شبح في بغداد

شبح في بغداد

رؤوف العطار/ العراق

يستيقظ بفزع كعادته ويتناوله الاكتئاب والاشمئزاز في هذا اليوم بالذات، السابع عشر من شهر أيلول، يتخلد في عمق ذاكرته، يلبس الزي نفسه، بنطال أسود وحذاء أسود وقميص أبيض، يصفف شعره ويضع العطر على رقبته.

يحضر كوب شاي ويشعل سيجارة ويقفز إلى كرسيه الهزاز، ليغمض عينيه ويتذكر ما حدث في هذا اليوم.

كانت الشمس تصطف عمودية على راسه كأنها مطرقة، يقف في مدخل بيته مراقبًا الناس. كان قد صدم بحقائق الموت والحياة، والهجرة والاستقرار، والكذب والحقيقة، والحب والكراهية.

أشعر وكأن قنبلة تستوطن عقلي، وترمي علي رذاذ رمادها بفكرة ومعلومة جديدة تجعلني أتساءل مرارًا وتكرارًا: من سيموت الآن؟ هل يعد صديقي كاذبًا؟ كيف ينبض قلب بالحب؟

في التاسعة من عمري، كنت مداومًا على دراسة المفاهيم الدينية، والتقرب الى الله، والتوغل إلى أعماق روحي واهبًا إياها دون تردد، فلم تكن لدي ذرة شك، ولم تكن لدي ذرة سؤال، وفي قرارة نفسي، أعلم بأن هناك خطبًا ما، هل ستبقى الحياة هكذا، روتينًا من الركوع والنوم والأكل والدراسة؟

في العاشرة من عمري، عرفت فن الحرب وتعلمت ألا أشارك أحدًا أفكاري وشكوكي ومشاعري، فقد علمت أن الانسان سعره رصاصه واحدة، وقد رأيت الموت يأخذ الكثير من أصدقاء صفي، وأفراد من عائلتي، وبدأ يتلصص الى أعماق ذهني، ويأخذ شيئًا كل مرة.

وفي الحادية عشرة، وصلت إلى حافة اليأس والانعزال والتضرع إلى الأجوبة التي لم ألق لها أي وجود، ضمرت نفسي بعيدًا، وأنصب الخوف بداخلي، الخوف الذي تلقيته من أوامر وتوجيهات: لا تخرج بعيدًا. يمكنك أن تذهب الى المدرسة عندما يهدئ الوضع. الجامع خطر قد يتم قتلك في الطريق. عرفت طعم العزلة قبل أن أعرف طعم الطفولة. أردت أن اختبر الحب، والكذب، والموت، وتساءلت كثيرًا إن قتلت نفسي هل سأعرف ما هو الموت حقًا؟ ما هي الفاصلة التي تقع بين الحياة والموت؟ هذه الثواني التي تتوغل إلى صميم أعماق روحي لتأخذها بعيدًا، أردت قتل نفسي لأنني كنت أحبها كذبًا، هكذا اختبرت خوفي، او على الأقل هكذا ظننت.

تكررت وقفته كثيرًا مراقبًا ماذا سيحصل، ويردد نفس الأسئلة على نفسه، حتى أصبح روتينًا.

وفي يوم آخر، يومٍ كابتسامة عجوز فقدت ابنها، عابسة وصفراء لا تتواجد فيها ذرة حياة ولا اكتراث بما سوف يحصل لاحقًا.

- لقد راقبتك تقف هكذا كثيرًا.

انفجرت في رأسه هذه الجملة، راقبتك؟ من قالها؟ لا أرى أحدًا، هل بدأت أهلوس؟ ينظر يمينه ويساره ولا يرى أحد ولا شيئًا ولا حتى ذرة هواء، في هذا الصيف العابس.

- لماذا لا ترد؟ ألا تراني؟ أنا فوقك!

ينظر إلى شرفة أعلى بيته، يرى شمسًا ساطعة تنبثق من خلالها خيوط شعر سوداء، وبياض ثلجٍ انصبَ عليه فبرد قلبه المشبع بنيران الحيرة والتساؤل، عيناها فيهما قليل من اللون العسلي واتساعها يكاد أن يبتلع الكون بأكمله، وابتسامةً لم ير الحياة قبل ذلك في غيرها.

- من أنتِ؟

- لقد سالتك مسبقًا، جاوبني أولًا.

- لا شيء على الإطلاق، أقف هنا لأنني أشعر بالملل والحيرة والذهول من الناس حولي.

- مثير، وما رأيك؟

- بماذا؟

- في الناس من حولك، هل تشعر بأنهم صف متوافق كالنمل، يعيشون التشابهات نفسها، ولا يشعرون بالحياة إلا عندما يرون الموت، يرتدون عباءة الحقيقة ليختبئ شبح الكذب بداخلها، ويركعون حبًا فقط لكي يمارسوا الجنس ليلًا مع أقرانهم.

وقف مذهولًا ودقات قلبه تتسارع وكأنها قطار على وشك الاصطدام بقطار آخر، يكاد عقله يتبخر، هل تقرأ أفكاري؟ لا لا هذا مستحيل.

يتجمع الخجل في داخله مرفقًا إياه قرقرة وألمًا في المعدة واتساعًا في بوبؤ عينيه، أغلق بياضها في سوادها.

- نعم، هذا شعوري تمامًا، ولكن من أنتِ؟

- ستعرف لاحقًا.

يطفئ سيجارته وكان قد برد الشاي، مثل كل مرة في هذا اليوم، يقف أمام المرآة صامتًا وفي رأسه تجول أفكار كالنمل في سباتها، لقد أكل النمل رأسي وخرج مرارًا ليصيب جسدي النحيل، عرفت ما أريد معرفته، ولكن هل يتلاشى ضباب المعرفة بأكمله يومًا؟ أم أن السؤال سيبقى ينجب سؤالًا آخر، يخرج من البيت مسرعًا إلى بائع الورد، مثل كل مرة، ليقطف منه وردة بيضاء.

- هل أنت ذاهب إلى البحر؟

يجيب بخيبة أمل: - نعم.

يجلس عند الرمال البيضاء مداعبًا حباته بيده مترقبًا الشمس من بعيد، لم تكن الشمس ذاتها، هنا أراها رقيقة ناعمة، تصيب جسدي بالرطوبة الوافرة التي تكاد أن تغرق الوردة، يشعل سيجارة أخرى، ويغمض عينيه، ليعود بذاكرته إلى الوراء مرة أخرى.

لقد مر أسبوع، أين تلك الفتاة الغريبة؟ أين اختفت؟ لماذا لم تظهر إلى الآن؟

يأخذ شهيقًا طويلًا ويخرجه بزفرات اليأس المعتادة، لقد عدت وحيدًا، عدت؟ وأين كنت أصلًا؟ يا للعجب أنني أناقض أفكاري وأسئلتي نفسها، حقًا ربما هي آثار الشمس.

لم أسمع مناداة الصلاة منذ وقت طويل هل بات الآن من المحرمات!

يا لهذا المكان العجيب، ربما عليّ أن أصمت و..

-ما زالت واقفًا؟ يا إلهي ألا تمل أبدًا؟

تضطرب دقات قلبه مجددًا، نفس الصوت! مستحيل!

-وما هو الملل أصلًا؟

- لحظة، أين أنتِ؟

- على يمينك أيها الأبله، ألا تجيد النظر!؟

- أبله!

- نعم!

- ماذا تريدين الآن؟

- كل شيء

- لم أفهم

قالت: ألا تريد أن تعرف ما هي الملذات التي يتقاتل الجميع بشأنها؟ المعاني التي تكاد أن تنفجر في عقلك مثل قنبلة موقوتة؟ لست أدري، قد انتابني شعور، عندما رأيتك تنظر إلى الناس، لديك نفس نظرتي، وحيرتي.

يتردد قليلًا: - نعم أريد ولكن.. كيف لك أن تعرفي كل هذا؟ هذا ما أريده حقًا وبالفعل.

يحرق رماد السيجارة يده ليوقظه من غفلته ويعود إلى البحر مرة اخرى، يقف ليرمي الوردة إلى أحضان البحر، شهيقًا وزفيرًا، يخرج ورقة من جيبه ويقرأ..

عزيزي البحر، عزيزتي "نور" عزيزتي الشمس الساطعة: هذه آخر مرة أتواجد فيها بقربك فقد حزمت أمري بأن أمضي مُستقبِلًا نحو ما ترميه الحياة في طريقي، وأن أضع هذه القصة مع الوردة التي أتمنى أن تعتني جدًا بها. كانت قد مضت ستة أشهر على اليوم الذي التقيتك فيه، كنت قد اختبرت معك الحب والكذب والحقيقة والاستغلال والخيانة والسرقة، وحتى الجنس في خيال لم أستطع مقاومة رسمه، كنت قد قلتِ لي عيد ميلادي في السابع عشر من شهر أيلول، إن كنتي تذكرين.

كان يومًا ممطرًا بشدة وباردًا، كالوحدة التي شعرت بها طيلة ثلاث عشرة سنة إلى الآن، وربما تمتد أكثر.

ارتديت بنطالي الأسود والحذاء الأسود وقميصًا أبيض، وبقيت أبحث طيلة ساعات لم أكن قادرًا على عدها، بحثت طويلًا عن متجر لأشتري لكِ منه وردة بيضاء، كما كنتِ قد طلبتِ مني قبل المناسبة بيوم.

أذكر أنني قد تأخرت ربع ساعة على موعدنا في المساء، كنا اتفقنا على الساعة السابعة مساءً قبل أن نبدأ الحفلة، وقد أتيت بالفعل، وانتظرتك طويلًا حتى بت أرتجف من البرد والألم والخوف، لم أستطع الانتظار أكثر، فضرب باب بيتك بهلع كبير وكأنني قادم إلى هدمه، خرجت امرأة تمتلك عينيك وبشرتك البيضاء، خمنت أنها أمك وسألتها أين هي؟

اليوم عيد ميلادها أليس كذلك؟ لقد أحضرت لها وردة ولكنها لم تأت، نادها لو سمحت.

انفجرت المرأة بكاء وصرخت وكأن أحد انهال عليها ضربًا. قفزت علي وضمتني بشدة، وقفت مذعورًا ولم أفهم حتى قالت، عزيزي لا أعرف من أنت! لكن التي تبحث عنها قتلت قبل سنتين.

 

اقرأ/ي أيضًا:

من ثقب في جدار الفراغ

إلى محمد شكري وتشارلز بوكوفسكي