"شارلي إيبدو".. الاستعراض العنصري

رسم منشور في شارلي إيبدو

مرة أخرى تعود مجلة "شارلي إيبدو" الفرنسية للإساءة في رسوماتها الساخرة من العرب اللاجئين، ففي كل رسم يحمل أفكارًا عنصرية، يخرج أحد رسامي المجلة لتصحيح وجهة نظر القارئ، وبأنه يجب أن يقرأ فكرة الرسم من ناحية إيجابية، وأنهم يتناولون المواضيع بشكلٍ أكثر جرأة، وكأن القارئ بحاجة لمن يشرح له ما يقرأ أو يرى.

في كل رسم يحمل أفكار عنصرية في "شارلي إيبدو"، يخرج أحد رسامي المجلة لتصحيح وجهة نظر القارئ

المجلة الفرنسية نشرت في عددها الصادر 13 كانون الثاني/يناير لهذا العام، رسمًا استفزازيًا يحاكي اعتداءات مدينة كولونيا الألمانية ليلة الاحتفال برأس السنة. يظهر في الرسم ثلاثة أشخاص يركضون خلف فتاة، فيما يظهر أعلى الصفحة دائرة رسم داخلها الطفل السوري إيلان، الذي وجد ميتًا على أحد شواطئ بحر إيجه التركي بعد غرق قاربهم المطاطي، وكتبت الصحيفة إلى جانب الصورة جملة: "لو كبر إيلان، ماذا كان سيصبح؟"، في إشارة لاستمرار أوروبا في استقبال اللاجئين.

وهذه ليست المرة الأولى التي تسخر فيها المجلة من الطفل الغريق إيلان، فهي تناولت حادث غرقه قبل أربعة أشهر تقريبًا، في أحد أعدادها بعدة رسوم، كان أشهرها الرسم الذي حمل عنوان "هذا دليل على أن أوروبا مسيحية"، رسمت فيه السيد المسيح مع عبارة "المسيحيون يسيرون على الماء"، وعلى الرمل الطفل إيلان وعبارة "أطفال المسلمين يغرقون".

وكما جرت العادة عند رسامي "شارلي إيبدو"، وبعد كل رسمٍ استفزازي، سارعت المجلة لتبرئة نفسها من العنصرية الظاهرة في الرسم، وأن الرسم يستهدف شريحة معينة من الذين يحملون مشاعر عنصرية ضد اللاجئين، ولديهم مرض الإسلاموفوبيا.

في 11 كانون الثاني/يناير لعام 2015، أي قبل عام كاملٍ من تاريخ الرسم الحديث، تظاهر مجموعة من قادة العالم في باريس، تضامنًا مع صحيفة "شارلي إيبدو" التي تعرض مقرها لهجوم مسلح نفذه منتسبون لتنظيم القاعدة، وقتل فيه ثمانية من فريق المجلة. الهجوم كان ردًا على الرسوم الساخرة من النبي محمد، وعلى الرغم من أن الرسم كان يستفز مشاعر مليار وستة ملايين مسلم، إلا أنهم نالوا تعاطفًا مكثفًا من كافة العالم، أغلبهم من المسلمين الشريحة المعنية بالإساءة.

بعد كل رسمٍ استفزازي، تسارع "شارلي إيبدو" إلى القول إن الرسم يستهدف الذين يحملون مشاعر عنصرية ضد اللاجئين

بعد الهجوم الذي تعرض له مقر المجلة، انتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي هاشتاغ باسم "أنا شارلي/Je suis Charlie"، تضامنًا مع ما تعرضت له المجلة، سرعان ما انتشر الهاشتاغ بين السوريين، وقامت مجموعة من صحف المعارضة السورية بتخصيص الصفحة الأخيرة للتضامن مع المجلة، ما أدى لمنعها من التداول وحرق الأعداد المصادرة، من قبل ما يعرف باسم "شعبة المعلومات" في المناطق التي تسيطر عليها فصائل المعارضة السورية، بحجة تأييدهم للرسوم المسيئة للنبي محمد.

ومن هنا جاء القول إنها حصلت على تضامن عالمي واسع، لأن السوريين وعلى الرغم من مصابهم الكبير بفعل عملية القتل والتهجير اليومي، لم ينسوا أن يتضامنوا مع المجلة الجريحة. ومن ناحية ثانية يمكننا أن نلحظ فعليًا أنه في كل هجوم يحصل في إحدى المدن الفرنسية، تحصل فرنسا على دعمٍ عالمي عالي الجودة، وهي في نفس الوقت حليفٌ أساسي في مكافحة الإرهاب، وملتزمة مع باقي حلفائها في القضاء عليه، عكس ما حصل في اعتداء كولونيا، وهجوم إسطنبول الأخيرين، حتى أن الفيسبوك لم يتضامن معهما.

إذن، تنجح "شارلي إيبدو" ولا تفشل في استفزاز مشاعر الآخرين، تحت بنود حرية التعبير واحترام الرأي الآخر، وهي في كل مرة تسقط فيها في أوحال العنصرية، تبرر سقوطها بحججِ غير منطقية، فالجملة التي كتبت إلى جانب رسم إيلان، ليست سوى نوع من العنصرية الرخيصة التي تحاول أن تبدو من خلالها أنها متضامنة مع ضحايا اعتداءات كولونيا، لكنهم يصرون على أنهم براء من المشاركة في حلقات التحريض العنصري اليومية، مع أنهم يتحولون إلى صحافة شعبية رخيصة، وغالبًا يعجبهم هذا التحول طالما يأتي لهم بكل هذا الضجيج.

وتأتي عملية الربط بين الاعتداءات وصورة إيلان، في إشارة واضحة إلى أن الأطفال اللاجئين يشكلون خطرًا مستقبليًا على أوروبا، وأن اللاجئين هم مصدر الإرهاب الذي يضرب في أوروبا، زد على ذلك أن اللاجئين أصبحوا في أوروبا مشاريع استثمار للسياسيين، بين من يحرض عليهم من طرف، ومن يدافع عنهم من طرف آخر.

وفي ذات الوقت تظهر المجلة بعضًا من الشماتة فيما آلت إليه الأوضاع في الدول الأوروبية بعد تدفق اللاجئين إليها، رغم تأكيدها على أنها معادية للعنصرية، ويسارية الهوى والميول، وهو حال أغلب التيارات اليسارية العالمية والعربية.

الحملات العنصرية في أوروبا تجعل من كل لاجئ مع مرور الوقت هدفًا مشروعًا لأي شخص 

ربما من سوء حظ السوريين تحديدًا، أن نشر الرسم جاء بالتزامن مع هجوم إسطنبول الأخير، والذي كان أكبر عدد من ضحاياه من السياح الألمان. فالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أعلن أن منفذ الهجوم سوري الجنسية مولود في السعودية، لتكتمل هنا مأساة السوريين إلى جانب مآسي كثيرة، أغربها ظهور جواز السفر السوري عند كل هجوم إرهابي يحصل في أوروبا.

لم تكن إساءة "شارلي إيبدو" سوى واحدة من الإساءات التي بدأ يتعرض لها لاجئو الشرق الأوسط، فبعد اعتداءات كولونيا الأخيرة، تعرض عدد من السوريين والباكستانيين في ذات المدينة لهجومٍ من مجهولين، رغم تبرئة السوريين من المشاركة في الاعتداءات.

تظهر المجلة الفرنسية بكامل عنصريتها ومعاداتها للاجئين الهاربين من الموت، بينما يُظهر اللاجئون في كل اعتداء أو هجوم تعاطفًا كاملًا، وتبدأ حملات الاعتذار والتأسف عما جرى، وكأنه صار لزامًا على الجميع دفع تكاليف أخطاء الآخرين، وتحمّل وزر أعمالهم، وهو ما يفرض على القادة الأوروبيين أن يبدؤوا حملات تحارب العنصرية المتأججة ضد اللاجئين، طالما أنهم بحاجة لأيدٍ عاملة تغطي النقص الحاصل لديهم، وإلا فإن الحملات العنصرية ضد اللاجئين في أوروبا ستزداد بشكلٍ أكبر، ما يجعل من كل لاجئ مع مرور الوقت هدفًا مشروعًا لأي شخص لا يرغب وجوده في أوروبا.

اقرأ/ي أيضًا:

حقوق الإنسان الغريقة في المتوسط

عن الهجمات الأكثر دموية في تاريخ فرنسا