شالكه 04.. من المناجم وإلى المناجم يعودون

شالكه 04.. من المناجم وإلى المناجم يعودون

ثمة حيّ تعرفه كل ألمانيا وهو شالكه (دين مهتاربولوس/Getty)

قبل أكثر من ثلاثة أعوام، أرسل نادي شالكه الألماني لاعبيه لزيارة أحد المناجم في مدينة جيلسنكيرشن. يومها، اعترف هداف الفريق الهولندي كلاس يان هونتيلار أثناء وجوده في عمق 1078 مترًا تحت سطح البحر، بأن البقاء في الأعلى أفضل بكثير من الوجود داخل ذلك المكان.

هذا المنجم هو أحد المناجم القليلة جدًا المتبقية في المنطقة. فهنالك عند حوض الرور، توقفت عجلات مناجم الفحم الحجري، واختفت تقريبًا مصانع الصلب والحديد. من ذلك الماضي الغابر، بقي لعمال المناجم معلمٌ واحدٌ لا يبدو في طريقه إلى الاندثار، نادٍ يحيا على وقع هتافات آلاف العمال الذين بات الـ "فيلتينس أرينا" قبلتهم  الوحيدة بعد فقدان أعمالهم.


عندما اكتُشف الفحم الحجري للمرة الأولى في جيلسنكيرشين سنة 1840، كانت لا تزال قرية صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها 600 نسمة. وبسرعة هائلة، بدأت معالم المدينة بالتغير. أدى اكتشاف "الذهب الأسود" إلى تحولها لواحدة من أكبر المدن الصناعية في أوروبا. وحالها كحال معظم مدن ولاية الراين ــ فيستفاليا الواقعة شمال غرب البلاد، صارت المنطقة مقصدًا لسكان ريف بروسيا وبولندا الباحثين عن فرصة عمل.

وسريعًا، عرفت المدينة انتفاضة اقتصادية هائلة في النصف الأول من القرن الماضي بفعل ثرواتها الكبيرة، وهي انتفاضة تزامنت مع العصر الذهبي لواحد من أنجح أندية كرة القدم في البلاد، الأزرق الملكي شالكه. في الواقع، لم يكن لهذا النادي أن يولد إلا من رحم الفحم المحترق الذي التصق غباره بشبابيك المدينة طويلاً. فنشأة شالكه 04 ونجاحاته اللاحقة بطبيعة الحال، والتي يأتي في مقدمتها تحقيق سبعة ألقاب في الدوري المحلي قبل تأسيس رابطة البوندسليجا، ارتبطت أساسًا بظهور المناجم وازدهار القطاع الصناعي في المنطقة.

النادي الذي يحتل اليوم المرتبة الرابعة في العالم من حيث عدد الأعضاء المسجلين رسمياً بـ 135000 عضو، كان قد تأسس عام 1904 بمبادرة من بعض عمال المناجم في الضاحية التي حمل اسمها. ويروى أن أحد أكبر المؤسسين وهو إرنست كوزورّا اعتاد النوم داخل المنجم بدلاً من العمل، وذلك كي يتسنى له التمتع باللياقة البدنية اللازمة أثناء المباراة، فيما كان زملاؤه ينجزون عمله بدلاً منه.

ولسنوات طويلة، ظل نجوم الفريق يأتون من تحت الأرض، وظلت مبارياته الأسبوعية محجَا للأيادي الملطخة بالفحم والحديد. ورغم أن Die Knappen غابوا عن منصات تتويج الدوري المحلي منذ الخمسينيات، إلا أنهم تمكنوا من إدخال الفرحة إلى قلوب مشجعيهم بعد تحقيق لقب الكأس المحلية في 4 مناسبات، فضلاً عن لقب أوروبي يتيم عام 1997 في كأس الاتحاد الأوروبي أمام إنتر ميلانو الايطالي (الأرستقراطي).

شالكه هو الرابه في العالم من حيث عدد الأعضاء المسجلين رسمياً بـ 135000 عضوًا

ولعل اختلاف حال النادي بعد الحرب العالمية الثانية ليس سوى انعكاس لاختلاف حال المكان الذي فقد وحدته الاجتماعية والاقتصادية، ليتلاشى كيانه المترابط شيئًا فشيئًا. في الماضي، كانت النيران المنبعثة من أفران المصانع والمناجم تضيء سماء مدينة "الألف شعلة". أما اليوم، فلم يبقَ إلا الأبراج لتشهد على ماضي المدينة الصناعي، أبراج تمثل كل ما تبقى من مناجم فحم ومصانع حديد وفولاذ توقفت عن العمل منذ عقود، تحديداً منذ الستينات عندما شهدت المنطقة انهيارًا اقتصاديًا جعل عملية استخراج الفحم المحلي بلا أي جدوى اقتصادية بفعل إمكانية استيراد الفحم الرخيص، وظهور مصادر طاقة بديلة أكثر رفقًا بالبيئة.

كانت هذه المحطة المفصلية في التاريخ الحديث للمنطقة، التي خسرت الآلاف من سكانها الذين كانوا يعتاشون من المناجم لتغرق في عقود طويلة من البطالة المرتفعة، مع عدم تمكن آلاف العمال حتى الآن من مواكبة التحول البنيوي في اقتصاد الرور والحصول على فرصة عمل في المجالات الثقافية المستجدة. اليوم، بعد حوالي نصف قرن على تلك الأزمة، لم يتبق في حوض الرور بأكمله إلا منجمان اثنان لاستخراج الفحم الحجري، علماً أن أحدهما من المقرر إغلاقه بحلول عام 2018.

في مقابل كل ذلك، لم يعد مستغربًا أن تفوح من المناجم المهجورة روائح أكثر لطفًا من روائح الفحم، وأن تتصاعد من أبراجها المضيئة أنغام موسيقية بدلًا من بخار اعتادت أن تنفثه في وجه المدينة. باتت المناجم اليوم مسارح لعروض فنية موسيقية تجذب المبدعين من كل أنحاء أوروبا.

تأسس الفريق عام 1904 بمبادرة من بعض عمال المناجم في الضاحية التي حمل اسمها

من أكبر منطقة صناعية في ألمانيا في ثلاثينيات القرن الماضي تحولت منطقة الرور إلى عاصمة للثقافة الأوروبية عام 2010. بطبيعة الحال، لم تنجُ جيلسنكيرشن من هذا التحول، فمناجمها اليوم شبه ميتة، وسكانها الذين اعتادوا الحياة تحت الأرض بات عليهم أن يتكيفوا مع الهوية الجديدة للمدينة التي تسهر على وقع مهرجانات الأوبرا والميتال والهاوس. تشرّد عمالها، ولم يبقَ من ذكرياتهم إلا ممر صغير في ملعب "فيلتينس أرينا" ليذكّر لاعبي النادي عند عبوره كل مرة بأنهم من المناجم، وإلى المناجم يعودون.

"حتى لو هرمت وخرفت سأظل أذهب إلى شالكه"، تقول أغنية قديمة لمشجعي النادي. حتى لو لم يعرف المدينةَ أهلُها، فإن هنالك حيًا تعرفه كل ألمانيا هو حي شالكه. عندما لم تعد المناجم قادرة على استحضار هوية المكان، لم يبقَ للعمال إلا كرة القدم كي ترسم لهم الطريق. لم يبقَ للعمال إلا شالكه.

إقرأ/ي أيضًا: فقط في دورتموند.. تركيا تصنع، أرمينيا تسجّل