شباب ما بعد الربيع العربي

شباب ما بعد الربيع العربي

المهمة بعد انتكاسة الثورات أصبحت أصعب (Getty)

كان اندلاع الثورات العربية في عام 2011، بداية تحركات اجتماعية ضخمة لم تصل بعد إلى مداها، وفجرت في سياقها، فيما بعد الثورة الإشكالات البنيوية باختلافها، مشاكل النخبة، مشاكل المجتمع، الإرث التاريخي للاستبداد، وأشياء أخرى كثيرة، وكثيرون أمعنوا النظر في تلك المشاكل لتفسير الانتكاسات المرحلية للثورة في جميع البلدان العربية، باستثناء تونس التي لا يزال النقاش مشرعًا بخصوصها ولا يراها البعض استثناء.

شكّلت الأنظمة العربية معارضات سياسية تتحرك ضمن "ديكور" ديمقراطي

فعل الثورة الشعبية في العصر الحديث يعد إعلان المجتمع، عبر قطاعات اجتماعية تنوب عنه، عن نفسه في الفضاء العمومي، وهذا يعني تالياً، دخول فضاء السياسة وممارستها بأعلى صورها، وأكثرها تعميمًا، فالثورة الشعبية لا تحمل برامجًا ولا تصورات، إنها تستهدف النظام مباشرة باحتجاجها، ولكن المجال العام لا يتحمل درجة التسيس هذه طويلًا، فحين يمتد زمن الثورة ولا يتزحزح النظام، وحين ينتهي فعل الثورة بتحقيق هدفها المعلن، يحتاج المجال العام لإعادة صياغة، والتسيس بمعناه الضيق، والمتعين هو من يقوم بهذه العملية، وهنا تكمن عثرة التاريخ العربي الراهن، وفي قلب هذه العثرة تتواجد القطاعات الشابة.

في عهد الأنظمة القمعية العربية، حدثت عمليات تدمير ممنهج لفكرة السياسة، وتشكلت مع الزمن معارضات سياسية تتحرك ضمن "ديكور" ديمقراطي، وتحمل عُقدًا مستحكمة بفعل احتكاكها الدائم والطويل بأنظمة الاستبداد، ولكنها لا تنجز شيئًا مهمًا في يوميات المواطن، بسبب طبيعة تشوهات المجال العام، ويختلف موقف القطاعات الشابة من فكرة الممارسة السياسية، تبعًا للتاريخ السياسي للمجتمع، وليس لأداء التشكيلات السياسية في حقبة الاستبداد، على عكس ما هو شائع، فالمجتمعات المسيسة ترفد الأحزاب السياسية بالشباب، وأهم مثل على هذا هو المجتمع اليمني، الذي يعد واحدًا من أعلى المجتمعات تسيسًا في العالم العربي، بينما يشيع في المجتمعات التي لم تعرف تاريخًا حزبيًا متصًلا، وتتميز بضخامة ديمغرافية وجغرافية، مثل المجتمع المصري، التذمر و"غسل اليد" من القوى السياسية.

من الملاحظات التي تستحق التأمل، أن درجة تسيس المجتمع لم تكن فعليًا العامل الحاسم في انتكاسة الثورة، بل كل من سلوك القواعد الشابة للأحزاب السياسية، ونظرة الشباب الذين دخلوا لفضاء السياسة حديثًا بعد الثورة للعمل السياسي، فالأحزاب السياسية العربية الكبيرة، وذات التراكم التاريخي، تمتلك قواعدًا ضخمة ومنتشرة في المدن والأرياف في حالة المجتمعات المسيسة، وفي باقي المجتمعات تكون لأغلب الأحزاب قواعد صغيرة، ولأن شريحة الشباب هي الأوسع في مجتمعات العالم الثالث عمومًا، فإن البنية الصلبة لهذه القواعد هي من هذه الشريحة، ورغم هذا فإنهم لم يستطيعوا إحداث تغييرات حقيقية في أحزابهم، فهذه الأحزاب ابتداء ذات بنية شمولية، وتقترب في حالات كثيرة من المؤسسات المملوكة، ويحركها وعي ريفي رجعي، يشكل تمثلات قروية للحزب باعتباره "الأب"، واعتبار النقاش الديمقراطي، أو الاحتجاج في الدوائر الداخلية نوعًا من "الجحود" الذي يشق صف العائلة، وبتصورات كهذه يتم ربط القواعد بالحزب، ولهذا يبقى الشاب غالبًا في القواعد، خاصة إذا كان ذا وعي نقدي، بالإضافة إلى أن الأحزاب العربية على اختلاف توجهاتها قد سوقت، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، واحدة من أفدح أكاذيبها، وهي أنها قد تخلت عن الأيديولوجيا، واستبطنت فكرتي الديمقراطية والمواطنة، ولكن بعد أربعة أعوام من الثورة، أصبح جليًا أن هذه الأحزاب خلعت من الأيديولوجيا قشرتها فقط، وأبدلتها بقشرة الديمقراطية، أي أنها  أحزاب ذات وعي أيديولوجي بمظهر ديمقراطي، وهو وعي أيديولوجي رث، تختلط فيه عقد التاريخ بالسرديات المكرسة بتمجيد الشخوص، وليس حتى وعيًا يديولوجيًا عاتي الطرح والتنظير.

درجة تسيس المجتمع لم تكن العامل الحاسم في انتكاسة الثورة، بل نظرة القواعد الشابة للأحزاب إلى السياسة

في هذا السياق، تحركت القطاعات الشابة المسيسة قبل الثورة، وباستثناء بعض التذمر والكلام العام، لم تقم القواعد السياسية لأي حزب عربي كبير، بتثوير بنيته من داخله أو هزهها من خلال الإنشقاق المنظم احتجاجًا على سلوكها الكارثي في المرحلة الانتقالية، أما الشباب الذين أدخلتهم الثورة في عالم السياسة، فكان بعضهم بباعث من قلة الخبرة، والتصورات الطوباوية، قد اتجه إلى تشكيل مؤسسات سياسية جديدة عوضًا عن الاندماج في بنى حزبية جاهزة، والتحرك بتشكيلات جديدة في مجتمعات كرست الأحزاب نفسها فيها طوال عقود يعني الكثير من المصاعب، وغالبًا الفشل، وكانت نتيجة الاحتكاك السياسي القصير والمتعب بالمجتمع قد أوصلت كثيرين إلى اليأس من السياسة، خاصة مع انتكاسات الثورة وأحلامها.

يتمثل الإشكال المحوري لمرحلة مابعد الثورة بممارسات القوى السياسية، في اليمن ومصر، وحتى في سوريا التي لم تنجز ثورتها هدفها الأوليّ، وليس وجودها ذاته كما أشاع الكثير من شباب الثورات في المجتمع، حين قالوا إن القوى السياسية "ركبت موجة الثورة"، فإعادة صياغة المجال العام هو وظيفتها، و"الخيانة التاريخية"، التي قامت بها هذه القوى السياسية هي أنها لم تؤدها، بل أنها بممارساتها قد انتظمت فعليًا في عمليات تدمير الدولة، وهدم الفضاء العمومي حتى غدت إحدى ماكينات الثورات المضادة، بعلمٍ أو بغير علم، وتتحمل جانبًا موزونًا من مسؤولية هذه الجناية التاريخية، قواعدها الشابة وشباب الثورة وليس غيرهم، لأنهم اكتفوا بالتذمر من القوى السياسية، من غير تثوير بنيتها ودمقرطتها أو الاندماج فيها لتثويرها، ولأنهم دخلوا المرحلة الانتقالية بأدوات الثورة الشعبية، ينظمون مظاهرات ويقدمون شهداء، ولكن هذه الأدوات عقيمة من غير تسيس محدد، ومنتظم في تشكيلات حزبية.

وإذا كان لهذه التجربة المريرة من درس، فهو درس لشباب الثورة والشباب المسيس، فالمهمة بعد انتكاسة الثورات أصبحت أصعب، وتتمثل في إعادة بناء أفكار مثل العمل السياسي، المصالحات الوطنية، توافق القوى، منطق المساومات، وغيرها، وليس هناك من مدخل لكي ينجزوا هذه المهمة إلا التسيس والانتظام الحزبي، وإعادة النظر في بعض الأفكار الساذجة عن الأحزاب والعمل السياسي، وإدراك فكرة هامة وهي أن اليأس من التسيس يعني بقاء عوامل الانحطاط في الفضاء العام كما هي، لأن بنى القوى التي انتجت الواقع، لديها ميكانزمات لإعادة إنتاج ذاتها، ولن تتغير بدون هزات من الخارج، وأن مدخل الانتقال الديمقراطي، وبناء دولة المواطنين كان الثورة، أما إنجاز الانتقال ذاته، فهو عمل التشكيلات المسيسة في المقام الأول.

اقرأ/ي أيضًا: 

الذكريات وصداها في باريس

المهمشون والثورة.. قراءة جذرية للمشهد المصري