شبح توماس سانكارا يجول في باريس.. من قتل الثائر الأفريقي؟

شبح توماس سانكارا يجول في باريس.. من قتل الثائر الأفريقي؟

توماس سانكارا (Getty)

انبثقت ثورة فولتا العليا كانبثاق الدم من عنق الثور الذبيح، وانسل منها توماس سانكارا، بعد سنوات من التحرر الوطني، ليأخذ على عاتقه مهمة هدم جدران الذاكرة الكولونيالية وتعزيز النزعة القومية، بشكل جر عليه سخط المستعمر الفرنسي، الذي غادر ولم يرحل كليًا، فبقي الاستعمار كامنًا في بؤر العنف، يحرك الانقلابات التي تسببت في إزهاق روح "جيفارا أفريقيا"، الملهم لـ"بلاد الناس الطاهرين" أو بروكينا فاسو كما أعاد سانكارا تسميتها في 1984، بدلًا من فولتا العليا.

مطلع 2020 كست صورة الثائر الأفريقي توماس سانكارا واجهات بعض المباني في باريس وطبعت صورته على قمصان أفارقة مهاجرين

الموت الغامض

مطلع هذا الشهر، كانون الثاني/يناير 2020، كست صورة الضابط الاشتراكي الثائر، توماس سانكارا، واجهات بعض المباني في باريس، وطُبعت صورته أيضًا على قمصان شباب أفارقة مهاجرين، كرمز للثورة والعدالة. 

اقرأ/ي أيضًا: رينيه ماران.. أولى الصرخات الأفريقية في وجه الاستعمار

وعلى ما يبدو فإن موته الغامض في 1987، والمطالبات الملحة لإعادة فتح التحقيق في اغتياله، بالإضافة إلى الاحتجاجات التي أطاحت بخلفه بليز كومباوري؛ تشي بأن توماس تحول إلى رمزية كبيرة، وربما ثورة دائمة.

توماس سانكارا

صعد توماس سانكارا، أو "توم الكاهن" كما كانت تسميه جدته الكاثوليكية، إلى سُدة السُلطة في مطلع الثمانينيات بعد حركة عسكرية مدعومة شعبيًا. وعمل بدأب للقضاء على الفساد، وتفكيك هيمنة القوة الاستعمارية الفرنسية السابقة. كما أطلق أحد أكثر البرامج الاقتصادية والاجتماعية طموحًا وجذرية، ولذلك ينظر إليه على أنه شخصية ثورية خلّاقة.

تعزيز الإرادة الشعبية

ركز القائد الشاب على بناء شخصية كاريزماتية من خلال خط سياسة جديدة تعتمد على قوة الإرادة الشعبية. واهتم سانكارا بمكافحة التدهور البيئي وتمكين المرأة وزيادة فرص الحصول على التعليم والرعاية الصحية. وقد نجح خلال السنة الأولى من حكمه في زراعة 10 ملايين شجرة لمكافحة التصحر.

فيما كان طابع سياساته الخارجية معادٍ للإمبريالية، برفض الإملاءات الخارجية. وكانت من مواقفه أن قام ببيع أسطول سيارات مرسيدس الحكومية، وجعل سيارة رينو، أرخص سيارة كانت تباع في بوركينا فاسو آنذاك، سيارة الخدمة الرسمية للوزراء. كما عارض المساعدات الخارجية، مبررًا ذلك بعبارته الشهيرة: "من يطعمك، يسيطر عليك".

قائد من الناس

لم يكتف بذلك، وإنما حوّل متجر تزويد تابع للجيش، إلى بقالة مملوك للدولة، ورفض استخدام مكيف الهواء في مكتبه، على أساس أن هذه الرفاهية إن لم تكن متاحة للفقراء فإنه لا يريدها. 

وقام أيضًا بتخفيض راتبه إلى 450 دولارًا في الشهر، وحصر كل ممتلكاته في سيارة وأربع دراجات وثلاث جيتارات وثلاجة. كما أمر الموظفين العموميين بارتداء سترة تقليدية محلية الصنع، منسوجة من قطن محلي.

توماس سانكارا

وعندما سئل عن سبب عدم رغبته في تعليق صورته في الأماكن العامة، كما كان الحال بالنسبة للزعماء الأفارقة الآخرين، أجاب سانكارا: "هناك سبعة ملايين توماس سانكارا". كما عرف عن سانكارا أنه كان عازف جيتار ماهر. وهو الذي كتب النشيد الوطني لبلاده. 

وبالجملة، لا يزال سانكارا مقيمًا في ذاكرة مواطني بوركينا فاسو، باعتباره رجلًا استثنائيًا، حتى شُيد له مؤخرًا نصب تذكاري جديد وسط العاصمة واغادوغو، بعد أكثر من ثلاثة عقود على اغتياله.

كومباوري.. الصديق الخائن

في منتصف تشرين الأول/أكتوبر 1987، أغتيل سانكارا في انقلاب بقيادة صديقه بليز كومباوري وآخرين. وفي 2014 أطيح بكومباوري في ثورة شعبية، استوحت من أدبيات صديقه المغدور.

وكان التدهور في العلاقات مع الدول المجاورة، أحد أسباب تحريك الانقلابات ضد سانكارا، ربما لأنه عرّض مصالح فرنسا للخطر، وربما أيضًا لهجومه اللاذع على الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران، خلال مأدبة عشاء رسمية، بسبب استضافة ميتران لزعيم نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. 

رمز النضال والفقراء

وتجاوزت رمزية سانكارا بلده بوركينا فاسو إلى عموم القارة السمراء، بسبب برنامجه الثوري وجهوده لتحقيق العدالة. وتجلى ذلك في عام 2003، عندما خصصت السلطات الكينية 12 مليون دولار من الميزانية لشراء السيارات الفارهة، فهاجمها المعارضون، ونصحوها باتباع تجربة سانكارا، الذي ينظر إليه على أنه نجح بصورة كبيرة في تحويل الأحلام إلى واقع.

توماس سانكارا

وعلى الرغم من تشريح جثة سانكارا، إلى أنها دفنت بسرعة في مكان لا يزال مجهولًا حتى اليوم. وتجنبت الحكومة وضع شاهد على قبره. أما زوجته وأطفاله، ففروا إلى خارج البلاد.

ثم بدأ كومباري على الفور بإلغاء كافة السياسات التي اتبعها سانكارا، صانعًا ديكتاتورية مدعومة من الغرب، مكنته من الحكم 27 عامًا.

انتقام أبناء سانكارا

لم يتوارَ شبح سانكارا طوال تلك العقود، فظل يجول بين باريس وواغادوغو، مؤرقًا الحكام والساسة المتورطين في اغتياله، فيما كانت روحه تحلق في الثورات الشعبية الأفريقية، بما فيها ثورة شعب بوركينا فاسو الأخيرة، حيثُ رفعت صورته في المواكب وعلى المتاجر والأبنية، وانطلقت أصوات تسجيلاته الحماسية لتلهم المحتجين، حتى أن قادة المعارضة من الوسط، كانوا يرددون مقولته الشهيرة "الوطن أو الموت؛ سنفوز".

وفي 30 تشرين الأول/أكتوبر 2014، سار المتظاهرون نحو مبنى الجمعية الوطنية قبل أن يحرقوه، مرددين شعارات سانكارا المعروفة، مثل: "عندما يقف الناس، ترتعش الإمبريالية". وعلقت صحيفة فرنسية على تلك الثورة التي أطاحت بكومباوري قبل ست سنوات، بالقول: "أبناء توماس سانكارا ينتقمون".

أيادي القذافي

مؤخرًا تعالت الأصوات المنادية لفتح تحقيق حول تفاصيل جريمة اغتيال سانكارا. لكنه ما أن يبدأ في كل مرة، حتى يتوقف بشكل مثير للريبة، وسط شكوك شعبية بتواطؤ قادة بوركينا فاسو، بما فيهم الرئيس الحالي روتش مارك كريستيان، في اغتيال سانكارا.

سانكارا

 من جهة أخرى، كان الرئيس التشادي السابق، كوكوني عويدي، قد ألمح إلى تورط الرئيس الليبي معمر القذافي في عملية الاغتيال. وقال عويدي، في مقابلة مع راديو فرنسا، بمناسبة نشر مذكراته، إن "رئيس بوركينا فاسو، وقبل ستة أيام من اغتياله، حظي بزيارة بدت غريبة بالنسبة له، وهي زيارة بليز كومباوري اليد اليمنى سابقًا له، ثم زاره رئيس الوفد الليبي محمد علي شرف الدين". 

وأشار الرئيس التشادي السابق إلى أن ليبيا، في هذه الحالة، ليست بعيدة عن التورط في مقتل رئيس بوركينا فاسو، عازيًا السبب إلى رفض سانكارا طلب طرابلس دعم المتمردين الليبيريين، ما جعل العلاقات بين زعيمي الدولتين تتدهور بشكل حاد.

لكن القذافي ليس وحده، إذ طالت الاتهامات كذلك رئيس ليبيريا السابق شارل تايلور، والرئيس التشادي الحالي إدريس دبي، بدعم وتحريض استخباراتي غربي.

ثمة اتهامات لمعمر القذافي بالتورط في اغتيال زعيم بوركينا فاسو الثوري توماس سانكارا، بدعم وتحريض استخباراتي غربي

وعليه، فإن الأيادي الخارجية كانت، على الأرجح، حاضرة في عملية تصفية سانكارا، وهو الأمر الذي يتوقع ظهوره بعد تعهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفع السرية عن وثائق تلك الحقبة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ثورة الفهود الشابة.. هل سيتنحى الرجال العجائز من حُكم أفريقيا؟

كيف تورط الفرنسيون في مجازر الإبادة في رواندا؟