تكن تنتظر أن يبعث لها رسائل فهي لا تعرف ولم تتعلم من الأبجدية حرفًا لتكتُبه، ولا حتى تنتظر ماله الذي سيعود به.

فاتنة هي جدّتي بتلك الوشْمة على خدّها، كلّ ما كانت تنتظره منه هو العودة إليها وإلى شجرة الصّنوبر التي غرستها معه ليستظلّا بها أيام الصّيف الحارة. قبل مفارقته الحياة لامستُ يديه كما لم ألامسهما من قبل وقبّلت جبينه الصافي كما لم أقبّل من قبل، ما زال يتنفّس وفي كامل وعيه حتى أنه عرفني وشدّ على يدي وقال: " لا تبكِ فعِند الله خير". استأنست تلك الكلمات وهوّنت عليّ لوعة الفراق لشدة حبي له وتعلّقي به. حسِبت أنّ حالته تحسنّت وأنّها مجرّد وعكة عابرة ويستفيق. تلك الكلمات النابعة من القلب "جدّتك في عينيك". نطق الشهادتين عدّة مرّات، ومع كلّ مرة كانت أطرافه تبرد حتى استفقت على دمعة نزلت من عينيه المُودِّعة ونام إلى الأبد.

حضنت جدّتي التي كانت عند رأسه وبكيتُ معها سنين الدفء والكلمة الطيّبة. حتى هيّ الأخرى لم تتحمّل لوعة الهجر والوحدة، لم تنقضِ ستة أشهر حتى التحقت بحبيبها وجاورت قبره.

الحب لا يقاس بالكلام الحلو والغزل. الحب التزام قبل كلّ شيء. الحب هو سنين من المودّة والتضحية، سنوات ألّفت قلبين على مبادئ صادقة، مواقف أصرّ الاثنان على تحديها ليس كلّ على حدة ولكن مع بعضهما البعض. الحُبّ اختبار يقاس بالمحن والصبر. هو ذلك الوفاء لمن نحب رغم تموّجات الحياة، هو عهد يُوثّقُ من أوّل لقاء حتى آخر رمق بين تشعبات الدنيا..

سقط السّقف الذي صمد كلّ تلك السنين، ماتت شجرة العنب الحلوة وجفّت شجرة الصّنوبر.

 

اقرأ/ي أيضًا:

إنّها الأيّامُ من كانت تسرقُ شعر والده

ما باليد حيلة إلّا الاستسلام