ultracheck
  1. ثقافة
  2. أدب

شاعرات إيران: بارنيا وشيوا وفروغ.. تعددت الأجيال والقتل واحد

17 يوليو 2025
من اليمين: شيوا أرسطوئي - فروغ فرخزاد - بارنيا عبّاسي (شبكات تواصل اجتماعي)
من اليمين: شيوا أرسطوئي، فروغ فرخزاد، بارنيا عبّاسي (شبكات تواصل اجتماعي)
عزة حسين عزة حسين

في السابع من شهر أيار/مايو الماضي، اختارت الشاعرة والكاتبة الإيرانية شيوا أرسطوي (1961- 2025) صبيحة يوم عيد ميلادها لتنهي حياتها، تاركةً وراءها نصًّا قصيرًا، ذِيع أنه آخر ما كتبت يقول: "لا أريدكِ أن تتبرعمي عَبر النافذة؛ أنتِ زهرة صغيرة وجميلة/ سُرعان ما ستذبل/ فلنضع الآن نقطة النهاية".

شيوا الكاتبة والمخرجة والممثلة التي تقاطعت فترة شبابها المُبكِر مع صعود الإسلاميين إلى حكم إيران عام 1979؛ فعاصرت التضييق على المبدعين الإيرانيين واستلاب حرياتهم ومحاصرة إبداعهم منذ أول تجلياته، كانت تُعدّ تلميذةً نجيبةً للشاعرة الفارسية الأشهر فروغ فرخزاد، وكانت الأخيرة ملهمتها، ربما حتى في ملاحقة الموت، وذلك على الرغم مما تركتاه كلتاهما من أثرٍ إبداعيٍ وسيريٍ كبيرٍ وملهمٍ؛ لكن يبدو أن بلوغ الغايات لا يمحو عنَت الطريق.

صحيحٌ أن جولة فروغ الأخيرة مع الموت كانت عبر حادث سيرٍ، لكنها سُبقت بأكثر من محاولةٍ غير ناجحة للانتحار، فضلًا عن محاولات الاغتيال المعنوي، والتشويه والطعن في السمعة التي تعرضت لها طوال حياتها، وأسفرت عن حرمانها من طفلها الوحيد؛ ما جعلها تتبنى طفلًا رأت أنه يشبهه ويشبهها في حرمانه من والديه المبعدين بأرض الجذام.

عاصرت التضييق على المبدعين الإيرانيين واستلاب حرياتهم ومحاصرة إبداعهم منذ أول تجلياته، كانت تُعدّ تلميذةً نجيبةً للشاعرة الفارسية الأشهر فروغ فرخزاد

كزهرةٍ مبتورةٍ، رحلت فروغ فرخزاد عن 32 عامًا وأربع مجموعات شعرية هي: "الأسيرة" (1952)، "الجدار" (1956)، "العصيان" (1957)، "ميلاد آخر" (1963)، وقصيدة طويلة نشرت بعد وفاتها بعنوان "فلنؤمن ببداية موسم البرد" (۱۹۷۳)، فضلًا عن فيلم سينمائي شهير بعنوان "البيت الأسود" حصد جوائز عالمية، وتجارب سينمائيةٍ أقل شهرة.

أما شيوا أرسطوي فرحلت عن 64 عامًا وأكثر من عشرة أعمال أدبيةٍ تنوعت بين المجموعات الشعرية والقصصية فضلًا عن ثماني رواياتٍ وفيلمين سينمائيين وتجارب في التمثيل والإخراج والترجمة وتدريس الفنون الأدبية؛ أي في ضِعف عمر فروغ، وبحصيلة أعمال ضِعف أعمالها، لكن أثر البَتْر ذاته ظهر جليًّا بشجرة الإبداع النسائي الإيراني؛ ليؤكد أن نساء جمهورية خامنئي لسن أكثر حظًا من نسوة مملكة الشاه.

ثم جاء استشهاد الشاعرة الإيرانية الشابة بارنيا عباسي (23 عامًا) إثر غارة صهيونية استهدفت منزلها، لتقضي مع شقيقها ووالديها ومدنيين آخرين، مكذبًا مزاعم إسرائيل عن كون حربها الجنونية التي اندلعت الشهر الماضي ضد المنشآت النووية الإيرانية لا الإيرانيين، جاء بعد ما يقرب من شهر على غياب أرسطوي؛ ليقول إن الشاعراتِ كُنَّ، على الدوام، هدف البرابرة في كل العصور.

على أكتاف النساء

في جنازتها التي ستظل عملًا شعريًّا مُتممًا أو رحلةً جديدةً للميلاد، تقدم نسوةٌ إيرانياتٌ، نزعن الحجاب، لحمل نعش شيوا لمثواها الأخير، في مشهدٍ تداولته العديد من وكالات الأنباء العالمية ومنصّات التواصل الاجتماعي، ما بدا كبطاقة تعريفٍ جديدةٍ للمبدعة التي كتبت مختلف فنون الأدب ودرَّسته وتَرجمت نصوصًا أجنبيةً، وتٌرجمت لها نصوصٌ، وأقامت ورشًا إبداعية، وأخرجت ومثّلت في أفلام سينمائية، ونالت جوائز مرموقة، لكن كل ذلك لم يفلح في كشف النقاب عنها وتقديمها للعالم كمبدعاتٍ إيرانياتٍ أخر لمعن في المنفى؛ لأنها اختارت البقاء في طهران ومقاسمة نسوتها صنوف المعاناة.

في جنازة شيوا استدعت الأوساط الثقافية الإيرانية من جديد فروغ فرخزاد، طاوية الستين عامًا التي تفصل بين رحيليهما الأليمين

تقول: "إن وجود المرأة في المجتمع الإيراني يعد مشكلة معقدة؛ في مثل هذه الظروف أن تكون إنسانًا أمرٌ صعب، وأن تكون امرأةً أصعب. هذا واقعٌ لا يُمكن إنكاره".

في جنازة شيوا استدعت الأوساط الثقافية الإيرانية من جديد فروغ فرخزاد، طاوية الستين عامًا التي تفصل بين رحيليهما الأليمين؛ ليس فقط للمقارنة بين جنازتي مبدعتين ومناضلتين نسويتين، كثيرًا ما تقاطعت تجربتاهما في الكتابة والحياة، وإنما أيضًا للتدليل على أن شيئًا ما قد تغير رغم قتامة المصير؛ فبينما حوصر نعش فروغ بالرجال من جميع الجهات، واتسمت المراسم بطابعٍ "ذكوري خالص" بحسب الصور وشهادات المعاصرين، أَبعَدَ نساءٌ ينتمين لحركة "المرأة، الحياة، الحرية" الرجال عن نعش شيوا، احتجاجًا على الممارسات القمعية الرسمية والشعبية ضد المرأة في إيران. وهو التقليد الذي وإن كان قد انتشر عقب حادثة الشابة الإيرانية مهسا أميني، التي فقدت حياتها على يد شرطة الأخلاق بطهران بسبب الحجاب، إلا أن له جذورًا أسبق، في وقائع كان خلالها إزاحة الحجاب أو حمل نعوش الأحبة على أكتاف النساء، شكلًا من أشكال المقاومة والثورة على السلطة الأبوية التي تحاصر النساء وتغتال أرواحهن، تحت راية ما يدَّعون أنه الدين.

كآبة عيد الميلاد

حتى انتحارها الذي سارت خلاله على درب مبدعين آخرين كإرنست هيمينجواي وبيتر دكنسون وجاك روبود، وجولي بيشوب وآخرين، كانوا ضحايا لما يعرف بـ"كآبة عيد الميلاد"، لم أكن سمعت بشيوا أرسطوي، ولم تسعفني محركات البحث باللغة العربية بمعلوماتٍ شافية عنها، بخلاف نعيها على منصات التواصل الاجتماعي، الذي أجج هواجسي من جديد.

كان ابنها من أذاع الخبر، بصيغةٍ موجعةٍ تحاول تأكيد ما كان يتمنى الابن لو يستطيع نفيه: "أنا ابن شيوا. لقد رحلت شيوا؛ رحلت فعلًا، أرجوكم لا تسألوا، سأكتب هنا لاحقًا عن الجنازة ومراسم الوداع"، ومن ورائه نعاها ورثاها مثقفون إيرانيون عديدون، بينهم حبيب أو زوج سابق وأصدقاء قريبون، لكنني ظللتُ أردد كلمات الابن الذي  قرأت أنه في الثلاثين من عمره، ورغم ذلك لم أستطع تصوره سوى كصغيرٍ يعود للبيت ليفتش في الموقد عن رأس أمه، ليقضي بقية عمره مزكومًا برائحة الغاز الذي سكن رئتيها قبل الرحيل؛ فمثلما لا تنجو شاعرةٌ إيرانيةٌ من شبح فروغ فرخزاد، لا تنجو شاعرةٌ منتحرةٌ من شبح سيلفيا بلاث، رغم كل من سبقنها وتلينها إلى تلك الخبرة الأليمة، ربما بسبب الطريقة التراجيدية التي توسلتها صاحبة "الناقوس الزجاجي" للرحيل.

البحث عن اسم شيوا باللغة الإنجليزية كان مثمرًا أكثر، خاصةً بعد المشهد الأيقوني للجنازة، الذي تلقفته منصات الأخبار والتواصل الشهيرة، فشيوا التي لم تكن ضمن أي من ملفات أو مواد الصحافة الثقافية المتداولة عن الشعر الإيراني الذي يُختزل عادةً في الشيرازي والخيام ومهدي إخوان وأسماء نادرًا ما تجد بينها شخصًا على قيد الحياة، ولا يبرق ضمنها اسمٌ نسائي بخلاف فروغ فرخزاد وسيمين بهبهاني على استحياء، شيوا كانت مبدعةً استثنائية، وصاحبة إرث إبداعي ثري ونوعي، وسيرة حياةٍ كانت خلالها مثقفةً عضويةً بالمعنى الإيجابي للكلمة.

لكن أمر مجهوليتها لم يكن غريبًا؛ ألم تتعرض فروغ نفسها لشتى محاولات الطمس والكشط من الثقافة الإيرانية طوال حياتها، وبعد رحيلها، وحتى وقتٍ قريب؟، ألم تكن وليمةً يوميةً لأنصاف الكتاب والمحافظين خلال حكم الشاه؟ وبعد ثورة الخميني ألم يتعرض إرثها بعد وفاتها لأشكال الحصار كافة، إلى حدّ توقيف ناشر أعمالها، بتهمة ارتكاب "جريمة نشر" أشعار فروغ فرخزاد؟! لكن، وكما ولدت فروغ من جديد بعد وفاتها، على حدّ وصف شقيقتها الكاتبة بوران فرخزاد، ولدت شيوا أيضًا، فعرفنا أن رحلتها المغايرة بدأت منذ وقتٍ مبكرٍ؛ ففي مقتبل حياتها شاركت في جبهات القتال كعاملة إغاثة خلال الحرب الإيرانية العراقية، المعروفة بـ "حرب السنوات الثماني". وقد أثّر ما شهدته في الحرب على نظرتها للحياة، فلم تنخرط في موجة الشعر الرومانسي وأنماط الكتابة التقليدية السائدة في ذلك الحين، بل كانت المرأة وقضاياها وموقعها المرتبك داخل المجتمع الإيراني هي هاجسها الذي تجسد في حوالي 12 عملًا أدبيًا توزعت ما بين الشعر الذي أصدرت ضمنه مجموعتين شعريتين هما: "ضائع" و"جوهرة"، والفن القصصي الذي أصدرت ضمنه مجموعتين أيضًا هما "جئت لأشرب الشاي مع ابنتي" و"ضوء القمر"، التي فازت وقت صدورها عام 2003 بجائزتين مرموقتين هما "يلدا" و"جولشيري".

 ألم تتعرض فروغ نفسها لشتى محاولات الطمس والكشط من الثقافة الإيرانية طوال حياتها، وبعد رحيلها، وحتى وقتٍ قريب؟

فيما حصد الفن الروائي النصيب الأكبر ضمن إنتاجها الأدبي بواقع ثماني رواياتٍ هي: "بيبي شهرزاد"؛ "أفيون"؛ "حين رأيتها صرت جميلة"؛ "الطبعة الأولى"؛ "السماء ليست فارغة"؛ "نينا"؛ "خوف"؛ "لكن مجنونة"؛ و"من أجل قبلةٍ في بودابست"، الصادرة قبل عشر سنوات، والتي تعرضت للمنع والمُصَادرة من معرض طهران للكتاب، ولم يتبق منها غير كتابٍ صوتي.

ضد الصمت والخوف

في مقابلاتها الصحفية، كما في أعمالها، بدا كم كانت شيوا تكره القيود والحصار والمنع الذي يفسد حياة الكتاب والمثقفين الإيرانيين وفي القلب منهم النساء. وتنقل عنها الكاتبة البحرينية بروين حبيب تصريحاتٍ بهذا المعنى في أكثر من مناسبة مثل: "أمنيتي هي الحرية المطلقة في الكتابة ونشر أعمالي دون قيود. لا أريد لأي كاتب أن يلجأ إلى الصّمت بسبب الخوف"، و"لم يكافح أحد مع النظام لنشر قصصه بقدر ما عانيت".

شيوا أيضًا إحدى أشهر المبدعين الذين وقّعوا قبل ثلاثين عامًا أي في منتصف تسعينيات القرن الماضي بيان 134 كاتبًا، المعروف باسم بيان "نحن كُتّاب"، وهو رسالة مفتوحة وجهها مبدعون إيرانيون إلى النظام الحاكم احتجاجًا على الرقابة وللمطالبة بإيقاف المنع والمطالبة بحرية التعبير. لكن يبدو أنها بالفترة الأخيرة من حياتها قد ضاقت باستمرار ذلك المناخ الذي تناضل ضده منذ التسعينيات، فرحلت هربًا مما وصفته بـ "المسعى العقيم المسمى بالوجود"، قبل أن تشهد مجددًا أجواء الحرب وويلاتها التي انطبعت في ذاكرتها منذ الثمانينيات، لتلحق بها شاعرةٌ أخرى يليق بها تمامًا وصف شيوا "أنت زهرة صغيرة وجميلة، سرعان ما ستذبل" هي الشاعرة الشابة بارنيا عبّاسي، التي صنع مقتلها إضاءةً جديدة على جرائم آلة الحرب الصهيونية، التي لا تكترث لأمر المدنيين في أي مكان.

وإن كانت بارنيا (2002- 2025) قد اُنتزعت من الحياة في عمرٍ مبكرٍ جدًا، لكن شهادات معارفها وأصدقائها والمقابلة الصحفية الوحيدة التي أجرتها مع صحيفة إيرانية، ونصوصها المتناثرة يشون جميعًا بشاعرةٍ كانت واعدة؛ مفعمة بالحياة وبمحبة الأدب، الذي كانت تعدّه بؤرتها الشخصية للنظر إلى العالم تقول: "أنظر إلى كل شيءٍ حولي بطريقةٍ تسمح لي بالكتابة عنه".

بارنيا معلمة اللغة الإنجليزية التي كانت تعمل في بنك محليٍ، كي تتسنى لها المشاركة في ورش الكتابة الشعرية، لم تكن تعرف وهي تفتح شرفتها، في لحظةٍ صادفت إحدى الغارات الجوية الإسرائيلية العدوانية، أنها كانت تكتب قصيدتها الأخيرة، وأن سريرها ذا الملاءة الوردية ودفتر أشعارها الأخضر الصغير، سينافسان صورتها الحالمة على صفحات جرائد العالم في الصباح. وبرحيلها تكون إيران قد فقدت، خلال ما يزيد قليلًا على الشهر، شاعرتين، تختلفان في العمر ومساحة التجربة ومدى نضجها، لكن يجمعهما الإبداع وقدر معاصرة الجنون العالمي الذي يقوده الطُغاة وتجار الحروب، وسماسرة القمع باسم الوطن والدين.

كلمات مفتاحية
فوق رأسي سحابة

"فوق رأسي سحابة": حين يصبح الألم لغةً عالمية

تقدّم الكاتبة دعاء إبراهيم نصًا نفسيًا قاسيًا وعميقًا يلاحق أسرار النفس البشرية عبر رحلة إنسانية محطاتها الاساسية تبدأ بمصر ومنها إلى اليابان

أربعة عشر وجهًا حزينًا

أربعة عشرَ وجهًا في "مكرو" مزّة جبل كراجات

تأخذنا براءة في رحلة من عدة صفحات لتعرفنا على عالم "المكرو"، الذي يمثل لها المعرفة بتفاصيل الشقاء السوري اليومي الذي تريد توثيقه هنا

حيدر الغزالي

حوار| حيدر الغزالي: غزة منحتني أصعبَ إقامةٍ أدبية في الحرب

تُرجمت نصوصه التي يكتبها على صفحته الشخصية في منصة "فيسبوك" إلى ثماني لغات

فوق رأسي سحابة
أدب

"فوق رأسي سحابة": حين يصبح الألم لغةً عالمية

تقدّم الكاتبة دعاء إبراهيم نصًا نفسيًا قاسيًا وعميقًا يلاحق أسرار النفس البشرية عبر رحلة إنسانية محطاتها الاساسية تبدأ بمصر ومنها إلى اليابان

كأس العالم 2026
رياضة

موجات الحر والمونديال يربكان التقويم الدراسي في المكسيك

تراجعت الحكومة المكسيكية عن قرار أثار جدلًا واسعًا بإنهاء العام الدراسي قبل موعده المعتاد بنحو ستة أسابيع، بعدما واجهت الخطة انتقادات حادة من الأهالي والنقابات التعليمية

أنتا
أعمال

من 600 حذاء إلى إمبراطورية رياضية.. قصة صعود "أنتا" الصينية

أصبحت شركته "أنتا" الصينية تنافس عمالقة الملابس الرياضية العالميين مثل نايكي وأديداس، فكيف حدث ذلك؟

صورة تعبيرية
مجتمع

فيروس "هانتا" يربك العالم.. منظمة الصحة تحذر من موجة إصابات جديدة

حذّرت منظمة الصحة العالمية من احتمال ظهور المزيد من الإصابات بفيروس "هانتا"، بعد تحوّل سفينة الرحلات البحرية "إم في هونديوس" إلى بؤرة تفشٍ دولية