سُلطة الفيفا ضد الجميلات!

سُلطة الفيفا ضد الجميلات!

فاجأت الفيفا نفسها والمتابعين بقرار منع التقاط عدسات المصورين لصور المشجعات "الجميلات" (Getty)

إنها المرة الأولى تقريباً التي تتوسع فيها سُلطة الفيفا بهذه الصورة، لدرجة أن يغامر الاتحاد الدولي لكرة القدم بمنع جميلات كأس العالم من الظهور في الصحف والفضائيات، وهو بهذا كمن يحد من حرية عدسات المصورين وكاميرات التلفزة في اقتناص اللقطات المؤثرة والمشاهد الأكثر تعبيراً وإنسانية من اللعبة نفسها.

فاجأ الفيفا نفسه والمتابعين، بقرار منع التقاط عدسات المصورين للمشجعات الجميلات في مونديال روسيا 2018

الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) فاجأ نفسه ربما بهذه الخطوة، حين طلب رئيس لجنة المسؤولية الاجتماعية، فريدريكو أدييتشي، من وسائل الإعلام الناقلة لكأس العالم، عدم التركيز على المشجعات الجميلات في المدرجات. وقال أدييتشي: "واضح أن التركيز على الفتيات الجميلات فقط، وأرى أن ذلك نوع من التمييز الجنسي، عندما يتم تسليط الكاميرات على أناس معينين".

اقرأ/ي أيضًا: رئاسة الفيفا للرجل الأبيض!

وأضاف: "ومن الناحية الرياضية فإن ذلك يفقد المشاهد متعة مشاهدة المباراة". ولكن هنا، وعلى ما يبدو فإن الجدل الذي سيغرق ميادين الفيفا، إلى أي معايير جمالية اعتمد على فتواه؟ أي من هن الجميلات من القبيحات وفقاً لنظرته، إذا كان المنطق الفلسفي يزعم بنسبية فكرة الجمال؟!

والأمر يبدو مختلفاً بالنسبة للشاعر محمود درويش، في مقارعة مطالب الفيفا، حيث تنفتح شاعرية درويش بصورة أرقى وأعمق في: "الجميلات هنَّ الضعيفاتُ، الجميلات هنَّ الأميرات، القصيرات، الجميلات هنَّ الفقيرات..."، أو أنهم الرئيسات أيضاً، كما هو الحال بالنسبة لرئيسة كرواتيا، كوليندا كيتاروفيتش، حين بدأت تخطف الأضواء، وتثير اهتمام شعوب العالم الثالث، أكثر ربما من غيرهم، ما يعني أنهم في حاجة إلى رئيسة تؤازر منتخب بلادها وترتقي به، وتتناسب في حنانها ووطنيتها وذكائها وجمالها ومسؤولياتها.

بالقدر نفسه وأكثر، يمكن أن تكون حجة القنوات الفضائية الناقلة، أنها تتعامل مع جمهور تتنوع أشكاله وألوانه حسب الفرق التي تلعب، فمثلاً عندما تلعب نيجيريا فإن الكاميرا، وعلى نحو تلقائي تلتقط وجوه النيجيريات، وعندما تلعب البرازيل أو فرنسا، تحتشد منطقة التشجيع بالفرنسيات.

إلا إذا كان الفيفا بالفعل يعزف على وتر الفضيلة، عازماً على استحداث هيئة للأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر، تراقب القنوات التي تبث مشاهد خادشة للحياء العام، وهو سلوك لم يعودنا عليه الاتحاد الدولي لكرة القدم، كما أن الفيفا نفسه "على رأسه ريشة"، وباختصار فهو مكان سيئ السمعة، أشبه ببازار هائل لبيع الذمم المالية والانحياز الفاضح للكبار.

إذا كان الفيفا يعزف على وتر الفضيلة، فلا ينبغي أن ينسى أنه باختصار مكان سيئ السمعة كبازار لبيع الذمم المالية والانحياز للكبار

مؤخراً أتسعت دائرة المتابعة والاهتمام برياضة كرة القدم، وبات كأس العالم تحديداً بمثابة حفل كبير تنصرف الأنظار صوبه، من كل فئات المجتمع، ولا تكاد تجد بلدًا معزولة عن هذا الحدث الرياضي العظيم، كما أن الحكومات أيضاً، وحتى تلك التي لا تعبأ بالرياضة ويندر أن تشارك منتخباتها في كأس العالم، تجدها في حالة استنفار لهذه المناسبة، تستثمر فيها سياسياً واقتصادياً بتنظيم طقوس المشاهدة.

اقرأ/ي أيضًا: "أعطونا الحرية".. صوت الإيرانيّات المبحوح في ضجيج كأس العالم

وعلى هذا النحو لم تكن النساء استثناءً، حتى أن عدم مشاركتهن في التحكيم ولعب مباريات كأس العالم مطلقاً، لم يحل بينهن والحضور في هذه المناسبة، من خلال المتابعة عبر التلفاز أو بالسفر وتشجيع الفرق، دون أن يقيد حريتهن أحد، أو يفرض عليهن طريقة محددة للتشجيع، بل اتسعت لهن مدرجات الملاعب، حتى شغلن حيز حركة الكاميرا على من سواهن، وهذا الحضور الكثيف وابتكار أساليب التشجيع المثيرة سبب كاف جداً لحبس أنفاس المصوريين.

ذؤابة الضوء التي تكاد تخبو بخروج المنتخبات العريقة مثل ألمانيا والبرازيل والأرجنتين، سرعان ما لبثت معاودة السطوع مع تطور فنيات التصوير الرقمي ومِزاج المشاهدة، مثل وضع كاميرات البث المباشر في عواصم المنتخبات المنافسة، لتنقل لنا نبض الجماهير الحي، من عدة شاشات عملاقة منصوبة على ساحات مفتوحة، تحتشد بالآلاف، ويصبح للانتصار متعة خاصة جداً، بالدموع والانفعالات الغرائبية، كما أن التعبيرعن مشاعر الفرح والحزن، عند معانقة الكرة للشباك، تحولت إلى كأس عالم آخر، لا تقل أهمية وإدهاشاً عن الفرجة على اللاعبيين إن لم تتفوق عليها أحيانًا، وهذا ما جعل كرة القدم أكثر شعبية، تزداد كل يوم شيئاً فشيئاً.

وفي منافسة مشحونة بالمشاعر والتعابير، لن تفلح مطالب الفيفا الجديدة، ولن تجد لها سوقًا رائجة، وبالضرورة سوف تطغى متعة مشاهدة جمهور كرة القدم على متعة مشاهدة كرة القدم نفسها، وهو التحول الغالب والأكيد، بسطوة الجمال، وبالإغراء، لا كإغراء مأخوذ بالحماس الإيروتيكي، والولع بالنساء الجميلات عموماً، لكنه ببساطة جمال ألوان قوس قزح، يكمن السر والعجب فيها تماماً.

لن تفلح مطالب الفيفا الجديدة بعدم التقاط صور المشجعات، ولن تجد لها سوقًا رائجة، فهي جزء من المنافسة المشحونة بالمشاعر والتعابير

بالعودة لسُلطة الاتحاد الدولي لكرة القدم في منع الجميلات من الظهور تحت فضاء أملاكه الخاصة، أو اللواتي ينسحب عليهن التوصيف الفيفوي، ينتصب أكثر من استفهام: هل يمتلك الفيفا كل الحيز المشدود صوب كأس العالم؟ وماذا يريد بعد أن حصل على ثمن البث الحصري مقدماً؟ ومن عجب يقودنا السؤال إلى فكرة براغماتية، فلا بد أن الفيفا بطبيعة تفكيره الرأسمالي المتوحش، توصل إليها، وذلك بعد أن قامت إحدى وكالات الصور العالمية الشهيرة بنشر ملف صور خاص، تحت عنوان "جميلات المونديال" ولعل الفيفا يفكر الآن وبشكل جاد، في بيع حقوق بث جديدة للقنوات الفضائية، خاصة بمنطقة المشجعين، وبالأخص الجميلات، كما يراهنَ.

 

اقرأ/ي أيضًا:

5 طرق لمواجهة العنصرية في كرة القدم

تعرف إلى 8 من أشهر الأغاني الرسمية لكأس العالم