شجرة أرغان..

شجرة أرغان.. "هدية السماء" التي سرقتها إسرائيل من المغرب

نساء قرويات مغربيات يكسبن قوتهن من حبوب الأرغان (عبد الحق سنا/أ.ف.ب)

هناك، بين جبال الأطلس، في قرى صغيرة بجهة سوس، حيث يمكنك استنشاق رائحة أشجار الأرغان، وسماع ضربات الحجر من بعيد وهي تدق بذور الأرغان، بين أيدي نساء معيلات ينشدن أهازيج أمازيغية عابقة بالتاريخ، اتخذن "شجرة الحياة" مصدر قوت عيشهن الوحيد، قبل أن يأتيهم تهديد المنافسة هناك من بعيد، من "الإسرائيليين".

ظل المغرب طوال عقود المنتج الأول والوحيد لزيوت الأرغان، مما أغدق على النخب أرباحًا طائلة بجانب تشغيل آلاف النساء القرويات

على مدى قرون، استوطنت شجرة الأرغان جنوب غرب المغرب في مساحة تغطي قرابة 8 آلاف كلم مربع، وفي سنة 1999 صنف مكان توفر هذه الشجرة النادرة كمحمية حيوية عالمية من قبل اليونسكو، وهكذا ظل المغرب طوال عقود المنتج الأول والوحيد لزيوت الأرغان، التي يتم استخدامها في الصناعات التجميلية والغذائية، مما أغدق على النخب المستغلة لمزارع هذه الأشجار أرباحًا طائلة بجانب تشغيل آلاف النساء القرويات، حتى غدت هذه الثروة تمثل كنزًا وطنيًا، وواحدة من أسس الاقتصاد المغربي في جانبه الفلاحي.

اقرأ/ي أيضًا: زيت أرغان.. الذهب السائل للباحثين عن الجمال

أشجار الأرغان في المغرب (NurPhoto)

كما عملت الدولة بنشاط على تعزيز هذا القطاع من خلال إطلاق ما يُعرف بـ"المبادرة الوطنية للتنمية البشرية" والمساعدة على إنشاء شبكة من الجمعيات والتعاونيات حول ثقافة الأرغان، وهكذا تم تأسيس 170 تعاونية من قبل نساء هذه المناطق القروية، اللاتي دعمن أسرهن من خلال هذا العمل، بل وأصبح بعضهن رائدات في هذا القطاع يتحملن مسؤولية تسويق وتصدير زيت الأرغان إلى الخارج.

وفي الوقت الذي ظل فيه المغرب على ثقة كاملة بأن هذه الثروة الخضراء التي يحتضنها في مأمن من كل المنافسات الخارجية الممكنة، لكونه المصدر العالمي الوحيد لزيوت أرغان، تلقت المملكة خلال السنوات الأخيرة ضربة قاسية من قبل شركات إسرائيلية، قامت بتطوير بذور لشجرة أرغان، جلبتها من المغرب، يمكنها النمو في أراضيها وإنتاج زيوت لا تقل جودة عن منبتها الأم في المملكة.

فبعد 25 سنة من الأبحاث الزراعية، تمكنت شركة إسرائيلية تدعى "سيفان" من تطوير سلالة معدلة من بذور شجرة الأرغان، أطلقت عليها اسم "أرغان 100"، تتميز هذه السلالة الجديدة بكونها أكثر إنتاجًا بأضعاف وقادرة على التكيف مع مناخ البحر الأبيض المتوسط، ويقول ممثلو هذه الشركة الإسرائيلية إن "هذه الأشجار هي الأكثر مقاومة للأمراض النباتية، ويمكنها أن تنتج 10 أضعاف من بذور أرغان المغربية"، حسبما أفادت صحيفة ليكونوميست.

وتنمو هذه الأشجار المعدلة اليوم على أراض يسيطر عليها الكيان الإسرائيلي، بعدما كانت حكرًا على المغرب، وهو ما أفقد المملكة امتيازًا مهمًا في السوق الدولية، حيث لم يعد الوحيد المنتج لزيوت أرغان،  بل باتت تجارته في هذا القطاع مهددة بين ليلة وضحاها، بفعل عمليات التطوير النوعية التي تنتهجها الشركات الإسرائيلية في سبيل الاستثمار في هذه الشجرة، الأمر الذي يهدد رزق حوالي ثلاثة ملايين شخص يشتغل في تجارة الأرغان بالمغرب، معظمهن نساء ريفيات، يعتمدن على هذه الشجرة لتحصيل قوت يومهن.

حفيظة، واحدة من النساء العاملات في استخراج زيوت الأرغان، لخصت الوضع بعد دخول زيوت الأرغان الإسرائيلية على خط المنافسة في جملة واحدة: "لقد تم كسر سبل عيشنا"، غير أن هؤلاء النساء لسن سوى الحلقة الأضعف في هذا القطاع، إذ الخسارة الكبرى ستضرب النخب الفلاحية المالكة لضيعات شجر الأرغان، بالإضافة إلى الشركات المغربية العاملة في تصنيع وتسويق زيت الأرغان ومشتقاته.

تلقت المغرب ضربة قاسية من قبل شركات إسرائيلية، قامت بتطوير بذور الأرغان، جلبتها من المغرب، يمكنها النمو في أراضيها وإنتاج زيوت لا تقل جودة عن منبتها الأم وبكميات أكبر

حبوب الأرغان (ويكيبيديا)

اقرأ/ي أيضًا: سر الكشري.. الإسرائيلي!

لكن السؤال الأهم هو كيف تمكنت شركة إسرائيلية من التفوق على المغرب في ظرف قياسي في إنتاج زيوت الأرغان؟ والجواب يكمن ببساطة في الاستثمار في البحث والتطوير، فبينما ظل المغرب لعقود يستغل هذه الشجرة بالطرق البدائية التقليدية دون محاولة البحث في كيفية رفع نوعية الإنتاج، عكفت الشركة "سيفان" لسنين طويلة على تطوير بذور أرغان أكثر إنتاجية وجودة، فضلاً عن تكييفها للنمو في مناخ مختلف، وليس غريبًا إن علمنا أن الكيان الاسرائيلي يعد من أكثر البلدان اهتمامًا بتطوير تقنيات الزراعة، وباتت تقنياته الفلاحية مطلوبة وبشدة من قبل بلدان عديدة مثل الهند.

يشار إلى أن شجرة الأرغان تستخدم بكثرة في صناعة مستحضرات التجميل، حيث تحتوي زيوتها على نسبة كبيرة من فيتامين "D" الذي يساعد على منع تجعد الجلد، وكذلك السابونين الذي يساعد على جعل الجلد أكثر ليونة، كما تمنع زيت أرغان ظهور آثار الشيخوخة المبكرة مثل الخطوط الدقيقة والتجاعيد.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الحمام المغربي.. فضاء للجمال ولقمة العيش أيضًا

فوائد زيت الزيتون للبشرة